تموز  2009 العدد (16)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

July  2009 No (16)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

> اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

ندوة العدد:

ندوة "آفاق البيئة والتنمية" تُوحّد رام الله وغزة مؤقتاً

خبراء ومتخصصون يُعلّقون الجرس ويطالبون بتدابير عاجلة لمكافحة التغير المناخي

 

د. عبد ربه: الولايات المتحدة الأمريكية  أكبر منتج لانبعاث ثاني أكسيد الكربون في الكون.

دراسات: سيرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون نقص مياه الشرب في غضون 50 عاما من 5 مليارات إلى 8 مليارات إنسان!

الباحث كرزم:  كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من النشاطات العسكرية الإسرائيلية العدوانية، تعادل  تلك الناتجة عن تسيير عشرات ملايين السيارات في شوارع فلسطين وسائر أنحاء الوطن العربي!

          د.أبو هين: إسرائيل استخدمت أسلحة غير تقليدية ومحرمة دولياً وانتهكت 22 اتفاقية بيئية في حربها على غزة.

سعد داغر:  أنياب العولمة تغذي التغير المناخي.

الصحافي خلف: المناخ ثابت والمتغير سلوك الإنسان المعادي للبيئة.

 

    دعا خبراء ومتخصصون في البيئة لاتخاذ خطوات عملية وعاجلة لمكافحة ظاهرة التغير المناخي. وحثوا الجهات ذات الصلة على تفعيل الدراسات والبحوث المتعلقة بهذا التغير. وقال الخبراء والناشطون خلال ندوة مجلة "آفاق البيئة والتنمية" الشهرية، بالتعاون مع مؤسسة الأوبك للتنمية الدولية، إن الوقت حان لتبديل سياسة اللامبالاة التي تسيطر على سلوك الأفراد والجماعات في الأراضي الفلسطينية، التي تنظر إلى التغير المناخي باستهتار، ولا تضعه في سلم أولوياتها.

  وأجمع المتحدثون المشاركون في الندوة على أن الحاجة ملحة للبدء بخطوات تنفيذية في مجالات التربية والتعليم والإعلام والبحث العلمي، لغرض التعامل مع ظاهرة التغير المناخي بجدية أكبر.

  وطالبوا بقوانين وتشريعات تردع المتسببين  بتدمير الأراضي الزراعية وتلويث البيئة وتغير عناصرها. كما حثوا بضرورة الإسراع في دراسة تظهر الآثار المدمرة للحرب الإسرائيلية الظالمة على غزة، في مجالات البيئة وأوجه الحياة المختلفة.

 وأطلقوا دعوة لضرورة توفير دراسات تجريبية تتعاطى مع السيناريوهات المحتملة للتغير المناخي، وبخاصة في قطاعات الزراعة والمياه.

 

وحدة بيئية

   وحدت الورشة البيئية المتخصصة لمركز العمل التنموي"معاً"، بين شطري الوطن المتشظي. واستطاعت هموم تغير المناخ أن تضع السياسة والانقسام جنباً، ولو لحين.

  ففي رام الله وغزة ربطت خدمة "الفيديو كونفرنس" لمؤسسة التعاون في رام الله، ومعهد المياه والبيئة بجامعة الأزهر بغزة، بين الشطرين، وامتدت لساعات أعمال الورشة البيئة المتخصصة. واختار المنظمون الشعار الكوني الذي رافق يوم البيئة العالمي" فلنكن أمماً متحدة في مكافحة التغير المناخي" عنواناً لمداولاتهم، بعد إضافة عبارة"كوكبنا يستغيث بنا."

  ركلة البداية كانت من غزة، إذ سحرت مادة فيلمية قصيرة لشركة"هوم" وللفنان آني الحضور. فراح يبدع في استعراض التغير المناخي وتأثيراته على الكائنات الحية.

  في الفيلم القصير بوقته والطويل بهمومه: طيور بائسة، وأسماك خائفة، وبحار مهددة، ومدن ملوثة، وحروب، ومصانع، وأسئلة عن الحل. أما الموسيقى التصويرية الحزينة التي رافقت العرض، فعزفت على الوتر الحساس.

   بعد وقت قصير، أقلعت شركة"رامتان" في مادة فيلمية أخرى، إذ استعرضت بعينها الإلكترونية آثار الحرب العدوانية على غزة:  حيوانات، نباتات، وأزهار، وأشجار، ونيران إسرائيلية، وقنابل، وموسيقى حزينة. لم ينطق الفيلم بكلمة واحدة، لكنه تحدث ببلاغة عطّلت الكلام.

 

التغير المناخي: القصة الكاملة

   شرع د. عبد الفتاح عبد ربه، أستاذ العلوم البيئية المساعد في قسم الأحياء بالجامعة الإسلامية، باستعراض  مدخل عام حول التغير المناخي. وقال: تتعدد الشعارات البيئية التي توسم بها الاحتفالات السنوية بيوم البيئة العالمي، ويحمل هذا العام  تحت شعار: "كوكبك يحتاجك! فلنتحد لنكافح تغير المناخ."

  وعرّف د. عبد ربه التغير المناخي على أنه أي تغير مؤثر و طويل المدى في معدل حالة الطقس يحدث لمنطقة معينة. ويشمل معدل درجات الحرارة, ومعدل التساقط, وحالة الرياح.

 وأضاف:"يمكن أن تحدث هذه التغيرات بسبب العمليات الديناميكية للأرض كالبراكين، أو بسبب قوى خارجية كالتغير في شدة الأشعة الشمسية أو سقوط النيازك الكبيرة، و مؤخراً بسبب نشاطات الإنسان."

 وأشار إلى أن مفعول الدفيئة، هو ظاهرة يحبس فيها الغلاف الجوي بعضا من طاقة الشمس لتدفئة الكرة الأرضية والحفاظ على اعتدال المناخ.

  وقال:"يشكل ثاني أكسيد الكربون أحد أهم الغازات التي تساهم في مضاعفة هذه الظاهرة لإنتاجه أثناء حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي في مصانع الطاقة والسيارات والمصانع وغيرها، إضافة إلى إزالة الغابات بشكل واسع."

 وعددّ عبد ربه، غازات الدفيئة المؤثرة الأخرى، كالميثان المنبعث من مزارع الأرز و تربية البقر ومكبات النفايات وأشغال المناجم و أنابيب الغاز، عدا عن مركبات الكلوروفلوروكربون (Chlorofluorocarbons) المسئولة عن تآكل طبقة الأوزون. وبجوار أكاسيد النيتروجين.

  ومما أكده د.عبد ربه:" أدى التقدم الصناعي في القرن 20 إلى تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) وغازات الاحتباس الحراري الأخرى (CH4; NOX; CO; CFCs) في الغلاف الجوي مسببة ظاهرة البيوت البلاستيكية (Green House Effect) أي ارتفاع درجة حرارة جو الأرض (Global Warming)."

