أيلول 2008 العدد (6)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

September 2008 No (6)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب الصورة تتحدث الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

منبر البيئة والتنمية:


 

 

 

الثورة التنموية - الاجتماعية الكامنة في الاقتصاد المعتمد على مصادر الطاقة المتجددة

جورج كرزم

 

يتميز الاقتصاد القائم على الطاقة الأحفورية (النفط والفحم الحجري والغاز الطبيعي) باعتماده على مخزون محدود وغير متجدد من الطاقة، علما بأنه استنادا إلى الاستهلاك العالمي الحالي للطاقة، فإن الاحتياطي العالمي من النفط الذي تبلغ حصته من الطلب العالمي على الطاقة نحو 40%، سيجف خلال أربعين سنة.  وسيزيد هذا الوضع من الأزمات الاقتصادية العالمية، بسبب الارتفاعات الكبيرة المتوقعة في أسعار النفط.  بل، وللتخفيف من حدة الأزمات والتوترات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتوقعة في الدول الصناعية "المتقدمة"، قد تشن هذه الدول، تحت ذرائع واهية، حروبا لضمان نهبها لمصادر الطاقة غير المتجددة، والتي يقع الجزء الأكبر منها في دول الجنوب تحديدا.  وما شن الحرب الاستعمارية على العراق، وتفتيته كدولة كانت قائمة، سوى المثال الصارخ الأكثر سطوعا على ذلك.  وقد تعمل نفس الدول أيضا، بدعاوى حقوق الإنسان والديمقراطية وما شابه من كليشهات، على تجزئة وتفتيت دول أخرى غنية بمصادر الطاقة الأحفورية، على أساس عرقي أو طائفي أو قومي.  لهذا، سبق أن أكدت "الإستراتيجية الجديدة" للحلف الأطلسي لعام 1999 على أن مهمتها الجديدة ستكون "تأمين الوصول إلى المصادر على الصعيد العالمي".

ويتميز الواقع الحالي لاحتياطي مصادر الطاقة التقليدية غير المتجددة، بوجوده في بقع معينة محدودة من العالم، إلا أن استهلاكه غير متمركز، وينتشر في كل بقاع الأرض.  ومع ذلك فإن استغلال هذه المصادر يتميز بالتمركز الشديد بأيدي بضع شركات احتكارية غربية، تعمل باستمرار على زيادة التمركز والاحتكار تحت ستار ما يسمى بالعولمة.

علاوة على ذلك، قد تتسبب الانبعاثات الناتجة عن استهلاك الطاقة الكربونية التقليدية في أزمة بيئية عالمية تزداد مخاطرها سنويا، علما بأن مئات الكوارث البيئية الخطيرة يحدث معظمها سنويا بسبب الانبعاثات الناتجة عن استخدام الطاقة.  ويجب ألا ننسى أن الكوارث البيئية تسبب غالبا انهيارات اقتصادية.   

إذن، تتطلب الحتمية التاريخية والتنموية والبيئية، ومصلحة مجموع البشرية التي يعيش معظمها في دول الجنوب، التي يفتقر معظمها إلى مصادر الطاقة غير المتجددة،  اللجوء إلى بدائل للمصادر الأحفورية التقليدية.  وتتمثل هذه المصادر في الموارد الأولية المتجددة مثل الطاقة الشمسية والطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة العضوية.  ويكفي أن نعرف أن حجم الطاقات الكامنة في الموارد الأولية المتجددة يفوق بشكل هائل حجم الطاقات الكامنة في الموارد غير المتجددة.  وعلى سبيل المثال، يقدر حجم الطاقة التي تبثها الشمس إلى الكرة الأرضية بأكثر من 15000 مرة من الاستهلاك السنوي العالمي من الطاقة الأحفورية التقليدية والنووية معا.  إذن، يمكننا أن نستبدل بكل مصادر الطاقة الأحفورية المصادر الشمسية التي تتميز بسمات مضادة لسمات الطاقة الأحفورية.  ومن أهم هذه السمات أن الطاقة الشمسية لا تنضب مادام النظام الشمسي موجودا.  والأهم هو أنه عند تحول الطاقة الشمسية إلى طاقة أو مادة ثانوية على شكل وقود أو حرارة أو كهرباء، لا ينتج عن هذا التحول انبعاثات خطرة على البيئة.  كما أن المصادر الشمسية تتواجد في كل بقاع الأرض،  فيمكن الاستفادة منها على أساس محلي، وغير متمركز، وبعيدا عن الاحتكار الحاصل في مصادر الطاقة غير المتجددة.

