أيار 2009 العدد (15)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

 June 2009 No (15)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

منبر البيئة والتنمية:


 

 

الخنازير ووحدة المصير

حبيب معلوف / لبنان

 

يصعب على المتابع قضايا الصحة والبيئة في العالم أن يفهم ماذا يحصل في مشاريع الأوبئة المتنقلة كل فترة، من السارز إلى جنون البقر وإنفلونزا الطيور ثم الخنازير اليوم.  كأنها "مشاريع أمراض"، أو كأنها "أوبئة مفتعلة"، صنعت في مختبرات معينة ووظيفتها زراعة الخوف لتحصد الحاجة إلى الأمصال واللقاحات والأدوية. 

بعيدا عن أجواء التشكيك، في عالم بات ملوثا فعلا، وتم التلاعب في جيناته بشكل كبير وخطير لا عودة عنه، يمكن أن نطرح أسئلة عدة حول الظاهرة الأخيرة.  كيف تحدد الأمراض والظواهر المرضية المستجدة في العالم، ولا سيما تلك التي تصنف تحت عنوان "وباء"؟ ما هو دور منظمة الصحة العالمية، وما مدى صحة الاتهامات التي وجهت إليها من بعض الأوساط العلمية (غير الرسمية) بكونها "متواطئة" مع بعض الاحتكارات الدوائية والصناعية؟ وكيف السبيل إلى التحقق من الموضوع؟  من هي المرجعيات العلمية المحايدة إذا ما تورط خبراء الأمم المتحدة وأخضعت مراكز الأبحاث والمختبرات والجامعات لقوة الشركات بدل قوة الدول؟  ما مدى صحة الاتهامات التي طالت كبار المسؤولين في العالم عن التورط في المساهمة في شركات تنتج لقاحات وأدوية عالمية لمعالجة هذه الظواهر العالمية؟ 

ما مدى صحة الضجة التي أثيرت حول لقاح تاميفلو الذي تبين أن وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد عضو في مجلس إدارة المختبر الذي طوره في كاليفورنيا، لكونه من كبار المساهمين في الشركة؟
ما مدى صدقية المراكز العلمية والصحافة العلمية المرموقة، عندما نعلم أن تمويلها الأكبر يأتي من شركات أكثر مما يأتي من الحكومات، وعندما نعلم عن تراجع دور الدول في دعم البحث العلمي باستمرار، في مقابل تصاعد دور الشركات في دعم الأبحاث العلمية التي لا تؤمن بغير بالربح كقيمة عليا عندها وليس الصحة العامة؟  ما مدى علاقة انتشار هذه الأمراض بالصراع والمنافسة بين كبار تجار لحوم الحيوان في العالم؟  ما هو حجم استغلال بعض السلطات لأمراض كهذه، لتنفيذ أعمال انتقامية بحق مجموعات سكانية مشهورة بتربيتها لأنواع من الحيوانات؟ 

ما مدى جهوزية البلدان النامية لتلقف ظواهر كهذه؟ وكيف يمكنها التأكد من مدى جديتها، ومنع استغلال حكوماتها وشعوبها من كبريات الشركات الطبية والدوائية؟  وإذ من الصعب الإجابة عن هذه الأسئلة، يفترض اتباع سياسات وقائية ومبدئية تأخذ بالاعتبار الأمور التالية:  إن هناك أمراضا باتت فعلا عابرة للنوع والحدود بفعل التطور الحضاري الذي شهده العالم أجمع.  إن أكثر من 60% من الأمراض المعدية، المعروفة حاليا للطب الحديث، قادرة على إصابة كل من الإنسان والحيوان، وإن معظمها هي أمراض حيوانية (زوونوتيك)، بمعنى أنها نشأت في الحيوان ولكنها عبرت الحواجز بين الأنواع لتصيب الإنسان.