 وأردف يقول:" يعتبر غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) هو المسئول الرئيس عن ظاهرة تغير المناخ و ينتج من الكميات الهائلة من الوقود التي تحرقها المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة ووسائل النقل والمواصلات."

 وأكد أن الولايات المتحدة الأمريكية  تعتبر أكبر منتج لانبعاث ثاني أكسيد الكربون.  مبيناً أن كل غرام من المادة العضوية المحتوية على الكربون يعطي عند الاحتراق 1.5 – 3 غرامات من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2).

 ومضى يقول وهو يعرض شرائح ورسومات علمية: "ينتج سنويا أكثر من 20 مليار طن من (CO2) و هي كمية تمثل 0.7 % من الغاز الموجود طبيعيا في الهواء.  كما ارتفعت مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون  في الجو من 280 جزءا من المليون في أواخر القرن 18 إلى 350 جزءا من المليون في القرن العشرين، وقد تزيد إلى 500 – 700 جزء من المليون في عام 2050."

 وأفاد بالاستناد لدراسات علمية:" يتميز غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) والغازات الأخرى المسببة للاحتباس الحراري بخاصية امتصاص الأشعة تحت الحمراء الحرارية (Thermal IR Radiation) غير المرئية ويعمل بذلك عمل البيت الزجاجي، حيث يسمح للطاقة الشمسية (الضوء المرئي) بالوصول إلى سطح الأرض ولديه القدرة على امتصاص الأشعة الحرارية ذات الموجة الطويلة الصادرة عن الأرض و بذلك تبقى الأشعة تحت الحمراء (IR) حبيسة جو الأرض؛ وبالتالي يتسبب في زيادة درجة الحرارة على سطح الأرض."

 وأردف يقول:" يؤدي ارتفاع متوسط حرارة جو الأرض إلى ذوبان للجليديات سواء في القطبين أو في قمم الجبال المرتفعة أو في المحيطين المتجمدين الشمالي و الجنوبي، مثلما  يزيد هذا الذوبان نسبة الإشعاع الشمسي الممتص من سطح الأرض، ذلك أن الجليديات تعكس 80-85% من كمية الإشعاع الشمسي الساقط عليها و بالتالي سيسرع من زيادة درجة حرارة الغلاف الجوي. "

 

الرعب القادم

     وأسهب عبد ربه في الإشارة إلى الآثار الناجمة عن تغير المناخ: إذ ستُغمر مساحات كبيرة من السهول الساحلية التي تعتبر من أفضل الأراضي الزراعية في العالم، كما ستجتاح الفيضانات بعض المدن، وقد تختفي بعض الجزر و في بعض الأحيان الدول الجزرية وإلى الأبد، فضلا عن تهديد المنشآت الساحلية (Coastal Constructions) مثل الجسور و حواجز المياه والمرافق المرفئية، كما سيزداد تآكل الشواطئ، وستتسرب المياه المالحة (Saline Water Intrusion) إلى الخزانات الجوفية (Aquifers)،  مثلما سيرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون نقص مياه الشرب في غضون 50 عاما من 5 مليارات إلى 8 مليارات إنسان، ناهيك  عن صعوبة الزراعة في المناطق الجافة وتزايد الطلب على الري.واختتم عبد ربه، بالإشارة إلى رزمة من الحلول لمكافحة التغير المناخي، كوقف الانبعاثات بشكل ملحوظ ، وزراعة الغابات وتغيير الممارسات الزراعية، والاسترشاد في استغلال مصادر الطاقة التقليدية، بجوار تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلى جانب التدوير (Recycling) ، والمشي، وخفض الاستهلاك، و تغيير السلوكيات.

 

نار الاحتلال

  أبحر الباحث في مركز "معاً" ومسؤول تحرير"آفاق البيئة والتنمية"، جورج كرزم، في الحديث عن آثار انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للبيئة والموارد الطبيعية الفلسطينية على التغير المناخي.

 واستهل ورقته الطويلة بالإشارة إلى أن الصناعات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والصناعات داخل إسرائيل،  تشكل الخطر الأكبر على تلوث الغلاف الجوي في فلسطين بعامة، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة بخاصة، وذلك بما لا يقارن مع التلوث الذي تسببه الصناعات الفلسطينية الضعيفة والهشة.كما أن المراكز الصناعية الإسرائيلية الكثيرة في شتى أنحاء الضفة الغربية تلوث الغلاف الجوي بكميات كبيرة من غازات الدفيئة.

 وتابع يقول:" تساهم العديد من الممارسات الإسرائيلية المعادية للبيئة الفلسطينية في تفاقم أزمة المناخ، وقد تجلى ذلك مؤخرا في مدينة عسقلان المحاذية لقطاع غزة، حيث تعمل إسرائيل على إنشاء محطة توليد كهرباء ثانية من الفحم الملوِّث جدا للهواء، فضلا عن كميات غازات الدفيئة، وبخاصة ثاني أكسيد الكربون، المنبعثة بسبب النشاطات العسكرية والحربية الإسرائيلية المعادية للعرب والفلسطينيين، والمتمثلة في تسيير وتفعيل أعداد هائلة من العتاد العسكري البري والجوي والبحري، سواء في الحروب الكثيرة التي شنتها إسرائيل في لبنان وفلسطين وغيرها، أو في تحركاتها العدوانية اليومية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة." 

 

توقعات سوداء

 وتناول  كرزم توقعات خبراء المناخ في الدولة العبرية، بأن تزداد غازات الدفيئة المنبعثة من المناطق المحتلة عام 1948 بنسبة 40%، وذلك حتى العام 2020.

وقال:"بالرغم من كون إسرائيل قوة نووية عالمية، فلا تزال تُولد معظم طاقتها الكهربائية بطرق بدائية قديمة وخطيرة وملوثة جدا للبيئة الفلسطينية، وتحديدا من الفحم الذي يحرق لتوليد الكهرباء. وتنتشر الغازات الكربونية الكثيفة السامة المنبعثة من محطة توليد الكهرباء في الخضيرة، إلى مسافة عشرات الكيلومترات هوائيا، لتحملها الرياح الغربية إلى بعض قرى غرب وشمال غرب جنين.  ويعتقد أن قرية طورة الغربية (شمال غرب جنين) التي تبعد نحو 18 كم هوائي عن محطة الكهرباء، هي من أكثر القرى الفلسطينية تضررا من الانبعاثات الغازية الصادرة عن تلك المحطة التي يمكن بالعين المجردة مشاهدة مدخنتيها الكبيرتين بوضوح، من أسطح منازل القرية.  ومن اللافت أنه، منذ العام 2000، وضعت الأمراض السرطانية حدا لحياة عشرات المواطنين في قرية طورة الغربية الصغيرة."