إذن، لا يحتاج استخدام مصادر الطاقة  الشمسية إلى الاحتكارات العالمية، وكل ما نحتاجه هو تكنولوجيا التحويل البسيطة والمناسبة للاستعمال المحلي.  وبما أن مصادر الطاقة المتجددة ليست متمركزة، فيمكننا الاستثمار في عدد كبير من مشاريع التحويل الصغيرة، بمعنى الاستغناء عن المشاريع الكبيرة وتعويضها بعدد كبير من المشاريع الصغيرة، ناهيك عن رد الاعتبار للاقتصاد الفلاحي والزراعي، وزيادة الاهتمام به كمصدر هام لإنتاج المواد الأولية للصناعة.  كما يمكننا أيضا التخلص من التبعية لوسائل نقل وتوزيع الطاقة لمسافات كبيرة واستبدال الوسائل المحلية بها.  وبالمحصلة، يمكننا إعادة الترابط بين مناطق تحويل الموارد الأولية ومناطق استهلاكها، فضلا عن التحرر من التبعية للاقتصاد القائم على المصادر غير المتجددة، وللاحتكارات الرأسمالية العالمية المهيمنة عليها؛ هذا التوجه يسير، بطبيعة الحال، في خط مضاد للعولمة، وبالتالي سيوفر لمختلف المجتمعات والشعوب فرصا أكبر للتنمية الاقتصادية العادلة اجتماعيا والمستدامة بيئيا.  

ومن المنظور التاريخي والاستراتيجي، ستتمكن البشرية، عندما تتحول إلى عصر الطاقات المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، من التخلي عن المدن الضخمة ذات ملايين السكان، والعودة إلى المدن الصغيرة والمتوسطة.  وستتلاشى كذلك الشركات الاحتكارية "العابرة للقوميات"، لأنه، في ظل الاقتصاد المعتمد على الطاقة الشمسية بشكل أساسي، سيتعذر من الناحية العملية والفنية مركزة الموارد ورؤوس الأموال.  وحيث إن الحكام والأنظمة السياسية لا يمكنهم "خصخصة" الشمس، فلا يستطيع أي كان أن يهدد أو يحتكر هذا المورد الخالد، بل سيكون بالإمكان تعميم التطور التقني الصناعي لقوى الإنتاج على عموم البشرية.

وبالإضافة إلى البعد البيئي، سيتضمن استخدام مصادر الطاقة المتجددة في المستوى الفلسطيني تحديدا،  بعدا تنمويا وطنيا يتجسد في التحرر من التبعية المطلقة للطاقة الأحفورية الإسرائيلية، مما سيعزز عملية إعادة تدوير الرأسمال المحلي في السوق الفلسطينية؛ وبالتالي سيثبت الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني الذي يعد شرطا أساسيا وضروريا لإنجاز الاستقلال السياسي الحقيقي.  وقد أثبت الحصار التجويعي الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، منذ سنوات، والذي حجبت فيه إسرائيل ولا تزال تحجب كل أنواع الوقود والمحروقات والكهرباء عن أبناء شعبنا هناك، صحة طرحنا. 

وخلاصة القول، سيعزز الانتقال إلى الاقتصاد المعتمد على الموارد المتجددة الحريات الفردية والاجتماعية، ويعتبر هذا التحول في الحقيقة مشروعا تاريخيا وحضاريا من الدرجة الأولى، ويتضمن ثورة في تكنولوجيا الطاقة ستقود بدورها إلى ثورة تنموية وبيئية واقتصادية واجتماعية وسياسية.

للأعلىé

علـى الحـافـة

نحو أنظمة تحاكي الطبيعة

حبيب معلوف / لبنان

 

بالرغم من تحول مشكلة النفايات، بكافة أنواعها المنزلية والصناعية والطبية، إلى قضية كبرى في لبنان،  إن لناحية كلفة "معالجتها" العالية جدا والمقدرة بمئات ملايين الدولارات سنويا، أو لناحية تسببها بتلوث التربة والمياه الجوفية والهواء، غير المقدرة بثمن، أو لناحية تسببها بمشاكل مناطقية وطائفية وإدارية كثيرة... بالرغم من كل ذلك، لا نعتقد أن أحدا من الوزراء الجدد قد فكر في إدراجها في البيان الوزاري للحكومة الجديدة. على الأقل لناحية إيجاد "استراتيجية للدولة"، للتخفيف من إنتاجها وتزايدها وتراكمها، على المديين المتوسط والبعيد.  

