مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
تموز - آب 2012 العدد-46
 
Untitled Document  

خبير النبات د. علي عواد
رحلة ما يزيد عن الأربعين عاماً في عالم النبات والزراعة
ثار على الزيتون الإفرنجي والتعليم النظري ويرى في الكومبوست و"الكينا" الحل

حاورته: ربى عنبتاوي
خاص بآفاق البيئة والتنمية

في مشتله الأخضر" أبو شوشه" الموشى بألوان الزهور المختلفة والمليء بالأصص الفخارية والإنارات الملونة التي تعمل على الطاقة الشمسية، والنوافير المائية المصغرة والعديد من مستلزمات الزراعة الأخرى، ومن داخل مكتبه التي تطل نوافذه على الأوراق الخضراء وتحتل زقزقة لا تهدأ من الحساسين أثيره، جلس الستيني د. علي عواد ابن قرية ابو شوشة المهجرة، والقاطن اليوم في منزل يقابل مشتله تعلوه شجرة نخيل شاهقة الارتفاع تزين أحد شوارع المصيون في رام الله، حيث تحدث لمجلة "آفاق البيئة والتنمية" بإسهاب عن الزراعة والبستنة وتجاربه الشخصية في هذا المجال، ضارباً الأمثال ليستخلص المستمع العبر ويوقن بأن الزراعة علم لا ينسجم مع الفوضى أو ترك الأمور "للتساهيل". 

تنوع نباتي في مشتل علي عواد

كان دبلوم الزراعة آنذاك الفرصة التي انتظرها د. عواد لتحسين دخل أسرته نظرا للظروف الصعبة التي كان يمر بها الوطن في الخمسينيات والستينيات، فاتجه لها لكي يتوظف فور التخرج ويعيل أسرته براتب كان آنذاك مرتفع القيمة (22) ديناراً. فقبل في جامعة الخضوري مع ثلاثين طالباً من الأردن والضفة، ونال الدبلوم بجدارة، لكن عند الوظيفة عانى من الظلم بسبب هيمنة الواسطات، الأمر الذي احزنه كثيراً لكنه في نفس الوقت فتح أمامه أبواب إكمال تعليمه الجامعي، حيث قبل في جامعة الموصل العراقية ونال البكالوريوس منها، ليتعين في وزارة الزراعة الأردنية ويعمل فيها عامين، ثم يعود عام 1971 ويدرّس في معهد دار المعلمات في رام الله.

"حين نتحدث عن الحديقة المنزلية فهي مظهر حضاري للمناطق الحضرية، فرصة لتجميل البناء، مصدر دخل، وسيلة للترفيه والتخفيف من الضغوط وهواية محببة لدى الكثيرين". لخّص د. عواد ميزات الحديقة مفسراً مسألة زيادة الدخل بمثال من الولايات المتحدة، حيث رأى بأم عينيه كيف يجمع اصحاب البيوت نتاج حديقتهم المنزلية ويبيعونها في "السوق الحرة" التي تنظم ليوم في الأسبوع وكم تكون فرحتهم كبيرة حين يتفاعلون مع الناس اولا ويجنون مبلغاً بسيطاً ثانياًً، يشعرهم بقيمة تعبهم وإشرافهم على حديقتهم.

عامل في مشتل أبو شوشه

الزوجة أولاً
يشترط  د. عواد قبل تنسيق اي حديقة لبيت او مؤسسة الاستماع للنصيحة والتي لا تكون عشوائية بل تأتي بعد زيارة المشتل للمكان ورؤية الاضاءة حسب الاتجاهات الأربعة، وتقييم وضع الأحواض والأسوار ومقدمة ومؤخرة المنزل، ومدى قرب أو بعد الجيران، وهل هناك مصدات للرياح..الخ. وبناءً على طلب الزبون من حيث نوعية النبات المزروع، ارتفاعه، نوع التربة، يتم تكوين الحديقة، واهم شيء حسب د. عواد اشراك رأي الزوجة فالبيت مملكتها ومن حقها ان تختار مع زوجها ما يريح نظرها ويضيف لها البهجة، كما يركز د. عواد على فكرة ان مقدمة البيت للناس بحيث تكون أكثر لنباتات الزينة بينما مؤخرة البيت هي للعائلة من حيث زراعة "حديقة المطبخ" من خضار وفاكهة، توفير مساحات للجلوس والاسترخاء، والتمتع بالخصوصية اللازمة.
يضرب د. عواد مثالاً من منتصف التسعينات، حين طلبت منه المعونة الزراعية لبيت مسؤول كبير في السلطة، بيته يجاور عمارة من خمسة طوابق، حيث افتقد الخصوصية، فما كان من الأول إلا وان نصحه بزراعة خمس شجرات حور وفعلا تم الأمر، وبظرف خمس سنوات تجاوز ارتفاع الشجرة الـ ستة طوابق فتمت المهمة بنجاح.
"قد تحجب الأشجار بعضاً من ضوء الشمس، ولكن من اجل الخصوصية فلا بد من التضحية". أكمل د.عواد.