 

سموم بالألوان

 ووالى:" بالإضافة لغازات الاحتباس الحراري المنبعثة من محطة الطاقة في الخضيرة، تتدفق من مداخنها أيضا  غازات أكاسيد الكبريت والنتروجين (SO2 وNO2) الناتجة عن احتراق الفحم.  وتعد هذه الغازات الملوثة  للهواء السبب الأساسي لتكون المطر الحامضي، ليس فقط في المحيط المباشر لمحطة الخضيرة، بل وعلى مسافة مئات الكيلومترات بعيدا عنها.  وتتحول تلك الأكاسيد عند اتحادها مع بخار الماء في الجو إلى حامض كبريتيك وحامض نتريك، فتسقط مرة أخرى على سطح الأرض مع مياه المطر، أو الضباب.  ووالى كرزم:  "تشكل الملوثات العابرة "للحدود" التي تصل من "إسرائيل" إلى أجواء الضفة الغربية مصدرا أساسيا من مصادر تلويث الهواء الفلسطيني.  وتنتقل ملوثات الهواء، بشكل خاص، من إسرائيل، وبخاصة منطقة تل أبيب، إلى الضفة الغربية، من خلال الرياح الغربية الغالبة التي يتميز اتجاهها من "إسرائيل" إلى الضفة الغربية وبالتالي فهي تحمل الملوثات الصناعية من "إسرائيل" إلى الضفة." وأضاف:" يعتقد خبراء في علم الباثولوجي بأن زيادة نسبة الرصاص وأكاسيد النيتروجين والكربون والكبريت التي تحملها الرياح الغربية من "إسرائيل" إلى الضفة الغربية، تعد أيضا من العوامل المؤدية إلى ارتفاع نسبة أمراض الجهاز التنفسي، والالتهابات الرئوية، وصعوبات التنفس، وتهيج العيون، والحد من الرؤية لدى الأطفال إجمالا في الضفة الغربية."

 وأكد:  "تسببت الحروب التي شنتها إسرائيل في السنوات الأخيرة، فضلا عن المناورات والتدريبات والعمليات العسكرية العدوانية اليومية الموجهة ضد الفلسطينيين والعرب في فلسطين ولبنان وغيرهما، في انبعاث مئات ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون وسائر غازات الدفيئة.  ونتيجة للنشاطات العسكرية الإسرائيلية العدوانية، تعادل كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة، تلك الناتجة عن تسيير عشرات ملايين السيارات في شوارع فلسطين وسائر أنحاء الوطن العربي."

 وقال :"تزايدت في إسرائيل كميات المواد الخطرة والغازات الكيماوية السامة المتطايرة والمتسربة إلى الأجواء الفلسطينية.  وبالمقارنة مع الدول الأوروبية وأميركا الشمالية، سجلت إسرائيل أعلى النسب في المواد الخطرة المتسربة إلى الهواء.

 

حوادث خطيرة

 ففي عام 2007 بلغ عدد الحوادث المسجلة في وزارة البيئة الإسرائيلية والمتمثلة في تسرب مواد كيماوية خطرة إلى الهواء 213.  وبالإضافة إلى التسربات، تشمل هذه الحوادث أيضا حرائق تسببت بها المواد الخطرة، وتفاعلات كيميائية نجمت عنها مخاطر على البيئة والصحة العامة.

 ونقل كرزم توقعات عرضها عالم المناخ الرئيس في وزارة البيئة الإسرائيلية، "يشعياهو بار أور"،  الذي أشار إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة في فلسطين، في العام 2020، بـِ 1.5 درجة مئوية.  كما يتوقع أن يرتفع مستوى البحر وأن تهبط كمية الهطول (الأمطار، الثلوج، البرد وغيرها) بنسبة 10%، فضلا عن تدن واضح في جودة مياه الشرب وزيادة كبيرة في نسبة انتشار الأمراض.  وما يثير القلق أن القليل جدا من الإجراءات قد اتخذت، في المستويين الإسرائيلي والفلسطيني، لمواجهة ما هو قادم من كوارث مناخية."

 

"احتلال" كيماوي

 وأكمل:" تنبعث الغازات السامة التي تلوث الهواء من المصانع الإسرائيلية الواقعة على أراضي طولكرم،  وهذه المصانع غير مزودة بمصاف لتنقية الهواء، حيث يسقط الدخان المنبعث منها على المباني العربية المجاورة، إذ يعد مصنع "سول أور" (مصنع اسطوانات الغاز) من المصانع الإسرائيلية المريبة في طولكرم، حيث يغلق المصنع إغلاقا كاملا ويمنع دخوله بشكل مطلق."    

 ومضى يقول: "تعاني البيئة الفلسطينية الطبيعية إجراءات الاحتلال الإسرائيلي الذي يقتلع بشكل منظم الأشجار الطبيعية والمزروعة، ويخرب الأراضي الزراعية الخصبة، ويدمر أحواض المياه الجوفية. وطبقا لإحصاءات وزارة الزراعة الفلسطينية، اجتثت سلطات الاحتلال الإسرائيلية نحو مليوني شجرة من الأراضي الفلسطينية، منذ بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى أوائل عام 2004؛ وذلك لغرض إقامة الطرق الإسرائيلية والقواعد العسكرية والمستعمرات، ولبناء الجدار العنصري.  وقد تمت النسبة الكبرى (67.8 %) من عملية اقتلاع الأشجار بعد عام 2000."

 وأكد الباحث كرزم أن الجدار العنصري يهدد التنوع الحيوي والحياة البرية في فلسطين، بسبب تدميره للأنظمة البيئية الفلسطينية وإعاقة الحركة الطبيعية للحيوانات البرية، مما يعيق حصولها على الغذاء ويعيق عملية التكاثر؛ وبالتالي يهددها بالانقراض."

وواكب بعض تجليات التغير المناخي في الضفة الغربية وقطاع غزة، كانخفاض نسبة التبخر وارتفاع ملوحة التربة في قطاع غزة، وتراجع الرطوبة النسبية في البحر الميت ونهب المياه."

وأنهى بالقول: "المطلوب حاليا من الجهات الرسمية والحكومية والأهلية المعنية، وعلى وجه السرعة، بلورة إستراتيجية واضحة ومنهجية لمواجهة الأزمة المناخية."

 

حروب قذرة

       وأستعرض رئيس قسم البيئة وعلوم الأرض في الجامعة الإسلامية، د. زياد أبو هين، الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة وتأثيراتها البيئية، برصد التأثيرات البيئية المختلفة لأنواع الأسلحة التي استخدمتها القوات الإسرائيلية في حربها على غزة، وبالاستناد لتقارير ثلاث منظمات حقوقية، هي: المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، و التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب، وAction des cityoyens pourle desarmement nucleaire (اللجنة الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية).   وقال:  "استخدمت إسرائيل في حربها الأخيرة على غزة،  أنواعاً مختلفة من الأسلحة،  بعضها صناعة إسرائيلية،  والآخر مستورد بخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية،  وتؤكد التقارير المختصة أن إسرائيل استخدمت أسلحة غير تقليدية ومحرمة دولياً. 