 إن معظم الأوبئة الحديثة ناجمة عن اتصال الإنسان بالحيوان وسوء معاملته له، إن عبر الاتجار بالحيوانات البرية، أو عبر وضعها في ظروف غير طبيعية، أو عن طريق التربية الصناعية والمكثفة للحيوانات المخصصة للاستهلاك البشري.  هناك أمراض ناجمة فعلا عن التجارة بالحيوانات البرية وانتقلت أيضا إلى الحيوانات الأليفة والإنسان.  هناك الأمراض المنتجة في "المزارع الصناعية" الضخمة، ولاسيما مزارع الأبقار والدواجن والخنازير التي تربي حيواناتها بشكل مكثف لتصديرها بسرعة إلى السوق، وحيث تنتج الأمراض وتنشر العدوى بشكل سريع أيضا، ولاسيما في تلك المزارع "المزدحمة"، التي أنتجت أمراضا تمت معالجتها بمضادات حيوية أصبحت تقدم مع الغذاء (كالغذاء)، وقد أدى تزايد استخدامها، إلى ظهور بكتيريا وحشرات مقاومة لتلك الأدوية، خطرة، عرضت وتعرض حياة الحيوانات والناس للخطر أيضا.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تطور صناعة الماشية والدواجن بأحجام ضخمة، دفع أيضا إلى تطوير الأعلاف، واستخدام المخلفات الحيوانية في صناعة الأعلاف، والتغيير في طبيعة غذاء الحيوان النباتي وتحويله إلى حيواني، مما أدى إلى ظهور أمراض جديدة أيضا، كان أخطرها على الإطلاق، مرض "جنون البقر".  كما تتطور الأمراض مع تطور أساليب السياحة، فإن انتقال الحيوانات البرية لأهداف تجارية وسياحية (للفرجة)، يمكن أن يساهم أيضا في تقديم ممر آمن للبكتيريا الضارة والفيروسات والفطريات التي تحملها، هذا عدا عن البروتينات المخادعة مثل جنون البقر. 

لقد أصبحت صحة الناس والحيوانات والبيئة التي نعيش فيها جميعا، مرتبطة بعضها ببعض بشكل لا ينفصم... مما يتطلب إعادة النظر بنظمنا الحضارية والقيمية والعلمية... إلخ. 

بالإضافة إلى المشاكل الصحية والبيئية، تسببت هذه الأمراض الوبائية الحديثة بخسائر اقتصادية هائلة تقدر بمئات المليارات من الدولارات على مستوى العالم. وقد كلف مرض السارز وحده الاقتصاد العالمي 50 مليار دولار أميركي.  وبما أن الإنسان (وصحته) باتا مرتبطين بشكل وثيق بالحياة الحيوانية، وتجمعهما وحدة المرض والمصير، يفترض توسيع مفهوم الرعاية الصحية ليشمل البيئة وأنواعها كلها.  وهذا يتطلب اعتماد نموذج صحي عالمي ومحلي جديد، وتطوير وتفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة لتضبط التهريب والاتجار بالكائنات البرية وإعادة تنظيم صناعة الثروة الحيوانية، والتشدد في مراقبتها... وهذا ما سينعكس حتما ارتفاعا في أسعار اللحوم، وهو المطلوب فعلا، لدفع المواطنين للتراجع عن أكل اللحوم كل يوم والعودة إلى النظام الغذائي القديم الذي كان يعتبر شبه نباتي بامتياز، حيث كان أكل اللحوم مقتصرا على المناسبات... وهو نظام غذائي بيئي وصحي واقتصادي بامتياز.

للأعلىé

   

 

عن إنفلونزا الخنازير والمنظور الإسرائيلي!

تحسين يقين

 

استفزني هذا التعاون والتنسيق السريع!

لم تلبث أخبار إنفلونزا الخنازير التي تجتاح عدة بلاد في العالم حتى اجتاحنا خبر يحمل مفارقة إنسانية ساخرة، تثير فينا تأمل الحال الذي وصلنا إليه في صراعنا مع الاحتلال!

والخبر الذي تبع أخبار إنفلونزا الخنازير هو التئام لجنة فلسطينية-أردنية-إسرائيلية، للتنسيق بشأن هذا الوباء!!

علامتا تعجب لا تكفيان الفلسطيني تحت الاحتلال، والذي يعاني من مخططات تفاوضية إسرائيلية تسعى إلى ترسيخ السلب وشرعنة السرقة.

