تموز  2009 العدد (16)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا 

July 2009 No (16)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية

الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية

قراءة في كتاب

البيئة والتنمية في صور

الاتصال بنا

الصفحة الرئيسية

 

 

دراسة

 

آثار انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للبيئة والموارد الطبيعية الفلسطينية على التغير المناخي

 

جورج كرزم

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

تشكل الصناعات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والصناعات داخل إسرائيل، الخطر الأكبر على تلوث الغلاف الجوي في فلسطين بعامة، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة بخاصة، وذلك بما لا يقارن مع التلوث الذي تسببه الصناعات الفلسطينية الضعيفة والهشة.

كما أن المراكز الصناعية الإسرائيلية الكثيرة في شتى أنحاء الضفة الغربية تلوث الغلاف الجوي بكميات كبيرة من غازات الدفيئة.

وتساهم العديد من الممارسات الإسرائيلية المعادية للبيئة الفلسطينية في تفاقم أزمة المناخ، وقد تجلى ذلك مؤخرا في مدينة عسقلان المحاذية لقطاع غزة، حيث تعمل إسرائيل على إنشاء محطة توليد كهرباء ثانية من الفحم الملوِّث جدا للهواء.

يضاف إلى ذلك، كميات غازات الدفيئة، وبخاصة ثاني أكسيد الكربون، المنبعثة بسبب النشاطات العسكرية والحربية الإسرائيلية المعادية للعرب والفلسطينيين، والمتمثلة في تسيير وتفعيل أعداد هائلة من العتاد العسكري البري والجوي والبحري، سواء في الحروب الكثيرة التي شنتها إسرائيل في لبنان وفلسطين وغيرها، أو في تحركاتها العدوانية اليومية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

ويتوقع خبراء المناخ أن تزداد غازات الدفيئة المنبعثة من المناطق المحتلة عام 1948 بنسبة 40%، وذلك حتى عام 2020.

 

1.  الصناعات ومحطات توليد الكهرباء والنشاطات العسكرية الإسرائيلية:  أكبر ملوِّث للهواء الفلسطيني

 

1.1              معظم الكهرباء الإسرائيلية من الفحم:

بالرغم من كونها قوة نووية عالمية، لا تزال إسرائيل تولد معظم طاقتها الكهربائية بطرق بدائية قديمة وخطيرة وملوثة جدا للبيئة الفلسطينية، وتحديدا من الفحم الذي يحرق لتوليد الكهرباء.  وتؤدي عملية حرق الفحم إلى انبعاث كميات كبيرة من الملوثات المسببة لأمراض خطيرة وارتفاع نسبة الوفيات في المناطق المحيطة بمحطات الطاقة العاملة على الفحم، فضلا عن تسببها في ارتفاع نسبة الاحتباس الحراري وبالتالي تسريع التغيرات المناخية التي تشهدها فلسطين.

ولطالما تظاهر نشطاء البيئة الإسرائيليون، وبخاصة من مجموعة "غرين بيس"، أمام محطة الطاقة في الخضيرة التابعة لشركة الكهرباء القطرية الإسرائيلية، معبرين عن احتجاجهم ضد تلويث الهواء الذي تتسبب به مداخن المحطة الكبيرة التي تنبعث منها الغازات السامة الناتجة عن احتراق الفحم.

وتنتشر الغازات الكربونية الكثيفة السامة المنبعثة من محطة توليد الكهرباء في الخضيرة، إلى مسافة عشرات الكيلومترات هوائيا، لتحملها الرياح الغربية إلى بعض قرى غرب وشمال غرب جنين.  ويعتقد أن قرية طورة الغربية (شمال غرب جنين) التي تبعد نحو 18 كم هوائيا عن محطة الكهرباء، هي من أكثر القرى الفلسطينية تضررا من الانبعاثات الغازية الصادرة عن تلك المحطة التي يمكن بالعين المجردة مشاهدة مدخنتيها الكبيرتين بوضوح، من أسطح منازل القرية.  ومن اللافت أنه، منذ عام 2000، وضعت الأمراض السرطانية حدا لحياة عشرات المواطنين في قرية طورة الغربية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها ألف نسمة، والتي تقابل مباشرة مدخنتي محطة الخضيرة، حيث تعمل اتجاهات الرياح على نقل الغازات إلى أجواء القرية.   

 

1.2  أمطار حامضية:

بالإضافة لغازات الاحتباس الحراري المنبعثة من محطة الطاقة في الخضيرة، تتدفق من مداخنها أيضا  غازات أكاسيد الكبريت والنتروجين (SO2 وNO2) الناتجة عن احتراق الفحم.  وتعد هذه الغازات الملوثة  للهواء السبب الأساسي لتكون المطر الحامضي، ليس فقط في المحيط المباشر لمحطة الخضيرة، بل وعلى مسافة مئات الكيلومترات بعيدا عنها.  وتتحول تلك الأكاسيد عند اتحادها مع بخار الماء في الجو إلى حامض كبريتيك وحامض نتريك، فتسقط مرة أخرى على سطح الأرض مع مياه المطر، أو الضباب، علما بأن المطر يعدّ حامضيا إذا قلت درجة حموضته (pH) عن 5.6.

ومن المعروف أن تأثير الملوثات المسببة للمطر الحامضي، لا يقتصر على المنطقة نفسها وحسب، بل يمكن أن ينتقل إلى مناطق أخرى قد تبعد عنها مئات الكيلومترات.  ويؤدي تلوث المسطّحات المائية بالمطر الحامضي إلى فقدان هذه البيئات القدرة على تهيئة الظروف لحياة كثير من أنواع الكائنات المائية، كالأسماك والضفادع.