 

فسفور أبيض ورعب أسود

  استهل أبو هين بسلاح الفوسفور الأبيضWhite Phosphorus ، وهو مادة شمعية شفافة وبيضاء ومائلة للاصفرار، وله رائحة تشبه رائحة الثوم ، وهو يتفاعل مع الأكسجين بسرعة كبيرة منتجا نارا ودخاناً أبيض وكثيفا، ويعتبر مادة حارقة بالملامسة سواء لامست البشر أو النبات أو المنشآت، وتترك انعكاسات سلبية على الماء والتراب والهواء،  فالهواء مثلاً سيتلوث بالغازات الناجمة عن احتراق الفسفور، وهي غازات خطيرة وسامة  مثل الرصاص والزئبق والمعادن الثقيلة، تؤدي إلى أضرار صحية لها علاقة بالجهازين التنفسي والعصبي، والأمراض المرتبطة بهما وخاصة عند فئة الأطفال والشيوخ. توجد ثلاثة أنواع من مركبات الفوسفور وهى الفوسفور الأحمر و الأسود و الأبيض . يعتبر الفوسفور الأبيض أخطرها على الإطلاق و هو سام جدا وفي كثير من الحالات يعتبر مميتا وهو مسئول عن تلف الكبد والقلب والرئتين إضافة إلى الحروق الشديدة التي يسببها للجلد وأعضاء الجسم.

كما أن الفوسفور الأبيض يجعل الهواء الجوي ملوثا، ولا يصلح للعيش ولا للتنفس، كما تترسب هذه المواد في التربة أو قاع الأنهار والبحار أو حتى على الثروة السمكية، وهي تشكل مصدراً أساسيا  للغذاء في غزة، ونتيجة لذلك قد يتعرض الإنسان للضرر نتيجة أكله أسماكا ترسب عليها الفسفور الأبيض أو نتيجة السباحة في المياه الملوثة به، أو لمس تربة ترسب عليها الفسفور الأبيض.

وتابع:  "أما The bunker buster bombs  قنابل تدمير الملاجئ المحصنة، فاستخدمها جيش الاحتلال في حربه على غزة ، إذ تم قصف العديد من المناطق المأهولة بالسكان ، تم القصف بها بكثافة منطقة الشريط الحدودي ومنطقة الأنفاق في رفح . ويمتاز السلاح بالقدرة التدميرية الهائلة حيث يخترق التربة والصخور والأنفاق المحصنة بالجدر الإسمنتية لسمك 2 متر ثم ينفجر محدثا دمارا هائلا.

 

قتل ذكي!

 وأسهب أبو هين في الحديث عن قنابل GBU-39/B، التي تعتبر من النوع القوي جداً لاختراق التحصينات العسكرية المدفونة تحت سطح الأرض وتدميرها دون إظهار آثار تدمير كبيرة على السطح، وقد اشترت القوات الإسرائيلية 1000 قنبلة من هذا النوع وتسلمتها في شهر ديسمبر 2008 قبل الحرب على غزة بأيام قليلة.  ويطلق على هذه القنابل اسم القنابل الذكية، وذات الثقب الصغير، وهي من القنابل الموجهة ويبلغ وزنها 113 كغم وذات استخدام متعدد.  كما تحمل مادة متفجرة يبلغ وزنها (22.68) كغم من مادة الترايتونال (Tritonal) شديدة الانفجار، وتخترق هذه القنبلة التحصينات الخرسانية بسمك يزيد على 1.5 متر وتنتشر على مسافة 8 أمتار مربعة في منطقة القصف.  يمكن توجيه هذه القنبلة عن بُعد، والوعاء الحالي لهذه القنبلة يتكون من مادة التنغستن والتيتانيوم واليورانيوم المنضب مما يمنحها قوة تدميرية هائلة.  إن الآثار البيئية لاستخدام هذا ا لنوع من القنابل يتمثل في تدميرها للأراضي ونشرها لمواد مسرطنة وذات نشاط إشعاعي ضار، كما أن تُسرب المياه السطحية إلى مستوى سطح الماء الجوفي سيؤدي إلى تلوثه بالإشعاع. إن الغبار الناتج عن انفجار هذه القنابل يحمل معدن التنغستن وهي مادة خطيرة ومسببة للسرطان."

 

أسلحة حرارية ضغطية

 وانتقل إلى قنابل الوقود والأسلحة الحرارية الضغطية   Thermobaric ، فهي متفجرات وقودها الهواء إلا أنه يختلف عن هذه العائلة من الأسلحة حيث إنه ليس من الضروري أن يكون كل سلاح من هذه العائلة هو حراري حارق . وصممت لتعمل على مرحلتين متتابعتين : أولاً تنفجر القذيفة أو أحياناً تكون حاوية كبيرة لتنشر المادة المتفجرة على شكل ضباب  خفيف ثم تأتي مرحلة الحرق على مساحة حسب حجم القذيفة أو الحاوية. ومع أن الهدف من الأسلحة الحارقة هو تمشيط منطقة واسعة ومفتوحة إلا أن الرأس الحربي الحراري الحارق والذي يعمل على نفس المبدأ يهدف إلى خلق ضغط جوى كبير جدا ومفاجئ وحرارة عالية في منطقة مغلقة يتبعها تفريغ هواء كبير ويمكن أن يصل الضغط الكبير من 2.5- 3 MPa ، بينما تصل درجة الحرارة الناتجة إلى 3000 درجة مئوية وتسبب سلسلة أو موجات من الانفجارات تنتقل بسرعة ثلاثة آلاف متر في الثانية مسببة الاحتراق لكل عنصر الأكسجين المحيط للعملية، من هنا جاءت التسمية المناسبة لهذا السلاح  وهي  Thermobaric   وهي مكونة من الكلمة اللاتينية Thermo   وتعنى الحرارة " وكلمة " baros , وتعنى حرفياً " الضغط " والمقصود بها الضغط الهوائي ."

 ومضى يقول:" اخترع الباحثون العسكريون الروس الرؤوس الحربية الحرارية واستخدموها  دون حساب في الشيشان كما استخدم الجيش الأمريكي هذا السلاح في أفغانستان والعراق ففي بداية الحرب الأفغانية ، أسقطت الطائرات الأمريكية قنبلة شهيرة أسموها (قاطعة زهرة الربيع) (Blu – 82) وهي عبارة عن رأس حراري زنته 6800 كيلو غرام وتحتوى على خليط من نترات- الأمونيا مسحوق الألومنيوم، البوليستايرين ووقود الطائرات".