لا نقول هذا الكلام بالطبع انتقاصا من ضرورة التعاون الدولي ضد انتشار الأمراض، لكن أليس هناك ما هو مهم للتعاون من أجله!؟

الاقتراح على ما يبدو اقتراح إسرائيلي لباه الفلسطينيون وأشقاؤهم الأردنيون، ولا يحمل من معنى إلا حماية الإسرائيليين ليس أكثر، ولكون هذه الكيانات الثلاث متجاورة، (أو بالأحرى أن كيان إسرائيل قائم في الكيان الفلسطيني نفسه)، فقد صار من الضروري التحدث مع العرب بسرعة، والتعاون معهم، بل لا يستبعد تمكيننا والأشقاء في الأردن من بعض الأجهزة والمختبرات، لرصد ظهور المرض واتباع الأسلوب الأمثل في مكافحته.

لو تهيأ الخبر لصحفي من خارج المكان لسخر هو الآخر، ولربما افتتح مقاله ب" بعد فشل الأحداث العنيفة في جلوس الفلسطينيين والإسرائيليين على طاولة المفاوضات (أيام أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير) نجح المرض في لم شمل الفريقين المتنازعين في اللقاء...

لكن لصحفي يعيش تحت الاحتلال ويشاهد بأم عينيه سياسة الاحتلال العنصرية، فهو لن يكون بوسعه أبدا أن يوازن بين الجلاد والضحية..

ورغم ذلك، فما زلت كمواطن فلسطيني يتعرض للاضطهاد عبر أشكال متعددة ومستمرة واقعا تحت الدهشة، الدهشة من جرأة الاحتلال ووقاحته واستهانته بنا وبأرواحنا التي يسطو عليها وعلى صحتنا وأجسادنا وحيزنا وأرضنا وشجرنا..وهو الذي لا يتقدم فعليا لمثل هذا الحوار في علمي إلا لحاجة في نفسه مؤقتة، إن قضيت، فلن يهتم ولن يحفل بحوار جديد..

وينطبق عليه قول الشاعر: صلى وصام لأمر راح ينشده      لما انقضى الأمر لا صلى ولا صاما

المنظور الإسرائيلي منظور إنساني خارجي لا ينبع من الداخل، وهو يحمل صفة التعاون ظاهريا، وهذا ما يكشف زيف هذا التعاون المصطنع، الآني، الأشبه حالا بما يسمى بزواج المتعة!

وبالطبع فليست هذه هي المرة الأولى التي تطلب فيها إسرائيل المحتلة مثل هذا اللقاء معنا نحن الفلسطينيين، فقد فعلت ذلك من قبل، ومتى؟

كان ذلك في ظل تباعد وجهات النظر، وإعلان الإسرائيليين أنه ليس هناك شريك، أما المناسبة المماثلة فهي إنفلونزا الطيور!

كان ذلك قبل بضع سنوات، وربما يتفعل اللقاء الفلسطيني- الإسرائيلي بعد بضع سنوات..!

إسرائيل الدولة المارقة تتمتع على حسابنا، وهي لا تلتفت إلينا إلا إذا تم إزعاجها في أمر ما لم تحسب حسابه!

-أليس هناك من بعض حياء؟

- لا!

-وإذن؟

-.....

المنظور الإسرائيلي هو منظور عنصري بامتياز، وهذه مشكلة إسرائيل مجتمعا وحكومة، ما دامت القيادة الفكرية والعسكرية والإعلامية لا تحفل بنا، إلا عبر تصور عنصري يقوم على التوظيف، والعمل بأجر. وهي أي إسرائيل حين قامت منذ 61 عاما، مرورا باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء، وجنوب لبنان فيما بعد، رأت في المواطنين العرب هنا وهناك مجرد عمال يعملون في الورش والمصانع والمستوطنات، كما رأت فيهم سوقا لها، لذلك فحين يتحدث نتنياهو عن التنمية للفلسطينيين، فإنه يتحدث من هذا المنطلق، أو أنه لا يريد التحدث إلا من هذا المنطلق: الخبز مقابل الصمت والخنوع!

وقد امتدت وقاحة الاحتلال إلى تطوير هذا النهج، وهو تحويل الفلسطينيين والعرب إلى بروليتاريا، إلى ما يمكن أن يكون توظيف الكيانات من حولها من أجل مصلحتها ورفاهيتها، فهذه دولة للعمل، وتلك للحراسة، وأخرى سوق، وهكذا!

وقد تحدث عن ذلك صراحة الكاتب محمد حسنين هيكل في سياق تحليله للمنظور الإسرائيلي للدول العربية من حول إسرائيل.  