وأشار إلى ملاحظته نقص الوعي البيئي الزراعي لدى الكثير من الناس، فهم يريدون شجراً وحدائق ونباتات زينة دون مراعاة مدى تكيفها مع موقع سكنهم من جهة، ودون الاهتمام بالتربة وتسميدها أو متابعة أو تنظيم موضوع الري. فبعض الناس تريد أن تزرع من تربة جرافات البناء الفقيرة غذائياً، دون أن يدركوا أن التربة بحاجة إلى خمس سنوات من التسميد العضوي لتكون خصبة وتحتضن النباتات المختلفة.

علي عواد في مشتله

الكومبوست هو الحل
"أنا من أنصار العضوي وكنت من أوائل من صنّع الكومبوست في مشتلي عبر تخمير الزبل ضمن طبقات من التراب مدة ثلاثة شهور، ومن ثم طحنه عبر ماكنة دراس للحبوب قديمة قمت بإصلاحها عند حداد، بحيث كانت تطحن الكومبوست في نصف دقيقة، وكنت انتج 20 ألف كيس في العام، ولاحقاً نظراً لإحاطة المشتل بالبيوت السكنية اضطررت لشرائه من إسرائيل". قال د. عواد محذراً من استخدام غير العضوي وخاصة للنباتات التي تؤكل، مشيراً الى أن هناك ثقافة للأسف شائعة في البلد تميل للكيماويات، ولمعالجة تلك الظاهرة يجب إيجاد البدائل للمزارع وقد قدم بدوره محاضرات عديدة في القرى الفلسطينية بالتنسيق مع جمعية الهيدرولجيين حول تصنيع الكومبوست من مخلفات البيت بما يعود بالفائدة على الزراعة ويخفف من العبء على البلدية،  كما دعا إلى مزج مساحيق "الفلفل والبصل والثوم" في الماء لري المزروعات كبديل للمبيد الكيماوي، ولكن الأمر بحاجة الى المزيد والمزيد من التوعية.

ولا يعتمد د. عواد مبدأ "من السوق إلى العروق" أي بيع النبتة مباشرة بعد شرائها من المشاتل الأخرى، بل يترك النبتة التي يحضرها سواء من شمال محافظات الوطن او اسرائيل  لتتكيف في مشتله مدة لا تقل عن اسبوعين بما يعرف بالتقصية لكي تتلاءم مع أجواء رام الله فيضمن انتقالها السليم إلى حديقة الزبون.
وعن قصص الناس مع النبات اشتكى د. عواد الجاهز لأي استشارة زراعية بالمجان، من أن الناس تفقد نباتاتها بسبب عدم انتظامها بالري فمرة تكثر ومرة تقلل من كمية المياه، مؤكدا ان النبات كالإنسان، فكما لا يمكن للأخير ان يتناول فطوره مرة في الصباح ومرة في منتصف الليل، فكذلك النبات يحب النظام، مشيراً إلى أنه في حالة الانسان غير المتفرغ أو غير المنظم في ريه لمزروعاته، فيمكنه استخدام نظام التنقيط وفق حاسوب صغير  يضمن لحديقته الأمان المائي.

علي عواد أمام شجرة نخيله الشاهقة

سحر شجرة الكينا
وينصح د. عواد بالشجر الطارد للحشرات والزواحف والذي ينفّر من رائحته البعوض والأفاعي، فيوفر الحماية للبيوت وخاصة تلك المقامة وسط حرش أو مرج واسع. وقد دعا د. عواد في جولاته على القرى الى زراعة شجر الكينا وخاصةً قرب الحفر الامتصاصية نظرا لغياب شبكات صرف صحي هناك، حيث من ميزة تلك الشجرة امتصاص مياه المجاري بدلَ ان تفيض وتلوث البيئة، فتنمو وتترعرع على المياه، وبالمقابل تبث رائحة طيبة طاردة للبعوض.

"عدم سماع النصيحة الزراعية قد يكلف صاحب الأرض حديقته" هكذا أجمل د. عواد تجاربه مع بعض الزبائن، واصفاً صديقا له طلب منه مادة كيميائية "راوند اب" لقتل النجيل الأخضر في حديقته، ومع أنه نصحه بالابتعاد عن تلك المادة ولكن بعد إصراره نصحه بمقدار ضئيل جدا، ولكن الصديق لم يسمع النصيحة وكثّر العيار فقتل أرضه، ونتيجة لذلك  لجأ لـ د. عواد وطلب منه المشورة، فدعاه الأخير لتجديد التربة عبر استبدال ما يعادل المتر المكعب منها، ما كلفه 2000 شيقل من احضار عمال وتجديد تربة وتسميدها.
كما ضرب مثالاً عن مسؤول آخر في السلطة يقيم في الطيرة طلب كل أنواع الشجر، ومع أن د. عواد نصحه بأن موقع بيته ومنطقة رام الله لا تسمح إلا بأنواع محددة، فقد أصر هو وزوجته على تشكيلة مختلفة من الشجر وبناءً على طلبهما تم بيعهما شتلات عديدة ولكن النتيجة كانت كما تصورها د. عواد، موت الشجر غير الملائم لجو المنطقة. وتعقيباً على الأشجار المثمرة أضاف: "غير الحمضيات واللوزيات حرام أن تزرع في رام الله، حيث تحتاج النبتة لثبات نجاحها أن تمر بدورة النمو الخضري والزهري والثمري، فلا يكفي أن تزهر الشجرة وتخرج ثمراً بل يجب أن ينضج الثمر عليها، وهنا تتكامل العملية".