 وأشار: "لأن خليط الهواء والوقود سهل التغلغل إلى الشقوق ، فلا المناطق المفتوحة ولا التحصينات والخنادق المحمية المغلقة والملاجئ بعيدة عن آثار تلك المتفجرات الحرارية ، فإذا أطلقت الشحنة الحارقة في مبنى أو ملجأ فإن السحابة تحبس وهذا يضاعف من التدمير للمنشأة المعدة أصلاً لتحمل الحوادث , وأما موجات الانفجار فيمكنها تدمير مبانٍ ضعيفة أو غير محصنه مثل الشقق السكنية والمراكز التجارية ، كما يمكن إصابة أو قتل الأفراد غير المحميين. وتعتبر تأثيرات الأمواج ضد الأفراد أسوأ بكثير في مناطق الأنفاق والأفراد المرتدين للدروع العسكرية الواقية وفي المناطق المغلقة مثل الكهوف والمباني والملاجئ.

بعد الانفجار الأول لهذا السلاح تأتي مرحلة انخفاض الضغط الجوى محدثة تياراً هوائياً قادراً على رفع وقذف الإنسان باتجاه مركز الانفجار ، كما يقوم بسحب الوقود الحارق غير المتفجر مخترقاً كل الأشياء المفتوحة في محيط الانفجار وتحويلها إلى رماد. كما أن الأفراد الموجودين خارج نطاق التأثير قد يختنقون حتى الموت أو يصابون من داخلهم ، فمثلا يمكن حدوث ذلك في الأنفاق العميقة بسبب موجات الانفجار أو الحرارة أو سحب الهواء. ."

 

أسلحة فتاكة

   وقال: "أثناء محرقة غزة؛ تواترت الأنباء عن استخدام الاحتلال  لسلاح جديد يفتك بالجسم البشري دون أن يُخَلـّف مظاهر بشعة للتدمير، الذي يثير الرأي العام. ويقصد بهذا السلاح قنابل المتفجرات الفلزية المجهرية، التي ترجمت "حرفيا" باسم متفجرات الفلز الخامل الكثيف Dense Inert Metal ExplosiveDIME”).. ووصفت بأنها القنابل "القبيحة جدا". والحقيقة المؤسفة أنه لم يكن سلاحا جديدا على العرب والمسلمين.. إذ سبق استخدامه وتجريبه، بعيدا عن وسائل الإعلام، في أفغانستان والعراق ولبنان!.وعلى عكس القنابل التقليدية التي تعتمد على تفتت غلافها الصلب وتحوله إلى شظايا كثيرة سريعة مدمرة, تتكون هذه القنبلة من غلاف خفيف الوزن يصنع من ألياف كربونية متينة، ويتم حشوه بمادة متفجرة (مثل النترو أمين) مع مسحوق من الجسيمات الدقيقة، كثافته عالية، مصنّع خصيصا لتدمير الجسم البشري بطريقة لا يمكن وصفها إلا بالشيطانية. أما عن هذا المسحوق الشيطاني- الذي له أيضا تأثيرات سُمِّية وسرطانية- فهو عبارة عن خليط متجانس من سبيكة لأحد الفلزات الثقيلة وهو عنصر التنغستن W."

 وتابع: "هناك نوعان من السبائك التي تستخدم في هذا المسحوق: تنغستن- نيكل- كوبلت (WNiCo)، تنغستن- نيكل- حديد (WNiFe)؛ بنسب 91-93% للتنغستن، 3-5% للنيكل، 2-4% للكوبلت أو الحديد. عند انفجار هذا المسحوق يتشظى إلى شُظيَّات مجهرية "متناهية الدقة" لها تأثير قاتل بالمسافات القريبة، في حدود أربعة أمتار. وتكمن خطورة هذه الشظيات في أنها تذوب في الأنسجة البشرية مما يجعل من الصعب معرفة سبب الإصابات إذ تـُحدث جرحا صغيرا جدا ثم تواصل إحداث تدمير هائل في الأنسجة. وهي سامة كيميائيا، وتدمر الجهاز المناعي، وتهاجم البصمة الوراثية للحمض النووي DNA.. وتصاحبها حرارة عالية، حارقة."

وتابع يقول:"عند حدوث الانفجار، لا يتفاعل التنغستن كيميائيا، ولكنه يمتص جزءا من الطاقة الناجمة عن الانفجار فتحمل الشظيات المجهرية هذه الطاقة وتندفع مكونات المسحوق بقوة إلى الخارج، وتنطلق بسرعة هائلة، لتصبح قادرة على اختراق الأجسام، فتـُحدث قطعا في العظام والأنسجة خصوصا الأطراف السفلية، بسبب وجودها في متناول هذا الخليط الفلزي. ويسهل بالطبع انفجار الغلاف الخارجي للقنبلة، الذي يتألف من ألياف كربونية، فيتفتت إلى أجزاء صغيرة جدا، تندفع وتتناثر على هيئة غبار دقيق قد يؤدي استنشاقه إلى الموت. كما يسهم هذا الغلاف الكربوني الهش في عدم تبديد الطاقة الناجمة عن الانفجار- مثلما يحدث عند انشطار الأغلفة المعدنية للقنابل التقليدية- مما يزيد من سرعة الشظيات المجهرية.
تتجلى خطورة هذه المواد في القدرة على القتل الفوري لكل الأشخاص الموجودين على بعد أربعة أمتار من مكان الانفجار، كما تلحق إصابات بالغة بالأشخاص الذين يبعدون مسافة أكبر، من بينها بتر الأطراف بسبب قدرة الشظايا على اختراق العظام والأنسجة، مع احتمال الإصابة لاحقا بـ "سرطان الأنسجة."

 

22 انتهاكاً

 واختتم أبو هين بالقول:" إن إسرائيل  انتهكت  في الحرب الظالمة التي شنت على قطاع غزة كل القوانين والأعراف والمعاهدات الدولية.  لقد تم رصد انتهاك ما يقرب من 22 اتفاقية دولية و 9 بروتوكولات دولية لحماية الإنسان و البيئة زمن الحروب وحقه في العيش بسلام والتنقل الآمن للأفراد والبضائع عبر الحدود. وهذه الاتفاقات والبروتوكولات هي:

·Vienna Convention on the Protection of the Ozone Layer;

·  Aarhus Convention on public access to information, participation in decisions, access to justice in environmental matters;

·  Convention on the assessment and environmental impact of crossborder;

·  Convention on the Transboundary Effects of Industrial Accidents malenges;

o Montreal Protocol on long-term damage to the ozone layer; United Nations Convention on Climate Change;

·  Convention on the Transboundary Effects long distances from the pollution

of the air:

o Protocol on reducing emissions of sulfur and their cross-border flows;

o Protocol on control of emission of nitrogen oxides;

o Protocol on control of emissions of volatile organic compounds and their effects in the cross;

o Protocol on Persistent Organic Pollutants;

o Protocol on Heavy Metals;

o Protocol to fight against acidification, eutrophication and ozone layer;

o Protocol on funding long-term monitoring program and evaluating

cross-border pollution of air pollutants in Europe;

o UN Protocol Kyoto framework agreement on the greenhouse effect

·  United Nations Convention to Combat Desertification in those countries

particularly subject to drought and / or Desertification, Particularly in Africa;