والغريب أن إسرائيل لا تسعى، بشكل جدي، إلى توليد الكهرباء، على نطاق واسع، من الطاقة المتجددة، وبخاصة الطاقة الشمسية التي تعد مصدرا للطاقة النظيفة والآمنة.  وتواصل إسرائيل التفتيش عن مزيد من مصادر الطاقة الأحفورية الرخيصة لضمان استمرار توليد كهربائها وعمل آلتها العسكرية والحربية المعادية للعرب.

 

1.3  احتجاجات إسرائيلية:

نظمت منظمة "السلام الأخضر" ("غرين بيس")، في أيلول 2008، نشاطا احتجاجيا، في سفينة على ساحل مدينة عسقلان الفلسطينية المحتلة، ضد مشروع إنشاء محطة توليد الكهرباء من الفحم في المدينة.  وهاجمت قوات خفر السواحل الإسرائيلية في عسقلان 15 ناشطا، منهم ربان السفينة، علما بأن عشرات المتظاهرين وصلوا إلى شواطئ عسقلان على متن سفينة "Rainbow Warrior" قبالة محطة توليد الكهرباء (روطنبرغ) في المدينة.  وقد هدفت التظاهرة إلى التعرض لسفينة الشحن الضخمة المحملة  بـ 200 ألف طن فحم ومنعها من إفراغ حمولتها في محطة الطاقة، حيث صعد بعض الناشطين على سفينة الشحن وكتبوا عليها شعارات :  "الفحم يقتل" و"أوقفوا استعمال الفحم".  وقد ذكر الناشطون أن طول سفينة الفحم الضخمة نحو 315 مترا، بينما يبلغ طول سفينتهم نحو 18 مترا فقط.     

وتعد هذه التظاهرة واحدة في سلسلة احتجاجات كثيرة نفذها ناشطو منظمة "غرين بيس"، خلال العام 2008، ضد إقامة محطة طاقة جديدة تعمل على الفحم في عسقلان، باعتبار أن الفحم يسيء جدا للبيئة وللصحة العامة ويزيد كثيرا غازات الدفيئة في الجو.  فحرق الفحم وتغيير حالته الصلبة إلى الغازية يجعله الوقود الأحفوري الأكثر خطرا على الإنسان والبيئة والمناخ، علما بأن عملية الحرق تؤدي إلى انبعاث جسيمات مؤذية يستنشقها الناس، فضلا عن السُخام الأسود والزئبق الذي يعد ساما جدا، وبخاصة للأجنة، ويتسبب بأضرار غير قابلة للإصلاح. 

وتعد محطة الفحم الجديدة التي قررت وزارة البنية التحتية الإسرائيلية إنشاءها، المحطة الثانية في عسقلان التي ستعمل  بالفحم.

 

1.4  ملوثات عابرة "للحدود":

تشكل الملوثات العابرة "للحدود" التي تصل من "إسرائيل" إلى أجواء الضفة الغربية مصدرا أساسيا من مصادر تلويث الهواء الفلسطيني.  وتنتقل ملوثات الهواء، بشكل خاص، من إسرائيل، وبخاصة منطقة تل أبيب، إلى الضفة الغربية، من خلال الرياح الغربية الغالبة التي يتميز اتجاهها من "إسرائيل" إلى الضفة الغربية وبالتالي فهي تحمل الملوثات الصناعية من "إسرائيل" إلى الضفة.  وبالرغم من عدم امتلاك الفلسطينيين لمحطات رقابة مختصة بتقدير الأخطار الناجمة عن ملوثات الهواء العابرة من "إسرائيل" إلى الضفة الغربية، إلا أن الدراسات الإسرائيلية أثبتت أن الأوزون المتكون من التفاعل الكيميائي الضوئي لأكاسيد النيتروجين آخذ بالازدياد في مناطق القدس وبيت لحم والخليل،  ومن المعروف أنه عندما يتجاوز تركيز الأوزون قرب سطح الأرض مستوىً معينا، فإنه يؤدي إلى الإضرار بصحة الإنسان والنباتات الزراعية، فضلا عن تأثيره على جودة المناخ. 

ويعتقد خبراء في علم الباثولوجي أن زيادة نسبة الرصاص وأكاسيد النيتروجين والكربون والكبريت التي تحملها الرياح الغربية من "إسرائيل" إلى الضفة الغربية، تعد أيضا من العوامل المؤدية إلى ارتفاع نسبة أمراض الجهاز التنفسي، والالتهابات الرئوية، وصعوبات التنفس، وتهيج العيون، والحد من الرؤية لدى الأطفال إجمالا في الضفة الغربية.

 

1.5  غازات الدفيئة الناتجة عن الأعمال العسكرية                      

تسببت الحروب التي شنتها إسرائيل في السنوات الأخيرة، فضلا عن المناورات والتدريبات والعمليات العسكرية العدوانية اليومية الموجهة ضد الفلسطينيين والعرب في فلسطين ولبنان وغيرهما، في انبعاث مئات ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون وسائر غازات الدفيئة.  ونتيجة للنشاطات العسكرية الإسرائيلية العدوانية، تعادل كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة، تلك الناتجة عن تسيير عشرات ملايين السيارات في شوارع فلسطين وسائر أنحاء الوطن العربي.

ومنذ عام 2000 حين اندلعت انتفاضة الأقصى الفلسطينية، مرورا بحرب تموز 2006 ضد لبنان، وانتهاء بحرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، بخاصة، والعمليات والتحركات العسكرية اليومية المكثفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بعامة، تقدر كميات الوقود التي استهلكتها الآليات والمعدات العسكرية الإسرائيلية بمليارات اللترات.  ويمكننا القول إن كمية ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق هذه الكمية الضخمة من الوقود تقدر بعشرات ملايين الأطنان.  هذا دون الحديث عن النشاطات العسكرية التي نفذتها والحروب التي خاضتها إسرائيل في العقود السابقة لانتفاضة الأقصى.