ولنا أن نتأمل المنظور الإسرائيلي في مكافحة المرض، حين جعل وزارة الصحة إلى الوراء لا في المقدمة!

لقد تم إسناد مهمة مكافحة المرض في إسرائيل إلى وزارة الدفاع!

-        وزارة الدفاع؟

-        وزارة الدفاع!

لا عجب من بعد ولا استفهام من قبل؛ فوزارة الدفاع متخصصة في كل المجالات، والسبب أن العسكر في إسرائيل هم من يقودون..

إنهم يدركون جيدا كيف يتعاملون مع هذه الظواهر، أما نحن فعلى قدر علمنا..

وزارة الدفاع، والتي كل عملها حرب لا دفاع، لم تحفل يوما بصحة الفلسطينيين أبدا، والشواهد والدلائل كثيرة، وهي الأبعد أن تكون متخصصة في الصحة!

لا ينبع التعاون من قناعة الحاجة للآخر، أو احترام الآخرين الذين يعيشون هنا منذ كان هنا تراب وماء وهواء؛ فكيف إذن سنصدق هذا الكذب الظاهر، والذي يأتي الحديث الإسرائيلي عن السلام في سياقه!

هناك ما هو أهم من جنون البقر وأنفلونزا الطيور والخنازير..لكن ما باليد حيلة مع الاحتلال المصاب بأنفلونزا الجنون!

هل من أمل لتغيير المنظور الإسرائيلي؟

الجواب يعتمد على الإسرائيليين أنفسهم، فإذا أرادوا الاستمرار بالعيش طويلا في هذا المكان، عليهم دفع استحقاقات العيش معنا، ومعا، وهو الانتماء الإنساني، والانسجام مع المكان، بأن يعيشوا معنا لا علينا.

حديث الإسرائيليين معنا ومع الأردنيين حول مكافحة إنفلونزا الخنازير، هو مثال لكيفية التعاطي مع قضيتنا الكبيرة، وهما في الآن نفسه ينطلقان من تفضيل المصلحة الإسرائيلية أولا،  ورؤية كهذه لن تعمر قليلا، بل هي صائرة إلى نهاية.

ولرسامي الكاريكاتير رسم الإسرائيليين وهم يلحون على التعاون خوف انتشار المرض، لكن كيف يكون ذلك؟

الجواب عند خليل أبو عرفة وبهاء البخاري والشاب سباعنة!

إن الحال خصب لإنشاء الكلام لا الرسم فقط، فلعل كاتبا مسرحيا، يصنع مسرحية تنتمي إلى المسرح المعاصر، يستلهم هذا التعاون الغريب في شكل مسرحي معاصر!

هل هي سخرية الاحتلال بنا، أم بنفسه؟

الجواب حتى ولو سخر بنا قليلا وضحك علينا، فإن السخرية ستكون عليه أكبر..

وحتى تؤول السخرية إلى مداها، لنا أن نتصور، وأن نتوقع طلب سلطات الاحتلال الإسرائيلي من سوريا ولبنان المشاركة في  اجتماع وتعاون مماثلين، فثمة حدود وجيرة تربط إسرائيل مع هاتين الدولتين العربيتين اللتين لا ترتبطان بمعاهدة سلام معها!

هل من ساخر يسخر من كل هذا؟

تقتل إسرائيل الفلسطينيين عن سابق قصد قتلا جماعيا، ثم تسلب الأرض وتقطعها، تسجن، تحاصر، تضيق، تحشر، ثم بعد ذلك تطالبهم بأن يكونوا معها في خندق الدفاع عن صحة الإسرائيليين!

كما تريد تفعل ولا من مسائل أو محاسب!

فهي تنفض يدها منا قائلة لا شريك وقتما تريد!

وهي تعود للتحدث معنا إن أصيبت الحيوانات بأنفلونزا أو جنون!

بانتظار إنفلونزا الطيور أو الخنازير أو جنون بقر أو خراف أو سمك حتى نتحاور، ونتعاون من أجل سلامة الإسرائيليين، فإننا على ما يبدو سنعاني طويلا من سياسات الاحتلال في قتل البشر والشجر والحجر..

Ytahseen2001@yahoo.com

للأعلىé

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.