·  Convention on Bio-diversity;

·  Convention on Wetlands and their international importance for the species

as a habitat area and reproduction;

·  International Convention on Trade in animal and floral species in danger

of extinction;

·  Convention on the Conservation of Migratory Species of Wildlife;

·  Convention on the control transboundary movement of hazardous and

other wastes;

·  Convention on the Protection of World Cultural and Natural Heritage;

·  United Nations Convention on the Law of the Sea;

·  Convention on the Prevention of Pollution from Ships;

·  Convention on the Prevention of Pollution by Oil;

·  Basel Convention on the Control of Transboundary Movement of Solid

Waste;

·  Rotterdam Convention on Information and Procedures to Run in the international

trade of certain chemical waste and pesticides;

·  Stockholm Convention on Persistent Organic Pollutants;

·  Convention on Nuclear Safety;

·  Convention on the Alert at Nuclear Accident;

·  Convention in case of nuclear accidents and radiological emergency

 

عولمة

  وأستهل المهندس الزراعي والناشط البيئي سعد داغر في ورقة"العولمة والتغيرات المناخية " بالقول:"ما زلت أذكر تلك الفترة حين افتتح أول مطعم "لماكدونالدز" في موسكو في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين. لقد اصطفت طوابير بالمئات وانتظر الناس ساعات من أجل الحصول على وجبة من تلك المشطورة، التي تحتوي على ورقة خس وبعض الإضافات ومدورة من اللحم البقري المفروم. كان الإقبال كبيراً لدرجة أثارت الاستغراب والحيرة من هذه الحمى التي أصابت "الموسكوفيين" وحينها ثار البعض وانتفض: كيف يسمح النظام السوفياتي لرمز من رموز الإمبريالية بهذا التغلغل المهين في عقر دار السوفيات؟ حينئذ كان الصراع يدور على الإيديولوجيا، ولم يكن الكثيرون يرون بعداً آخر للمسألة ولهذا الصراع ولهذا التغير الذي حدث بالسماح لتلك الشركة ."

 وتابع يقول:" لم يكن الحديث يدور عن البيئة والتغيرات المناخية والعولمة كما هو الحال اليوم، مع أن عصر العولمة بدأ فعلياً منذ زمن وارتبط بشكل أساس عند تأسيس صندوق النقد الدولي وباتفاقيات مختلفة مثل اتفاقية الجات GATT وغيرها. لم تكن تلك السياسة قد سُميت عولمة في ذلك الوقت، مع أنها تعبر عن جوهر العولمة، التي يزداد الحديث عنها وتحليل جوانبها وانعكاساتها على العالم، والتي هي عبارة عن سياسة هادفة لتوحيد العالم في سوق واحدة تتحول من خلالها اقتصاديات الدول الوطنية إلى مجرد مناطق اقتصادية مستباحة، تهيمن عليها قوى رأس المال من خلال الشركات العالمية العابرة للحدود لتكريس سيطرة مراكز المال على العالم في مختلف المجالات، بدءاً بالطاقة، مروراً بالغذاء والسيطرة على البذور، إلى التكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات. هي سيطرة شركات احتكارية على الأسواق العالمية، ومنع الدول الفقيرة والنامية من الانتفاع حتى من مواردها الخاصة بما في ذلك النباتات البرية التي قد تشكل مصدراً لجينات تستخدم في إنتاج محاصيل معدلة وراثياً تنتجها شركات البذور والمبيدات الكيماوية.

ليس هذا إلا مثالاً صغيراً وسنبحث جانباً صغيراً من تأثير هذا المثال من العولمة على البيئة وما ينتج عنه من تغيرات في المناخ. "

 

"مكدونالز" في قفص الاتهام

 ومضى يقول:" أود التطرق إلى رمز بسيط من رموز العولمة والمتمثل بشركة مكدونالدز، التي تمد فروعها في الكثير من دول العالم، فعلى الرغم من كون المنتج الذي تبيعه متعدد المدخلات كالخبز و"الميونيز" و"الكتشب"، يبقى أساس وجبتها تلك القطعة المستديرة من اللحم البقري المفروم، فما علاقة هذه القطعة بالبيئة وبالتغيرات المناخية؟"

  وأكد داغر: تصل نسبة مساهمة الزراعة من الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري إلى نحو 15%، ومن أهم الغازات مساهمة غاز الميثان، الذي يؤثر سلباً في البيئة بقوة تصل إلى 23 ضعف تأثير ثاني أكسيد الكربون، وإذا ما أخذنا الزراعة كمصدر لهذا الغاز فإنه يأتي بشكل أساسي من الأبقار، التي تنتشر المزارع لتربيتها على نطاق عالمي ويزيد عددها عن مليار ونصف مليار رأس.

  وتابع:" إذا ما عرفنا أن كل بقرة تنفث في اليوم نحو 150 لترا من غاز الميثان فلنا أن نتصور الكم الرهيب من هذا الغاز والذي ينفث يومياً في الجو ومدى الضرر الذي يلحقه بالبيئة ودوره في التغيرات المناخية، هذا من جهة ومن الجهة الأخرى تسهم تربية الأبقار في عمليات القطع الكثيف لغابات الأمازون، بل هي السبب الرئيسي في ذلك، فكانت النتيجة إلحاق أذى كبير بالتنوع الحيوي في أغنى مناطق العالم بهذا التنوع، وخسارة الكرة الأرضية لمخزن أساسي من مخازن غازات الدفيئة متمثل في الأشجار التي تمتص جزءا كبيرا من غازات الدفيئة وتنقي الجو منها، وإضافة يومية متزايدة لغاز الميثان. ولنا أن نتصور حجم الضرر حين نعرف أنه بسبب تربية الأبقار في تلك المنطقة يتم القضاء على 10 دونمات من الغابات كل 18 ثانية، وبالتالي فإن تربية المواشي مسؤولة عن 80% من الدمار الذي يلحق بالغابات في حوض الأمازون."

 

 ومما قاله الناشط البيئي داغر: "تشير التقارير إلى أن "مكدونالدز" تقدم وجباتها إلى حوالي 50 مليون إنسان في العالم يومياً وترتكز هذه الوجبات بالأساس على اللحم البقري، مما يجعل مكدونالدز واحدة من أكبر الشركات ذات الامتداد العالمي المتسببة بإطلاق غاز الميثان إلى الجو وبالتالي تكون من الشركات المساهمة إلى حد كبير بتلويث الجو وحقنه بكميات كبيرة من غاز الميثان، وما ينتج عنه من ارتفاع في درجة حرارة الأرض وبالتالي تغيرات مناخية عالمية وذوبان لجليد القطب الشمالي وحين يذوب الجليد فإن ذلك يؤدي أيضاً إلى إطلاق كبير لغاز الميثان المحتجز تحته منذ ملايين السنين؛ مما يفاقم من الاحتباس الحراري وبالتالي يزيد من آثار التغيرات المناخية."

 

بذور وكيماويات و تغير مناخي

 وانتقل لمثال الآخر الذي يمثل نتاجاً للعولمة يتعلق بالشركات التي تنتج بذوراً مهجنة وتقف على رأسها شركة مونسانتو الأمريكية، التي حصلت على ما يقرب من 700 براءة اختراع في مجال البذور المعدلة وراثياً؛ وهذا يعني زيادة في أنواع البذور التي لا يستطيع المزارعون حول العالم إعادة إنتاجها في حقولهم لأنه لا يمكن إنتاج البذور من محاصيل معدلة وراثياً أو أنه عند محاولة المزارع إعادة إنتاج البذور فإنه لن يحصل على نوعية المحصول نفسها بإعادة زراعة البذور التي أنتجها من حقله، وأهم من ذلك أنه لا يستطيع عمل ذلك لأنه مضطر لتوقيع التزام للشركة بأنه لن يقوم بتخزين بذور ينتجها بنفسه لإعادة زراعتها في السنة القادمة.

  وقال:" المهم في الأمر أن "مونسانتو" التي تمثل أيضاً رمزاً من رموز العولمة وسيطرة الشركات على السوق العالمي وتدفع باتجاه تدفق السلع من اتجاه واحد هو الدول المتقدمة (الاستعمارية) إلى الدول الفقيرة والنامية، هي نفسها من أكبر الشركات المنتجة للمبيدات الكيماوية التي ترتبط زراعة البذور المعدلة وراثياً باستعمال تلك المبيدات. إن كلا الأمرين: البذور المعدلة جينياً واستعمال المبيدات السامة لهما تأثير مشترك (من ضمن مجموعة كبيرة وخطيرة من التأثيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية)، يتمثل في القضاء على التنوع الحيوي الذي نشأ عبر العصور. سيؤدي القضاء على التنوع الحيوي إلى تأثيرات بيئية عميقة، ويكون أحد تجلياتها المساهمة في التصحر وما ينتج عنها من ارتفاع في حرارة الأرض التي تقود إلى تغيرات مناخية عميقة. يؤدي التصحر إلى فقدان الأرض لغطائها النباتي الذي يمتص جزءاً كبيراً من الغازات الضارة بالغلاف الجوي وجزءاً مهماً من حرارة الشمس وبالتالي يؤثر هذا في ارتفاع حرارة الأرض. والجانب الآخر مشكلة التصحر وحدوث الهجرة البيئية من المناطق الزراعية إلى مناطق جديدة، يزداد عليها الضغط البشري فتتعرض فيها الموارد الطبيعية إلى الخطر."

 

خداع

  وأكد أن شركات البذور مثل "مونسانتو" تعتبر أحد مظاهر العولمة، التي تعمل عل  فرض سيطرتها على العالم والتحكم بغذائه، إما عن طريق الخداع، أو عن طريق القوة العسكرية كما كان جلياً في استعمار أمريكا للعراق، فهناك القرار غير المعروف للغالبية الساحقة من الناس، الذي يحمل رقم 81 والذي أصدره بول بريمر أول حاكم أمريكي للعراق بعد احتلاله ضمن القرارات الكثيرة التي أصدرها لتمكين سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على كل مكونات الحياة الاقتصادية العراقية حسب متطلبات العولمة التي تخدم بالدرجة الأولى المصالح الأمريكية. بموجب القرار المذكور، والذي سمي "قرار حماية الأنواع الجديدة من النباتات"، أصبح ممنوعاً على المزارع العراقي إعادة إنتاج البذور، التي كان ينتجها ليعيد زراعة أرضه، حيث أصبح استخدام المزارعين لبذورهم قضيةً مخالفة للقانون منذ لحظة بدء تطبيقه. وادعت الولايات المتحدة أن هذا القرار سيساعد العراق على الدخول في عضوية منظمة التجارة العالمية (أهم متطلبات وتجليات العولمة).

 وأنهى بالقول: "نرى من هذين المثالين اللذين يظهران بشكل واضح مخاطر العولمة وكيف يعمل النظام العالمي الجديد القائم على العولمة."

 

عين خضراء

  وقدّم الكاتب والصحافي المهتم بقضايا البيئة، عبد الباسط خلف، تجربة شخصية حول تغير المناخ في فلسطين. وقال:" في هذه المناسبة، أود تسجيل اعتراض على تسمية(التغير المناخي)، لأن المناخ ثابت ومستقر تاريخياً-وإن  تنشأ كل مجموعة كبيرة جداً من السنوات العديد من العوامل والظروف الطبيعية  التي بدلت وجه الكون- والطارئ هو سلوك الإنسان  وصناعاته و تعامله مع البيئة، وكمثال( مستويات ثاني أكسيد الكربون قبل الثورة الصناعية كانت نساوي270 جزءا في المليون، في حين أنها ارتفعت اليوم إلى نحو 379 جزءا في المليون). وعليه  نحتاج لمصطلح يعلن براءة المناخ ويُدين ممارسات الإنسان.

 واستعرض صورا للتغير المناخي في الأراضي الفلسطينية، كما شاهدها، فتحدث عن  التدمير الهائل للأراضي الخصبة في غير بقعة، ولاحق تشويه الجبال الكثيفة بالأشجار بكتل الاسمنت وأبراج الاتصالات اللاسلكية، بشكل عشوائي.

 وقال:" باختصار، لم تعد هناك أراضٍ شاسعة، فيما اختفت الجبال العذراء، ودمر عبث الإنسان منظومة أوجدها خالقها بحساب، وقمنا نحن بتحطيمها. فحولنا السهول إلى مدن، واقتلعنا الجبال الخضراء لصالح مشروعات تجارية وسكانية، دون وعي أو تخطيط."

 

يوميات مصابة بالرعب

  وتابع خلف:" منذ العام 1989 وأنا أدون يوميات المطر، كميته ومخفضاته وفترات تساقطه. وقارنت معدلاته خلال 82 سنة(أقلها  سنة 1951-بواقع 215 ملم- وأعلاها 1992-1037 ملم). تغير حال المطر، فصار أكثر تذبذبا، وتبدل توزيعه على فصول الشتاء. وصرنا نعيش "أربعينية شتاء"  معتدلة وحارة وجافة."