فمن يطلع على كيفية معالجة مكب النورماندي على سبيل المثال، والكلفة العالية المترتبة على ذلك، بالرغم من تكتم شركة سوليدير على الموضوع، غير المبرر، يعرف ضخامة المشكلة وكلفة معالجتها العالية جدا، لاسيما إذا أردنا أن نقوم بحسابات مقارنة مع الكلفة الحقيقية المترتبة أيضا، في حين قررنا معالجة باقي المكبات الضخمة المنتشرة على الشاطئ، في برج حمود وصيدا وطرابلس، بالإضافة إلى مكبات الداخل الكثيرة. بالإضافة طبعا إلى الكلفة العالية التي تدفع لشركة "سوكلين"، التي تجمع وحدها أكثر من نصف نفايات لبنان، وتلك التي تدفعها البلديات لشركات جمع ورمي هنا وهناك، أو تلك الأكلاف التي لا تدفعها أيضا... إلخ هناك بالطبع مشاكل بيئية كثيرة أخرى، يفترض أن تدرج في استراتيجية متكاملة، لتشكل جزءا من البيان الوزاري للحكومة وسياساتها... إلا أن لقضية النفايات خصوصية، كونها القضية التي لا تحتاج معالجتها إلى المال الكثير على المدى البعيد، لا بل تتطلب تغييرا في الاستراتيجيات والسياسات فقط.

إلا أن الاستراتيجية البيئية تعني، في حصيلتها، قيام الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، على أسس الأنظمة البيئية في الطبيعة، وليس العكس.

على المستوى الاستراتيجي إذاً، يجب إدخال تعديلات جوهرية في الأنماط الإنتاجية كافة وتصحيح الخـطأ التاريخي المتمثل بالتعارض بين دورة الطبيعة الدورية والنمط الاقتصادي الصناعي الإنتاجي الخطي. ففي الطبيعة لا وجود لمنظومات خطية. وكل نظـام خطي مصيره الانقراض. لا بل إن معظم الأنظمة الطبيعية التي نعرفها دورية وشبه دائرية، حيث تعـيش الكـائنات على بعضها ومن بعضها في دورة حياة معينة. بعكس المنظومات الصناعية التقليدية الخطية التي تنتج وتحول المنتوجات والسلع إلى نفايات بعد استهلاكها. من هنا ضرورة إعادة تصميم وسائل إنتاج دورية أو دائرية، تحاكي المنظومة الطبيعية. بالإضافة إلى تغيير السياسات، نحو تشجيع صناعات التحويل وإعادة التدوير، حتى لا يضيع شيئ، وحتى لا تتحول السلع إلى نفايات.  كما يفترض على المستوى الاستراتيجي أيضا، التغيير في أنماط التصنيع لتصبح أكثر استدامة. وذلك عبر تشجيع تصنيع المواد التي تتحول نفاياتها غذاء لمنظومة حية أخرى، أسوة بفضلات العديد من المواد الغذائية التي يمكن أن ترمى في الأرض وتتحول إلى أتربة، أو لتعود أتربة. وهناك الكثير من المواد التي يمكن أن تكون من هذا النمط إذا ما حصلت على المحفزات الضرائبية المناسبة، مثل: صناعة الألبسة والأحذية وحفاضات الأولاد والعلب وأغلفة المواد الغذائية... التي تحتوي صناعتها اليوم على مئات الأنواع من الكيميائيات والمبيدات والأصبغة والمعادن السامة مثل الزنك والقصدير والرصاص والكروم، والتي تتطلب طاقة كبيرة لإعادة تدويرها، إذا ما تم إعادة تدويرها ولم ترم في الأرض وتلوثها، كما هو حاصل حتى الآن. فهناك الكثير من المواد التي يمكن تصميمها لكي تتحول بعد استهلاكها، إلى مواد عضوية أيضا في الطبيعة، قابلة للتحلل والتعفن. أما تلك التي لا يمكن تحويلها إلى مواد عضوية، فيفترض فرض ضرائب عالية على استيرادها أو إنتاجها، وتغريم الشركة المصنعة أو المستوردة، إذا ما وجدت في الطبيعة، وتحميلها مسؤولية وكلفة إعادة جمعها وشحنها واستردادها، وتغريمها بضريبة بيئية، لتسببها بتلويث الطبيعة... وذلك بعد أن يتم تشجيع نظام الاستئجار لتلك السلع بدل التملك، ونظام الاستخدام وإعادة الرد والاسترداد. مع العلم أن مجرد تطبيق هذه السياسات بحزم، سيلزم الشركات على تصنيع سلع بمواد قابلة لإعادة التدوير، لأنها تعرف مسبقا، أن بضاعتها ستعود إليها حتما.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن أي استراتيجية بيئية، يفترض أن يتم طرحها من قبل وزارة البيئة أولا، على أن يتم تبنيها في مجلس الوزراء، كونها تتـقاطع بالضــرورة مع وزارات وقطاعات عدة. وهذا ما هو مأمول من وزير البيئة الجديد، الذي يفترض أن لا يعمل إلا على المستوى الاســتراتيجي، نظرا للفترة القصيرة التي يتـولى بها مهام الوزارة، قبل الانتخابات النيابية المقبلة.

 

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.