ويمكننا كذلك الزعم، بأن كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة سنويا من النشاطات والعمليات العسكرية الإسرائيلية تفوق تلك التي تنتجها مجتمعة عشرات الدول الغربية المتوسطة أو الكبيرة.

 

1.6  ارتفاع كبير في نسبة المواد الكيماوية الإسرائيلية الخطرة المتسربة إلى الأجواء الفلسطينية:

تتزايد في إسرائيل كميات المواد الخطرة والغازات الكيماوية السامة المتطايرة والمتسربة إلى الأجواء الفلسطينية.  وبالمقارنة مع الدول الأوروبية وأميركا الشمالية، سجلت إسرائيل أعلى النسب في المواد الخطرة المتسربة إلى الهواء. 

ففي عام 2007 بلغ عدد الحوادث المسجلة في وزارة البيئة الإسرائيلية والمتمثلة في تسرب مواد كيماوية خطرة إلى الهواء 213.  وبالإضافة إلى التسربات، تشمل هذه الحوادث أيضا حرائق تسببت بها المواد الخطرة، وتفاعلات كيميائية نجمت عنها مخاطر على البيئة والصحة العامة.

وقد حصلت معظم تسريبات المواد والتفاعلات الخطرة في جنوب فلسطين، حيث تسربت، على سبيل المثال، كميات كبيرة من المبيدات الكيماوية السامة، من مصنع "مختشيم" في "رمات حوفيف" بجنوب فلسطين.

وقد أثيرت بقوة مسألة كيفية معالجة السلطات الإسرائيلية المختصة للمواد الكيماوية الخطرة، في أعقاب حرب تموز 2006 التي شنتها إسرائيل ضد المقاومة في لبنان، حيث كثر الحديث آنذاك عن مستودع الأمونيا الضخم في منطقة حيفا، والذي كان مهددا بالقصف بصواريخ حزب الله.  ومنذ ذلك الوقت، ازداد عدد الحوادث المتعلقة بالمواد الكيماوية الخطرة في إسرائيل.

 

2.  توقعات مناخية متشائمة

2.1  مؤشرات واضحة لارتفاع حرارة الأرض:

طرح تقرير إسرائيلي حول التغير المناخي في فلسطين، أعدته مؤخرا مجموعة من خبراء البيئة والمناخ الإسرائيليين، توقعات مناخية متشائمة، وخاصة للعام 2020، أي بعد أقل من 12 سنة.

ووفقا للتوقعات التي عرضها عالم المناخ الرئيسي في وزارة البيئة الإسرائيلية، "يشعياهو بار أور"، ينتظر أن يرتفع متوسط درجة الحرارة في فلسطين، في العام 2020، بـِ 1.5 درجة مئوية.  كما يتوقع أن يرتفع مستوى البحر وأن تهبط كمية الهطول (الأمطار، الثلوج، البرد وغيرها) بنسبة 10%، فضلا عن تدن واضح في جودة مياه الشرب وزيادة كبيرة في نسبة انتشار الأمراض.  وما يثير القلق أن القليل جدا من الإجراءات قد اتخذت، في المستويين الإسرائيلي والفلسطيني، لمواجهة ما هو قادم من كوارث مناخية.

وتبين القياسات التي جرت في فلسطين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وجود توجه واضح لارتفاع حرارة الأرض في فلسطين.  وفي الواقع، يمكننا القول، منذ الآن، إن شهر تموز أصبح أكثر سخونة من شهر آب، وذلك خلافا لما كان سائدا في الماضي.

وكما سائر دول حوض البحر المتوسط، يتوقع أن تعاني فلسطين أيضا، في المستقبل القريب، من ارتفاع عدد أيام الخماسين ومن تفاقم الحوادث الناتجة عن أحوال الطقس المتطرفة في حدتها، مثل فترات ممتدة من الجفاف والفيضانات.

وفي المدى البعيد، أي في نهاية القرن الواحد والعشرين، يتوقع أن يرتفع متوسط درجة الحرارة في فلسطين بمقدار 5 درجات مئوية، وأن يرتفع سطح البحر أيضا بمقدار متر واحد، علما بأنه في العام 2050 يتوقع أن يرتفع سطح البحر بمقدار نصف متر.  وهذا يعني الانسحاب بمقدار 2-10 أمتار من خط الشاطئ الحالي، وبالتالي خسارة 0.4-2 كم2 من مساحة الشاطئ كل عشر سنوات.

 

2.2  سموم في بحيرة طبريا وتفشي الأوبئة:

ومع ارتفاع الحرارة، ستتفاقم ظواهر أخرى تتعلق بالصحة العامة ومخزون المياه، إذ ستتغير في السنوات القادمة، ملوحة مياه بحيرة طبريا؛ وذلك بسبب ظهور نوع جديد من الطحالب الزرقاء.  ومن المعروف أنه منذ العام 1994 أخذت أصناف جديدة من الطحالب تقتحم بحيرة طبريا، علما بأن مواد سامة تنبعث من بعض هذه الطحالب.  وبالرغم من عدم وجود سموم في مياه طبريا، حاليا، إلا أنه من المرجح أن تتواجد مثل هذه السموم في المستقبل.  كما ستتفاقم ملوحة المياه الجوفية، ومن ضمن الأسباب الرئيسة لذلك تزايد ارتفاع مستوى سطح البحر.  وهذا الارتفاع في ملوحة المياه الجوفية ناجم أيضا عن الزيادة الكبيرة في ضخ إسرائيل للمياه الجوفية في منطقة الساحل.