الثورة على التعليم النظري
وفي دار المعلمات لـ د. عواد ثورة على التعليم النظري الجاف، حيث اكتشف هذا الأمر حين دخل صفوفها كأستاذ بداية السبعينيات، فحاول جاهداً من مكتبه الصغير أن يقرب مادة الأحياء للطالبات، من خلال تحنيط ما يزيد عن 400 عينة قد اختارها بناءً على المنهاج الأكاديمي من الصف الأول الابتدائي حتى  التوجيهي، حيث كان يبحث بنفسه عن الحيوان أو يكلف سائقي السيارات أو طالباته إحضار ما تيسر منها، وحين تم تنظيم المعرض السنوي نهاية العام، تفاجأ طاقم المدرسة من هول قسم د. عواد المنوع والشيق والغير متوقع من العينات المحنطة، وقد عرض عليه أحد أصحاب المختبرات شراؤه بـ 400 دينار ما يعادل عشرات آلاف الدنانير اليوم، لكن إدارة دار المعلمات عرضت عليه إنشاء مختبر واسع بنفس المبلغ لضمان استمراره في عمله، وفعلا تم تأسيس المختبر وواصل د. عواد تحويل النظري إلى عملي وتقريب المفاهيم والوسائل للطالبات كأستاذ وموجه في المدارس.
ولكن بعد عام 84 قرر التوجه إلى الولايات المتحدة لتعلم الماجستير والدكتوراه في علم النبات من جامعة ويسكونسن،  وحين عاد بداية التسعينيات علّم في جامعة القدس- أبو ديس فسيولوجيا النبات، والتي استمر فيها حتى عام  2010، وفي زيارة لدار المعلمات بعد غياب سنوات تفاجأ من اختفاء كل أعماله التي صنعها في حقل الأحياء، فتحسر على غياب تقدير الوسائل العلمية الأكثر نجاعة في التعليم.

علي عواد

نصرة الزيتون البلدي والثورة على الإفرنجي
ويشير د. عواد إلى قصة استفزته وعلى أثرها جاء فتح المشتل، حيث دعي لوليمة عام 1987 جمعت المهندسين الزراعيين عند صديق وكان لدى الصديق مبلغ من المال ويريد أن يزرع أرضا كبيرة من الزيتون، فنصحه المهندسون بالزيتون الفرنجي لأنه غزير الإنتاج، فثار د. عواد وقال أن ما يدعو له المهندسون الزراعيون هو خيانة لا تقل عن بيع الأرض للأعداء، فليس أطيب ولا أفضل من زيتوننا البلدي. فخاطبوه بحدة وقالوا له ما هو البديل ، فأجابهم: "البديل عندي".
وفعلا توجه د. عواد إلى أرض في عين عريك وقام بإحضار بذور من زيتون بلدي، ثم قام بزراعتها وإنتاج شتلات،  ما يعادل 500 شتلة باع كل واحدة منها بدينار، وبعد أشهر وسنوات ذاع صيته في المنطقة بأنه صاحب الزيتون البلدي، فصار يبيع الشتلات، وهكذا توسع وقرر أن يفتح مشتلاً يدر عليه دخلا  يحميه من اضطرابات رواتب جامعة القدس، وفي نفس الوقت يحافظ على الموروث الزراعي من البذور البلدية.
ومن الأماكن التي كانت من توقيع مشتل أبوشوشة ويمكن مشاهدتها في رام الله: "جامعة بيرزيت، أبو ديس، فندق الجراند بارك، فندق الموفين بيك، اسكان جامعة بيرزيت في الطيرة، بلدية البيرة، وغيرها عشرات المواقع.

غلاء ماء رام الله تعيق عملية الزراعة في المشتل
وحول سؤاله حول سبب عدم اعتماده على زراعة الشتلات في مشتله بدلاً من إحضارها من المشاتل الأخرى، فقال انه حسب الجدوى الاقتصادية وجد أن الأمر سيكون مكلفاً نظرا لغلاء كوب الماء في رام الله مقارنة بمحافظات الوطن الشمالية، حتى أن إنشاء بئر سيكلف كثيرا كما سيقلل من قيمة أرض المشتل التي تقع في موقع مميز في المصيون، ما جعله يقتنع بمثل "شراء العبد ولا تربايته". ويحلم د. عواد في المستقبل بعد أن اشترى مؤخراً أرضا في رفات بزراعتها وتأسيس مشتل صغير وانشاء بئر للمياه للاقتصاد في تكلفة ري المزروعات.

مشتل علي عواد (أبو شوشه)
التعليقات
الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية