تموز 2009 العدد (16)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

 July  2009 No (16)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

منبر البيئة والتنمية:


 

 

اأقتراح بشأن اتفاق كوبنهاغن من أعضاء المنظمات غير الحكومية

للأعلىé

   

 

ماذا يفعل كاتب في "الحسبة" التي هي سوق الخضار المركزي في البيرة؟

تحسين يقين

 

تعكس سوق الخضار والفواكه "الحسبة" روح المدينة، فهي أول ما يصحو فيها، بل إنها لا تنام فعلا!

 ففي الساعات الأولى من الصباح، وفي هذه الدائرة، في مركزها يتواجد الرجل جنبا إلى جنب مع المرأة التي تشارك أدوار البطولة وتحتلها أحيانا، حيث تشكل ركيزة مهمة في الحياة التجارية للسوق.

 كان المصلون عائدين من مسجد عبد الناصر فجراً، حين توقفت بنا المركبة أمام الحسبة، نسمات باردة تدغدغ أجسادنا، وأعيننا ما زال يداعبها النوم، لكن منظر الفلاحين الطيبين وحركة الباعة بثت الحيوية في العيون والآذان معاً.

أكثر ما يثيرك هو حركة المزارعين الباعة والمشترين من صغار تجار السوق ومن المتوسطين، ومعنا الفلاحات القادمات من قرى القدس ورام الله لبيع منتوجاتهن الزراعية، وتلحظ  نشاط أحوال السوق، وتطوراتها والأصناف الجديدة التي يتنافس عليها المشترون.

 

البيع والشراء

يصل المزارعون الباعة بالجملة من قراهم البعيدة والقريبة إلى سوق البيرة قبل الفجر بقليل، يصلون وهم ما زالوا يحملون عبق مزروعاتهم وتراب الأرض، فيما يداعب الأمل جفونهم، أبو عقاب مصطفى سرحان من بيت دقو، الحاج صالح مرار، أبو العبد، ، الحاج محمد حسن، أبو عيسى والتين..الشباب محمد شكري وتيسير وعز الدين..وأنا، كل بورق العنب والمشمش والعنب فيما بعد، والبرقوق، وكل بما تجود الأرض عليه بعدما جاد هو عليها..

ما إن تنتهي صلاة الفجر، حتى تبدأ السوق، والذي يلزمه للبدء أن يعلن أحد المزارعين، لعله الأكبر والأخبر بها عن السعر، ثم يبيع الناس وفق ذلك، خصوصا المنتوجات الأفضل، ثم تنزل الأسعار، والمهم أن ينتهي المزارعون من البيع قبل شروق الشمس، حتى يعودوا للقرى للعمل من جديد، لأن التجار الجادين هم من يقبل على السوق فجرا، ولأن المتأخرين يريدون أسعارا قليلة!

 

علاقات السوق

وهذه العلاقات تحتاج إلى محلل نفسي واجتماعي، حيث لفت نظري-ككاتب ومزارع يبيع المنتوج- أن في السوق من الخصوبة البحثية في نفوس البشر، ما لا يوجد في غيرها، فهناك علاقات نفسية مرئية وغير مرئية، تتراوح ما بين المودة والتضامن وما بين التنافس الشريف وغيره، بين المزارعين أنفسهم، كذلك بين التجار أنفسهم، وهناك بالطبع ما هو كائن بين الجمع من مزارعين وتجار.

الغريب أن مدير السوق السيد زهير لا يسمي المزارعين بالباعة، فرغم أنهم يبيعون هنا، إلا أنه يسميهم بالمزارعين وهو إليهم عاطفيا أقرب.

السيد زهير مدير عمليات "السوق المبكر جدا" يبدأ نهاره مبكراً كي يشرف على السوق، يحسن التعامل مع الفلاحين والباعة (التجار)، يشيد بالفلاحين والفلاحات، ويحس بتعبهم وتعبهن، وهو يتضامن معهم جميعاً، ويذكر طيبة وأدب القرويين والقرويات، تأخذ البلدية حوالي 7% من قيمة ما يباع، في حين تأخذ من كل صاحب / صاحبة بسطة 20 شيكلا يومياً.

في الحسبة

في الحسبة، غرفة للميزان والحساب، يحضر كل فلاح "لتوزيع" بضاعته، حيث يتم الاتفاق على السعر، وبعد قليل، تتهلل أسارير الفلاح/ الفلاحة حين يقبض ثمن محصوله، وحين يكون السعر جيداً تكون الفرحة ظاهرة أما حين يكون السعر سيئاً، فما على الفلاح إلا أن يأخذ حقه الذي قسم له في ذاك الصباح ويحمد الله، ويعود إلى البيت بشيء من الانكسارر.

 

أم إبراهيم من بيت لقيا باعت جمعها "هذا أول يوم تبيع فيه الحمص، بعنا الرطل بـِ 5ر3 شيكل" من لهجتها أحسست أنها غير سعيدة بالأسعار، لكن ما باليد حيلة، تضيف أم إبراهيم أنها دفعت أجرة السيارة خمسين شيكلا، من بيت لقيا (من قرى جنوب غرب رام الله) إلى المدينة، وهذا رقم كبير، فماذا سيبقى بعد ذلك".

رائحة الزعتر تملأ غرفة زهير المحاسب والمدير في آن، منظر الكرز، وورق العنب، والكوسا والفقوس، كل صنف يأتي له حكاية، الزراعة والتجارة، البيع والشراء، هكذا هي الحياة في السوق، فالناس في كل الأحوال سيشترون، ربما لا يعرفون تفاصيل حياة السوق وبداياتها، قد يجدون الأسعار مرتفعة أو منخفضة، لكن همهم هو تأمين حاجة الأسرة من الخضار على وجه التحديد.

أم العبد تجلس بأدب لبيع ورق العنب، القادم من بيت دقو، المشهورة بالعنب بشكل خاص، قالت إنه في العادة يأتي زوجها للبيع، لكن اليوم مشغول في الأرض، وبعد البيع فإنها هي الأخرى ستنضم إليه، فهناك الكثير من العمل الذي ينتظرهم.

 

النعناع أيضاً يطل برائحته القادمة من دورا القرع، والجديرة، ولك أن تسأل الناس عن أسمائهم وقراهم، وحكاياتهم وآمالهم في الحياة، ولك أن تحس بمعاناتهم أيضا، لكن تلك المعاناة تظل في الظل، لا يدركها إلا القليلون.

أبو سلطان القادم من جبل الخليل بورق عنبه وبرقوقه، يتحمل مشاق السفر عبر وادي النار الصعب، هو الآخر يقف كي بييع ويعود على أمل جديد..

 

ليست حياة جميلة ولكن!

ليست حياة الفلاحة جميلة وسهلة كما يتصور الكثيرون، فهي شاقة من بداية الزرع حتى البيع، وفي النهاية لن تعطيهم السوق حقهم المناسب، ربما هذا ليس ذنب السوق، ولا ذنب المواطنين، لكن ماذا تفعل امرأة تبيع تعبها بسعر رخيص؟؟

"غزالة وسميحة وأم إبراهيم وغيرهن" وجوه معروفة في حسبة "البيرة"، تاجرات ماهرات في الشراء والبيع، مشهورات للفلاحين، أتقنَّ فهم سوق الخضار والفاكهة، من أكثر الوجوه حركة ونشاطاً، في المقابل فإن عليهما أن تشتريا ما تريدان، ثم تبدأ كل منهما نهارها في البيع من خلال "بسطتها" للزبائن، طوال النهار، فكيف تمضيان النهار كل يوم بهذه الصورة المتعبة؟ لا شك أن الصبر جميل، كما أن فهم نفسية الزبائن ووضعهم الاجتماعي يحدد العلاقة والسعر، إنها عملية شاقة أن تصحو مبكراً وتظل طوال النهار وأنت تبيع تحت الشمس أو في البرد، وحين تعود إلى بيتك في المساء، تكون في قمة الإنهاك والتعب.

يداعب الجيل الصغير "الشباب" الجيل القديم، تضرب إحدى البائعات أحد الشباب حبة بندورة مازحة معه، يبتسمان، فلا بدّ من بعض الفرح في ظل هذه الحياة الشاقة.

إفطار قبل الشمس

يعود المزارعون إلى قراهم، أما أنا فأتسكع قليلا في رام الله، أتناول الإفطار الذي هو كعك وبيض مشوي، على غير عادتي الغذائية التي تتطلب مني ترك البيض لمن هم أصغر، بعد أن دلفنا إلى الأربعين...

أقرأ الصحيفة، وأشرب قهوتي، ولا أدري ما المسافة بين كوني كاتبا وكوني مزارعا، لعلني إلى المزارع أقرب..هنا عدد قليل يعرف أنني كاتب، هذا أفضل..وأنا لا أظهر بهذه الصفة.. أضع طاقية لحماية الرأس من الندى، ..لعلني أحب مناداتي بالحاج!

ككاتب نسوي أهتم بالنوع الاجتماعي ماذا يمكن أن يقفز إلى ذهني وأنا منهمك في تسويق ورق العنب والمشمش والبرقوق والعنب؟

من الصعب أن تسير السوق  من دون العنصر النسوي، فهو يملك الصبر في عملية الشراء والبيع، وتكاد نساء الحسبة يتحكمن بها، ولهن الحق في ذلك، حيث إنهن يتنافسن بشرف وجهد وصبر مع رجالها، ويمثل تفوقهن مثالاً طيباً على دور المرأة في المجتمع الفلسطيني، أحياناً يغار الرجال منهن، وأحياناً يحاولون تقليدهن، هناك من ينجح، وهناك من لا يستطيع إكمال الدور الذي يحتاج إلى مهارة وذكاء وصبر.

لا يدور في أذهان هؤلاء النسوة ما يدور في المكاتب وقاعات المحاضرات والندوات، عن أدوار المرأة والرجل والصورة النمطية لها وأين وصل الحديث عن النوع الاجتماعي "الجندر"، كل ما يدور مقتصر على النجاح في البيع والشراء والربح، للعودة إلى البيت غانمات ما كسبنه لإنفاقه على الأسرة وتنميتها.

وبالطبع لا يشكل الحديث الدائر عن الديمقراطية وحقوق المرأة أي إغراء لهن، فهن على ارض الواقع يحققن أدوارهن في الحياة، ينافسن الرجال ويتغلبن عليهم، بما يحملنه من صبر وذكاء خاص، والكثير من الأسر تعتمد على تلك النسوة العاملات، والكثير منهن يقمن بعملية إسناد حقيقي لأسرهن، فماذا يمكن أن نتحدث معهن عن التنمية؟

هؤلاء التنمويات "في الظل" يشكلن حالة عملية في البناء المجتمعي، دون الاعتماد على الدول والمؤسسات المانحة، أو حتى مؤسسات التنمية الاجتماعية الداعمة للأسر المستورة، إنهن لا ينتظرن صدقة من أحد، وهن والحالة هذه، يمثلن قدوة للمجتمع كي يعتمد على طاقاته الخاصة إذا كان يسعى لاستقلال حقيقي، اقتصادي وسياسي معاً.  

لا تنام "امرأة الحسبة" جيداً، فهي تنهض مبكرة، حوالي الساعة الثالثة فجراً كي تستعد للعمل، وهن يقسمن إلى قسمين: الأول وهن البائعات القادمات من القرى، وعليهن تأمين وسيلة مواصلات لنقلهن إلى رام الله، وبالطبع زادت الصعوبة وارتفع أجر المواصلات في الانتفاضة، وهؤلاء الفلاحات الطيبات الصابرات عليهن تحمل مشاق الوصول إلى رام الله، إلى الحسبة الواقعة في مدينة البيرة، وعليهن تحمل المناقشات حول الأسعار، وتحمل آلام السوق التي تفرض السعر، وهن دوماً مهمومات في النجاح بعملية البيع قبل إشراق شمس النهار، وعليهن مسؤولية اتخاذ قرار البيع بالسعر المناسب بالنظر إلى حالة السوق اليومية، وكثيراً ما يبعن بأسعار متوسطة أو حتى رخيصة، من أجل الإسراع في العودة إلى بيوتهن في قراهن لاستئناف عملية تجهيز البيت والأولاد الذاهبين إلى المدارس والجامعات.

القسم الثاني: التاجرات، ووظيفتهن أن يشترين (خضار وفواكه) جيدة كي يستطعن تسويقها للجمهور الباحث عن النوعية، أما الأهم فهو محاولاتهن البحث عن أسعار معقولة في ظل انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين المحاصرين، عملية المساومة تشكل إرهاقا لكلا الفريقين، وأخيرا فان السوق عرض وطلب وهو الذي يتحكم بالجميع، وقد يشكو الجميع، لكن شكوى الفلاحات أكثر ألماً لكونهن يعملن في الأرض ويقمن بجهد كبير، في ظل المردود الاقتصادي المحدود، وليس أمامهن إلا تحمل هذه الأوضاع.

 

مع إرسال الشمس لأشعتها

مشهد "الحسبة" يثير الكثير من الأسئلة، وبإمكانك أن تقف عند كل عضو في هذه السوق، لتتعرف على قصة في الحياة، بإمكانك أن تحاول تحليل دور المرأة والرجل في السوق، وتستخلص من ذلك الكثير من الاستنتاجات التي ربما لا تصل إليها في ورشة عمل أو دورة دراسية حول الاقتصاد والمرأة، ويظل هناك الكثير تحت السطح في الحسبة، ذلك أن روح المدينة ساكنة هناك وروح القرية والوطن بترابه وخضاره وفواكهه..

وإذا أضفنا الجانب النفسي، ثم الجانب الاجتماعي المتمثل في العلاقات داخل السوق، وفي ظل الجانب الجامع للجميع وهو الجامع الاقتصادي..فماذا يبقى؟ لعلها الحياة والمجتمع تكمن هنا، تظهر..تختفي ..تتجمل..تحب..تخاف..لكن يظل الأمل!

 للأعلىé

 

التعليقاتت

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.