ووفقا لتقرير خبراء المناخ الإسرائيليين، يتوقع أن يصبح المناخ في فلسطين غير مستقر نسبيا، مع زيادة ظواهر الفيضانات والقحط.  وقد تتسبب الفيضانات بأضرار للناس والممتلكات، كما ستهبط وفرة المياه خلال السنوات 2070-2099 بنسبة 25%، وذلك قياسا بالأعوام 1961-1990.

ويعتقد العلماء أن ارتفاع متوسط الحرارة سيؤدي إلى زيادة كمية الحشرات الضارة ومدى انتشارها، مما سيتسبب في تأثيرات سلبية واضحة على الصحة العامة.  بل، يرجح العلماء، وإن باحتمالية متدنية، عودة تفشي مرض الملاريا. 

 

3.  مدينة طولكرم:  نموذج صارخ للهواء المُلَوَّث من الصناعات الإسرائيلية   

 

3.1  انبعاثات غازية مكثفة:

تنبعث الغازات السامة التي تلوث الهواء من المصانع الإسرائيلية الواقعة على أراضي طولكرم،  وهذه المصانع غير مزودة بمصاف لتنقية الهواء، حيث يسقط الدخان المنبعث منها على المباني العربية المجاورة.

وتقع المنطقة الصناعية الإسرائيلية في منطقة طولكرم في الجهة الغربية من طولكرم حيث تقع على الطريق الواصل بين مدينتي طولكرم والطيبة، وتبعد عن المنطقة السكانية العربية لمدينة طولكرم نحو مئة متر فقط،  ويوجد فيها العديد من المصانع، وأخطرها خمسة:  مصنع للفيبرجلاس والإسبست، ومصنع للغاز (أُغلق مؤخرا)، ومصنع للمواد الكيماوية والمبيدات الحشرية، ومصنع للأسمدة الكيماوية، ومصنع للكرتون. وتعد معظم الأرض المقام عليها المنطقة الصناعية أرض وقف إسلامي صودرت بقوة السلاح وبالأوامر العسكرية عام 1967، ويوجد أيضا بعض الأراضي ذات الملكية الخاصة.

يضاف إلى ذلك، أنه، وبسبب موقع منطقة طولكرم قرب ما يسمى "الخط الأخضر"، فإن كميات كبيرة من الملوثات تنبعث من المناطق الصناعية في داخل "إسرائيل" لتصل، من خلال الرياح الغربية، إلى منطقة طولكرم؛ وبالتالي تفاقم مشكلة التلوث الهوائي في تلك المنطقة الناتجة أصلا عن الصناعات الإسرائيلية المنتشرة هناك، علما بأن العديد من المستوطنات ("الكيبوتسات") الصناعية الإسرائيلية التي تمتاز بالنشاط الصناعي المكثف،  تقع بجوار منطقة طولكرم، في "إسرائيل"، حيث تنبعث منها الملوثات إلى الجو.

 

3.2  تدمير بساتين الحمضيات ومزارع الخضروات:

لقد أقيم المشروع الصناعي الإسرائيلي على أراض زراعية خصبة حيث كانت تكثر بساتين الحمضيات ومزارع الخضروات التي اقتلعت تماما.

ويتعرض أكثر من خُمْس الأراضي الزراعية في المنطقة الصناعية للتلوث الكيماوي، حيث أصبحت المساحات المحيطة بالمنطقة الصناعية الإسرائيلية غير قابلة للزراعة، أما المناطق القريبة فتعاني من إنتاجية متدنية إن لم تكن معدومة، بسبب تراكم الدخان الكيماوي على أوراق الأشجار مكونا طبقة عازلة أمام أشعة الشمس؛ وبالتالي تلف الأوراق وتساقطها وجفافها. وقد تلوثت التربة وتناقصت خصوبتها وإنتاجيتها بسبب الملوثات الهيدروكربونية، والأمطار الحمضية، ومياه المصانع العادمة التي تسكب دون معالجة في الأراضي الزراعية المجاورة. أما غازات الكربون المنبعثة من المصانع فتؤدي إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري ورفع درجة الحرارة.  

وتعد مصانع البلاستيك والفيبرجلاس الإسرائيلية، مثل مصنع "شاحف" للفيبرجلاس، من أخطر المصانع في طولكرم، حيث يستخدم المصنع أنواعاً خاصة من الدهان يدخل في تركيبها الرصاص، فضلا عن مواد عازلة مثل الصوف الصخري والإسبست والفيبرجلاس، وعند حرق مخلفاته بشكل عشوائي ينبعث الدخان الغازي الأسود الكثيف والسام، والغيوم الحامضية فوق منطقة المحطة في طولكرم، حيث ينتشران بسرعة ليغطيا بضعة كيلومترات. وقد أقيم مصنع "شاحف" أصلا للاستفادة من الأيدي العاملة العربية الرخيصة والإعفاءات الضريبية، بالإضافة إلى الترخيص من وزارات الصحة والبيئة والزراعة الإسرائيلية.  وقبل بضعة أعوام بيع مصنع "شاحف" إلى مصنع "جيشوري".

 

3.3     تفاقم أمراض الجهاز التنفسي والسرطان:

يعد مصنع "سول أور" (مصنع اسطوانات الغاز) من المصانع الإسرائيلية المريبة في طولكرم، حيث يغلق المصنع إغلاقا كاملا ويمنع دخوله بشكل مطلق.   