 وأسهب:" في أيام الطفولة الأولى، كان حال الغطاء النباتي " يسر الأصدقاء ويغيظ العدى"، أما اليوم فكل شيء تغير. مما دونته الذاكرة ونقلته إلى سجل يومياتها: رعي جائر، اقتلاع أشجار لغير سبب وفي أكثر من مكان، تكسير الأغصان، تحطيم الأشجار المثمرة حتى في لحظة القطاف، وبخاصة الزيتون عبر استخدام العصي في جني المحصول، الابتعاد عن العناية بالأرض وهجرتها فتراها مسرحاً للأشواك والنباتات الضارة، وترى البعض يزيد الطين بلة فيستخدم المبيدات الكيماوية لإزالة الأعشاب أو يلجأ لحرقها بعد جفافها.أما الأحراش الطبيعة، فمهملة ومُعتدى عليها، وتتناقص، في حين صرنا نغرس الأشجار في احتفالات كبيرة ومدفوعة مسبقاً، ونتركها لتقاوم الجفاف واعتداءات المحتلين والأغنام والعابثين وحدها."

 وأردف:" كان مشهد بلدتي برقين  في الطفولة مختلفاً. فعين الحاووز المتدفقة بقوة تخترق بساتين الوادي وتصل إلى حقول مرج ابن عامر. وحولها أحزمة خضراء من مزروعات صيفية ملونة وبساتين برتقال أخاذة. كنا نتقاطر في أيام الصيف القائظ لنجلب بعضاً من ماء النبع البارد، نحمله معنا، ونعوض غياب التيار الكهربائي وأجهزة التبريد التي انتشرت لاحقاً في كل مكان.

 

نبع غائب

   وتابع  خلف : "مما سجلته في يومياتي عن النبع الغائب، كيف أن  نساء البلدة في أربعينيات وخمسينيات وستينات القرن الماضي كن يتقاطرن إلى الحاووز، فيملأن جرارهن منه ويعدن لتخزين الماء في بيوتهن بأوعية الفخار.أما اليوم، فجفت الخضراء واختفى الماء، وصرنا نحصل عليه بالقطارة، وأصيب بالتلوث."

  وروى:" كانت جنين حتى عام 1983 تخلو من أي دفيئة زراعية. وحينما  شرع الفلاحون باستقدام هذا النموذج الطارئ، كانوا يجهلون كيفية تركيبة، ويقولون: "يحتاج الأمر لمهندس من إسرائيل". وبالفعل شاهدنا  عمالاً من الدولة العبرية يركبون البيت البلاستيكي الأول في المنطقة. أما اليوم فغزت الدفيئات كل الحقول، وصرنا نأكل خضروات بلاستيكية لا طعم لها ولا رائحة."

 وأشار إلى  الزراعات المنقرضة كالبطيخ، وتكاثر وسائل المواصلات، وانتشار ثقافة حرق البلاستيك وإطارات السيارات، وانتشار مقالع الحجارة التي تلوث البيئة، فضلا عن ممارسات الإنسان العدوانية، كالرعي الجائر، والصيد العدواني، وصناعة الفحم، واستخدام الكيماويات، وغيرها."

 

إضافات نوعية

  وقُدمت إضافات نوعية من  الحضور:  د. مراد عوض الله مدير دائرة الاعتماد والجودة في وزارة التربية والتعليم العالي، وأ. رشا عمر مديرة دائرة المباحث النوعية في مركز المناهج، وأ. سامي داود من مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين ، ود. وليد الباشا مدير مركز الباشا للدراسات والأبحاث العلمية، وأ.د. محمد سليم لشتية مدير مركز أبحاث التنوع الحيوي والبيئة (بيرك)، وأ. هبة الطيبي من مؤسسة "هينريش بل" الألمانية، والمربي أ. علي خليل حمد  والمزارع أمين حمايل الذي ينتج الطاقة من الرياح ويستخدم أنماط الزراعة العضوية.  كما شارك في الندوة سلطة المياه، ووزارة التربية والتعليم العالي، وبلدية غزة، والوكالة الألمانية للتنمية، وسلطة جودة البيئة، ووزارات: الصحة والزراعة والإعلام.

وأجمع المتحدثون المشاركون في الندوة على أن الحاجة ملحة للبدء بخطوات تنفيذية في مجالات التربية والتعليم والإعلام والبحث العلمي، لغرض التعامل مع ظاهرة التغير المناخي، وطالبوا بقوانين وتشريعات تردع المتسببين بتدمير الأراضي الزراعية وتلويث البيئة وتغير عناصرها.

للأعلىé

 
     

 

التعليقات

 
 

لبريد الالكتروني: aidahzahlawi@gmail.com

الموضوع: ندوة العدد -العدد 16

التعليق:

 لماذا لا يخرج الغزبون إلى الشوارع ليتظاهروا مطالبين بحفهم الإنساني البديهي

 المتمثل باجتثاث مكب النفايات من داخل أحيائهم ومنازلهم؟

 عايدة زحلاوي


لبريد الالكتروني: aabdelmajeed@yahoo.com

الموضوع: ندوة العدد -العدد 16

التعليق:

 كل الشكر لموقعكم المحترم الذي يثابر على نشر الحقائق التي يتلعثم ويخاف

 الآخرون من نشرها...

 ع. عبد المجيد


لبريد الالكتروني: aabdelmajeed@yahoo.com

الموضوع: ندوة العدد -العدد 16

التعليق:

 الحقائق الخطيرة التي طرحتها الندوة تتطلب عملا إعلاميا أوسع وأكثر تأثيرا في

 المستوى العالمي لنشر المعطيات العلمية عن أسلحة الإبادة والدمار الشامل التي

 استعملتها إسرائيل في غزة، فضلا عن عقد مؤتمرات وندوات عالمية ونشر الوثائق

 بشكل مثابر ومنهجي، في مختلف المحافل والمواقع الدولية...

 

 عاصف البيروتي


 

لبريد الالكتروني: aasamhan@yahoo.com

الموضوع: ندوة العدد -العدد 16

التعليق:

 من الواضح الآن، وعلى ضوء نشر هذا الموقع للمعطيات والحقائق العلمية الدامغة

 التي تكشف الجرائم الإسرائيلية ضد البيئة والإنسان، لماذا أصبح مستهدفا من

 قبل قراصنة الظلام والمأجورين...فكل النحية لهذا الموقع البيئي الوطني

 الملتزم الذي يعد، وبحق، الوحيدمن نوعه في الوطن العربي بأسره...

 أمجد سمحان/عمان


لبريد الالكتروني: sahed@hotmail.com

الموضوع: ندوة العدد -العدد 16

التعليق:

 

 أشكركم من كل قلبي على المعلومات والحقائق الخطيرة والمروعة التي كشفتها هذه

 الندوة حول مختلف أصناف أسلحة الدمار الشامل والمحرمة التي استخدمها الاحتلال

 الصهيوني ضد شعبنا في غزة...وسأعمل على نشر محتوى هذه الحقائق لآلاف الناس

 وبخاصة هنا في فرنسا حيث أقيم...

 عاهدالصيداوي


 

لبريد الالكتروني: mya1111@hotmail.com

الموضوع: ندوة العدد -العدد 16

التعليق:

 

نشكر مؤسسة افاق لتنميه انا وزملائي في مؤسسة النيزك ونتمنا لكم التقدم

 والنجاح


 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.