  كما أن مصنع "ديكسون غاز" الذي تم نقله من مدينة "نتانيا" الإسرائيلية إلى طولكرم، يحرق مخلفاته الصلبة في الهواء الطلق، علما بأن جزءا أساسيا من تلك المخلفات يتكون من البوليستر والفيبرجلاس اللذين يستعملان للعزل الحراري في صناعة الثلاجات، وعليه فإن حرق تلك النفايات يؤدي إلى انبعاث دخان أسود خطير، وغازات سامة تحملها الرياح الغربية إلى المناطق المأهولة في مدينة طولكرم والقرى المجاورة، وهذا يتسبب في مخاطر صحية كبيرة، علما أن أمراض الجهاز التنفسي لدى الأطفال في غربي مدينة طولكرم حيث تتركز المصانع الإسرائيلية، أصبحت ظاهرة شائعة.     

ومن الأمثلة الأخرى البارزة على المصانع الإسرائيلية التي تلوث الهواء في طولكرم، مصنع "جيشوري" الذي ينتج مبيدات الأعشاب والأسمدة والحوامض، علما أن المصنع كان قد أغلق في مكان تواجده الأصلي في "كفار سابا" بأمر من المحكمة الإسرائيلية في أوائل الثمانينيات، بل ومنع من العودة للعمل في المناطق الزراعية أو المأهولة بالسكان، ومع ذلك أعيد إنشاؤه عام 1987 في مدخل مدينة طولكرم وعلى أرض الوقف الإسلامي المصادرة، حيث عاد ينتج وينفث سمومه. وتقع على حدود المصنع، من الجهة الأولى أرض زراعية، ومن الجهة الثانية منطقة سكنية فلسطينية.  ولدى إنشاء المصنع، أبرزت الصحف الإسرائيلية اعتراض المستوطنين في مستوطنة "نتساري عوز" على إقامته هناك بجوار المستوطنة، ورفعوا الاحتجاجات، بما في ذلك "للكنيست"، إلا أنهم أُخْبِروا بأن المصنع يقع في الأراضي المحتلة، وبالتالي فإنهم لا يملكون عمل أي شيء، بل إن صاحب المصنع طمأنهم بأن عليهم ألا يخافوا من التلوث، لأن الرياح تهب باتجاه الشرق (أي باتجاه مدينة طولكرم). وبالفعل، تهب الرياح باتجاه الشرق محملة بالغازات الممرضة والسامة التي تسببت بأمراض الربو وبأمراض تتعلق بالجهاز التنفسي لمئات الأطفال الفلسطينيين في منطقة طولكرم ، علما بأن العديد من الأطفال الذين ينتمون لنفس العائلات التي تسكن على مسافة عشرات الأمتار من مصنع "جيشوري"، أصيبوا بأمراض صدرية  والتهابات رئوية وبالربو.

وفي السنين الأخيرة، لاحظت المؤسسات الطبية في المدينة ارتفاعا كبيرا في نسبة أطفال مدارس طولكرم المصابين بأمراض سرطانية.

ومن الملاحظ أن سكان المنطقة المجاورة يعيشون في خوف وقلق دائمين بسبب الحالات المرضية التي تسببها المنطقة الصناعية، مما يؤدي إلى نزوح بيئي اجتماعي.  

 

3.4     قواعد عسكرية مغلقة:

في أوائل انتفاضة الأقصى (تشرين الأول 2000) هاجم مئات الشباب الفلسطينيين الغاضبين بضعة مصانع إسرائيلية تنتج الموت البطيء لسكان طولكرم مثل مصنعي "جيشوري" و"ديكسون غاز" حيث حطموا محتوياتها وأضرموا النار فيها. وفيما بعد، أعاد الإسرائيليون على وجه السرعة بناء وترميم وتشغيل المصانع، حيث وضعت الحراسات المشددة عليها وأقيمت الجدران حول المنطقة الصناعية لمنع الاقتراب منها أو اقتحامها.

وفي آذار 2008، قتل مقاوم فلسطيني حارسين إسرائيليين مهمتهما تفتيش العمال الفلسطينيين القادمين يوميا للعمل في المصانع الإسرائيلية في المنطقة.

ويؤكد العمال العرب الذين يعملون في هذه المصانع، أنه، وفي أعقاب هجوم شباب طولكرم على بعضها، ازدادت كثيرا الحراسات الإسرائيلية عليها، واشتد الحصار المضروب على المدينة، وتحولت تلك المصانع إلى قواعد عسكرية مغلقة، مما جعل من المستحيل على أية جهة مراقبة، فلسطينية أو خارجية، أن تتابع وتراقب طبيعة النشاطات الصناعية في داخل المنطقة الصناعية الإسرائيلية في طولكرم.  وقد سهَّل هذا الوضع على أصحاب هذه المصانع مواصلة إطلاق المزيد من الغازات السامة في أجواء المدينة، وإلقاء النفايات الكيماوية الصلبة والسائلة الخطرة، والملوثة للهواء والأرض والمياه الجوفية.

 

4.        الجدران النيونازية

 

4.1          تدمير الغطاء الأخضر:

هناك 93 غابة رئيسية في الضفة الغربية و13 في قطاع غزة، وتغطي هذه الغابات مساحة 230 كم 2 و2 كم2 على التوالي، أي بنسبة 4% من مجمل مساحة الضفة الغربية و0.5% من مجمل مساحة القطاع.  ومن المعروف أن الغابات تعدل في البيئة من حيث إنها تلطف المناخ، وتحسن من نوعية الهواء، وتحفظ المياه، وتوفر الملجأ للحياة البرية.

وتعاني البيئة الفلسطينية الطبيعية من إجراءات الاحتلال الإسرائيلي الذي يقتلع بشكل منظم الأشجار الطبيعية والمزروعة، ويخرب الأراضي الزراعية الخصبة، ويدمر أحواض المياه الجوفية.

ويشكل الجدار عائقاً أمام الحفاظ على الأنظمة البيئية والمعالم الطبيعية، والترابط بين المناطق المحمية. وله آثار مميتة على تنقل الحيوانات البرية، نتيجة لتجزئة الأنظمة البيئية بين الأرض المحتلة عام 1948 والضفة الغربية من جهة، وغياب التواصل بين الممرات البيئية الطبيعية من جهة أخرى. ويتسبب هذا الجدار وما يسميه الاحتلال بمنطقة العزل “الأمنية” الشرقية، بتدهور الغطاء النباتي في الضفة الغربية نتيجة عزل نحو 41 كم2 من الغابات الطبيعية والمزروعة عن البيئة المجاورة، ناهيك عن عزل أكثر من 40 منطقة محمية يَُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها أو إدارتها.

وتشكل الأراضي الزراعية المهددة ما يقارب 28% من مساحة الأراضي الزراعية الكلية في الضفة الغربية.

ويعزل الجدار الكثير من آبار المياه والينابيع الفلسطينية، مما يحول دون استخدامها من قبل الفلسطينيين، أو على الأقل يفرض قيوداً صارمة على استخدامها.

وطبقا لإحصائيات وزارة الزراعة الفلسطينية، اجتثت سلطات الاحتلال الإسرائيلية نحو مليوني شجرة من الأراضي الفلسطينية، منذ بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى أوائل عام 2004؛ وذلك لغرض إقامة الطرق الإسرائيلية والقواعد العسكرية والمستعمرات، ولبناء الجدار العنصري.  وقد تمت النسبة الكبرى (67.8 %) من عملية اقتلاع الأشجار بعد عام 2000.

وقد اقتلعت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 1.3 مليون شجرة ما بين أيلول 2000 وآذار 2006 (منظمة الصحة العالمية، 2006) وسيكون لذلك أثر مدمر على مناخ الأراضي الفلسطينية المحتلة، يتجسد في تعطيل العملية الطبيعية المتمثلة في عزل الكربون، تلك العملية التي من خلالها تقوم الأشجار والنباتات بامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون في عملية البناء الضوئي، وتخزينه على شكل كربون في الكتلة الحيوية (جذوع الأشجار، الأغصان، الأوراق والجذور) وفي التربة.  وعندما تتعرض الأشجار التي تمتص الكربون، لعمليات تخريب بشري فإنها قد تطلق ثانية الكربون إلى الجو، دفعة واحدة أو تدريجيا.

وكانت محافظة رام الله الأكثر تعرضا لهذه الجريمة الإسرائيلية، منذ بداية الاحتلال عام 1967 حتى عام 1993، حيث بلغت نسبة عدد الأشجار التي تم اقتلاعها 35 % من مجموع الأشجار التي تم اقتلاعها في الضفة الغربية. ولكن، في الفترة ما بين عامي 1994 و1999، ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 62.5% نتيجة للنشاطات الاستيطانية الإسرائيلية الحثيثة.  كما تعرضت محافظة الخليل خلال الفترة ذاتها(1994–1999) لحملة واسعة من اقتلاع الأشجار، وذلك بسبب بناء وتوسيع المستعمرات الإسرائيلية وإنشاء الطرق الالتفافية الإسرائيلية.  أما في محافظات الضفة الغربية الشمالية، فقد تم اقتلاع معظم الأشجار بعد عام 2000.

وقد تم قطع عشرات آلاف أشجار الزيتون والعنب واللوز والخوخ والبرتقال والتين والموز، مما عمق بقوة عملية تدمير القطاع الزراعي الفلسطيني، تلك العملية الجارية على قدم وساق.

إذن، بناء الجدار العنصري وشق الطرق الالتفافية وتوسيع المستعمرات هي السبب الرئيسي وراء ارتفاع نسبة اقتلاع الأشجار في الضفة الغربية؛  لذا، فقد كان لممارسات الاحتلال تأثير مدمر على الزراعة وعلى المناطق الخضراء المهمة عمرانيا للبيئة الحضرية في جميع المحافظات الفلسطينية في الضفة الغربية.

كما سيكون لاقتلاع هذا العدد الضخم من الأشجار أثر مدمر أيضا على مناخ الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ويتجسد هذا الأثر في تعطيل عمل الأشجار والنباتات المتمثل في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون.  ناهيك أن الأشجار التي تمتص الكربون، عندما تتعرض للاجتثاث فإنها قد تطلق ثانية الكربون إلى الجو، دفعة واحدة أو على مراحل.

 

4.2  تهديد الحياة البرية:

يهدد الجدار العنصري التنوع الحيوي والحياة البرية في فلسطين، بسبب تدميره للأنظمة البيئية الفلسطينية وإعاقة الحركة الطبيعية للحيوانات البرية، مما يعيق حصولها على الغذاء ويعيق عملية التكاثر؛ وبالتالي يهددها بالانقراض.

ونتيجةً لهذا الجدار، أصبحت حركة الحيوانات الأرضية مقيدة وفي بعض الحالات مستحيلة.  لذا،  ليس غريبا أن تشاهد، حاليا، الضباع والثعالب والحيوانات البرية المختلفة في داخل المناطق السكنية؛ وذلك لأن الجدار قطع خطوط حركتها الداخلية.  وكثيرا ما تلاحق هذه الحيوانات وتقتل، وبالتالي فإن أعدادا كبيرة منها آخذة في التناقص، بسبب فقدان أماكن عيشها، وسوف تتغير مناطق توزيعها، وسوف يتعرض القليل المتبقي منها لخطر الانقراض.  ومع تناقص بعض الأنواع الحيوانية، وانقراض بعضها الآخر، سيتأثر التوازن البيئي أيضا، وستتناقص أو تنقرض بعض الأنواع النباتية، وسيزداد عدد الحشرات والأعشاب الضارة، فضلا عن إمكانية حدوث  تغيرات جينية، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على طبيعة وبنية الأراضي والتربة الزراعية، وبالتالي طبيعة المناخ السائد في محيط الجدار العنصري.

 

4.3  مستعمرة جديدة على حدود غزة ستدمر التنوع الحيوي النادر في المنطقة:

قرر ما يسمى "المجلس القطري الإسرائيلي للتخطيط والبناء" إنشاء مستعمرة جديدة في صحراء النقب (في ما يسمى "قطاع لَخيش")، قرب قطاع غزة، بهدف توطين عشرات العائلات اليهودية التي تم إخلاؤها من مستعمرات "غوش قطيف" في قطاع غزة، عام 2005.  والطريف في الأمر، أن وزير البيئة الإسرائيلي أيد إقامة المستعمرة التي ستسمى "مرْشام"، بالرغم مما سيسببه هذا المشروع الاستيطاني من تدمير للموارد الطبيعية والبيئة في المنطقة، نتيجة أعمال البنية التحتية التي ستجرى هناك.  ويعد هذا المشروع الاستعماري إمعانا إسرائيليا إضافيا في تدمير قيم الطبيعة، والتراث البيئي، والتنوع البيولوجي الغني والنادر، والمحميات المميزة الخاصة بالحفاظ على بعض الحيوانات التي يتهددها خطر الانقراض، مثل بعض أنواع الغزلان النادرة، والضباع والذئاب وعَنَّاق الأرض المتواجدة في جنوب فلسطين.

والجدير بالذكر، أن وزارة الإسكان الإسرائيلية هي التي بلورت فكرة إنشاء هذه المستعمرة في النقب قبل تسع سنوات، بدافع عنصري معاد للعرب في النقب، يتمثل في منع التواجد العربي الفلسطيني في المناطق القريبة من حدود عام 1967 مع قطاع غزة. 

 

5.        بعض تجليات التغير المناخي في الضفة الغربية وقطاع غزة

 

5.1  انخفاض نسبة التبخر وارتفاع ملوحة التربة في قطاع غزة:

خلافا للحقيقة المعروفة بأن التغير المناخي من المفترض أن يرفع درجة حرارة الهواء عند السطح، مما يؤدي إلى زيادة نسبة التبخر، فقد لوحظ في قطاع غزة انخفاض ملموس في المعدل الشهري لنسبة التبخر.

ويكشف هذا عن خاصية استثنائية لهذه المنطقة الساحلية الفريدة.  ويمكن شرح هذا السلوك غير العادي، إذا ما أخذنا بالاعتبار العوامل الفيزيائية الأخرى (مثل الرطوبة، ملمس التربة، الحياة النباتية، نسبة الملوحة... إلخ) عدا درجة حرارة الهواء.  فمثلا تنخفض نسبة التبخر تصاعديا كلما جفت التربة، بكل بساطة لأن زيادة التبخر تعتمد على ارتفاع مياه التربة والمياه الجوفية القريبة من السطح.

ويلاحظ ارتفاع مستوى نسبة الملوحة في تربة قطاع غزة على مدى الستين عاما الماضية، نتيجة الطلب المتزايد على المياه الجوفي؛ وأهم من ذلك، نتيجة النهب الإسرائيلي لكميات ضخمة من المياه الجوفية في قطاع غزة، وحفر السدود الصغيرة والأحواض في حدود القطاع لحجز وبالتالي منع تسرب المياه السطحية إلى القطاع.  إلى جانب ذلك، فإن ارتفاع كمية الهباء الجوي يؤثر مباشرة على كمية الأشعة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض ويلعب هذا دورا كبيرا في انخفاض نسبة التبخر.

 

5.2  انخفاض الرطوبة النسبية في البحر الميت ونهب المياه: 

فيما يتعلق بمدينة أريحا، فقد انخفضت الرطوبة النسبية هناك بمقدار خمس وحدات، خلال الموسم الجاف (نيسان –أيلول 2006).  وقد يعزى ذلك لانخفاض في نسب التبخر على مدى العشرين عاما الماضية.  ومن الممكن أن تعتبر هذه الظاهرة مؤشرا للتغير المناخي ككل.

إن السبب الرئيس في ارتفاع نسبة الملوحة وبالتالي انخفاض الرطوبة النسبية في البحر الميت خلال الخمسين عاما الماضية هو قلة ورود الماء العذب إلى البحر الميت.  وتتحمل إسرائيل المسؤولية الكبرى في تدهور أوضاع البحر الميت، حيث أقامت ما يزيد على 18 مشروعا لتحويل مياه نهر الأردن إلى مشروعاتها الزراعية في صحراء النقب.  كما حولت الأودية الجارية التي تتجمع فيها مياه الأمطار وتجري باتجاه الميت إلى المناطق المحتلة، خصوصا إلى المستوطنات، وقد وصلت نسبة المياه المحجوزة والمحولة عن البحر الميت إلى حوالي 90% من مصادره.  كما حفرت إسرائيل ما يزيد على 100 بئر لسحب المياه الجوفية من المناطق القريبة التي تغذي أيضا البحر الميت بالمياه، إضافة إلى إقامة المصانع ومراكز استخراج الأملاح، وبخاصة البروميد، بصورة كبيرة، من البحر الميت.

ومن اللافت للنظر، أن إسرائيل لا تمتلك كميات كبيرة من الموارد المائية في نطاق حدود الأرض المحتلة عام 1948، وإنما تعتمد على مصادر مائية خارج هذه الحدود، وتحديدا في الضفة الغربية وحوض نهر الأردن ولبنان وسوريا.  ويقدر حجم المياه المنهوبة إسرائيليا من مصادر تقع خارج نطاق الأرض المحتلة عام 1948 بنحو 1103 مليون متر مكعب سنويا، منها حوالي 453 مليون متر مكعب من أحواض الضفة الغربية، والباقي، أي نحو 650 مليون متر مكعب، من حوض نهر الأردن.  وتعادل هذه الكميات ما يقارب 57% من مجمل الاستهلاك الإسرائيلي.

 

6.  استراتيجيات لمواجهة الأزمة المناخية

في المستوى الفلسطيني، وللأسف، لم يتم حتى الآن عمل أي شيء لمواجهة الأحوال المناخية الآخذة في التغير نحو الأسوأ، لأسباب تتعلق بالأولويات والاستراتيجيات التنموية والبيئية الخاطئة، فضلا عن الأسباب المتعلقة بالموازنات المالية وفوضى الصلاحيات. 

إن استمرار اللامبالاة الفلسطينية الرسمية والشعبية إزاء التغير المناخي الذي، كما أوضحنا، يتحمل الاحتلال الإسرائيلي المسئولية الأساسية عنه، سوف يكلف البيئة والاقتصاد الفلسطينيين غاليا؛  إذ قد تصل الخسائر الاقتصادية الناتجة عن غياب العمل الوقائي اللازم، إلى مئات ملايين الدولارات حتى العام 2020.  وستتجسد الأسباب الأساسية لهذه الخسائر في التفاقم المتوقع لأزمة مصادر المياه التي ستزيد أيضا بفعل تواصل النهب الإسرائيلي لها، فضلا عن الفيضانات والظواهر المتصلة ببحر غزة وشواطئه وتدهور الوضع الزراعي.

المطلوب حاليا من الجهات الرسمية والحكومية والأهلية المعنية، وعلى وجه السرعة، بلورة استراتيجية واضحة ومنهجية لمواجهة الأزمة المناخية.  كما أن من الضروري أن يتزود الفلسطينيون بالمعدات والآليات اللازمة لقياس مدى تلوث الغلاف الجوي، فضلا عن محطات الرقابة المختصة بتقدير الأخطار الناجمة عن ملوثات الهواء، وبالتالي بلورة الخطط والسياسات والإجراءات الضرورية لمواجهة التلوث الهوائي والتغير المناخي الذي قد ينجم عنه.

والمطلوب أيضا من كل المعنيين، سواء في ذلك وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، والمؤسسات العلمية ذات الصلة، والجهات المهتمة بالقانون وحقوق الإنسان والبيئة، أن يرفعوا صوتهم عاليا وأن يشكلوا قوة ضاغطة باتجاه فرض تدخل المجتمع الدولي، لإرسال فريق فني دولي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، لفحص مستويات التلوث الهوائي والإشعاعات التي خلفها الاحتلال في تلك الأراضي، وآثارها المرضية الخطيرة الواضحة على السكان.

 

المراجع:

 

·                     Applied Research Institute – Jerusalem (ARIJ). Status of the Environment in the Occupied Palestinian Territory. Bethlehem: ARIJ, 2007.

·                     Assaf, Karen et al.. Water as a human right. Ramallah: Heinrich Boll Foundation, 2004.

·                     Palestinian Central Bureau of Statistics (PCBS), 2006. Agricultural statistics 2004/2005, Ramallah.

·                     Palestinian Central Bureau of Statistics (PCBS).Water wells used for agriculture by Governorate, 2004, Ramallah.

·                     Palestinian Environmental Quality Authority (EQA), 2002. Environmental Situation Between 1994-2000. October 2002.

·                     Palestinian Ministry of Agriculture (MoA), 2006. An Assessment of the Israeli Practices on the Palestinian Agricultural Sector: September 29, 2000 – December 31, 2005. West Bank.

·                     United Nations Environment Program (UNEP), 2003. "Desk Study on the Environment in the Occupied Palestinian Territory". Nairobi.

·                     World Health Organization (WHO), 2006. Health conditions in the Occupied Palestinian Territory, Progress Report, 59th World Health Assembly, Agenda Item 13.

·                     صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أعداد 8 و15 و16 سبتمبر 2008 (عبري).

·                     كرزم جورج وآخرون. الدليل المرجعي في التربية البيئية. رام الله: مركز العمل التنموي / معا، 2007.

·                     www.maan-ctr.org/magazine (no 1 - 7).

 

 

 للأعلىé

 
     

 

التعليقات

 
 

لبريد الالكتروني: snourani@yahoo.com

الموضوع: رئيسي 4 -العدد 16

التعليق: 

 أعتقد بأن قوة هذه الدراسة وقيمتها العلمية تكمن في كونها الدراسة العربية

 الأولى التي ربطت ربطا علميا بين الممارسات الإسرائيلية المعادية للبيئة

 الفلسطينية وأثرها على التغير المناخي...لذا لا بد من العمل على تعميم

 الدراسة والنتائج الهامة التي خلصت إليهاعلى أوسع نطاق علمي وسياسي عالمي..

 سائب النوراني


لبريد الالكتروني: mazenawad@gmail.com

الموضوع: رئيسي 4 -العدد 16

التعليق: 

لماذا لا يتم طرح مثل هذه الدراسات المميزة والمؤثرة التي تثبت العلاقة

 السببية المباشرة مابين التخريب البيئي الإسرائيلي والتغير المناخي، لماذا لا

 يتم طرحها في المؤتمرات والمحاقل الدولية، فضلا عن المجلات العلمية العالمية

 المحكمة .


لبريد الالكتروني: jamayreh@gmail.com

الموضوع: رئيسي 4 -العدد 16

التعليق: 

 الجرائم البيئية الإسرائيلية ضد البيئة والمناخ في فلسطين كما تبينها هذه

 الدراسة واضحة بشكل صارخ ولا تحتاج إلى تعليق...كل الاحترم لشجاعتك الفكرية

 وسعة اضطلاعك يا أستاذ جورج!


 

 

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:

بريدك الالكتروني:

 

التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.