مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
أيـــلول 2012 العدد-47
 
Untitled Document  

موجات الحر تُشعل نقاشات ساخنة وتفرض أنماطًا جديدة

شمس آب لا تزال ساطعة حتى ساعة متأخرة من النهار

عبد الباسط خلف
خاص بآفاق البيئة والتنمية

أشعلت موجات الحر المتكررة، التي تضرب فلسطين المحتلة نقاشات ساخنة، وفرضت أنماط حياة جديدة، لم تكن شائعة في السابق.
ووسط جنين، كغيرها من المدن الملتهبة من أشعة الشمس، يفتش محمد ذيابات البائع المتجول عن مكان يحتمي فيه من الحر الشديد، وللحفاظ على ما يُروّج له من أوراق النعناع والبقدونس وثمار الفجل.
يقول: "الحر فوق العقل هذا الموسم، ولا تنفع القبعات لهذه الأجواء، والصيام في الحر وتحت الشمس أصعب بكثير".
ووفق ذيابات، الذي يعيش من وراء عربته المتواضعة، فإن بلادنا ليست مستعدة من كل النواحي للتعامل مع الحر، ولا تمتلك القدرة على التحول مثل دول الخليج العربي.

انقلاب
فيما يتحول المشهد الليلي في سهول عرابة بمحافظة جنين، إلى شيء مغاير عن المعتاد، إذ صار المزارعون يُسابقون الشمس ولا يعملون تحت رحمتها، كما يقول الشاب عبد الله الشيخ.
ووفق عبد السلام محمود، فإن الحقول صارت تعمل في الليل، وتنام في النهار، هرباً من الحر الشديد، وبخاصة في شهر رمضان الذي شهد أجواءً مُلتهبة.
يقول: "نلبس مصابيح على رؤوسنا، ونعمل طوال الليل تقريباً، وقبل أن تُشرق الشمس نحتمي في بيوتنا، ولا نقابلها، إنها مثل العدو".
بينما يصف المزارع زيدان خلف الحال بالغريب جداً، ولا يُخفي قلقه على مصير المزروعات التي يتهددها الجفاف من جهة، وتقل إنتاجيتها، ويُقصّر عمرها من جهة ثانية، وتزيد قابلية إصابتها بالأمراض.

رش المياه على الخضروات للحفاظ على بعض حيويتها في أجواء الحر القائظ

تحذيرات
فيما تكررت تحذيرات وزارة الزراعة للفلاحين، وفيها إنذارات من انتشار الحرائق جراء موجة الحر.
ولفتت الوزارة في تصريحات صحافية، صدرت غير مرة، إلى انتشار الحرائق في هذه الأجواء ما يؤدي إلى القضاء على آلاف الأشجار المثمرة والحرجية، بالإضافة إلى حقول واسعة من المحاصيل الحقلية.
ودعت المزارعين إلى عدم إهمال أراضيهم ومكافحة الأعشاب التي تنمو في بساتينهم، خاصة التي تقع على جوانب الطرق.
كما ناشدت المواطنين المتنزهين في الغابات إلى أخذ الحيطة والحذر، وأن يكون التنزه في المواقع المحددة لهذا الغرض.

حرب مياه
غير أن موجات الحر تُقابل بشح للمياه، إذ تؤكد سلطة المياه الفلسطينية في بياناتها وأرقامها وجود أزمة مياه تهدد المواطنين وتنذر بحالة عطش غير مسبوقة في الأراضي الفلسطينية، مشيرة إلى أن إسرائيل تشن "حرباً غير مسبوقة للسيطرة على موارد المياه."
وبحسب السلطة، فمنذ العام 1995 لم تسمح إسرائيل للفلسطينيين بعمل ما يمكنهم عمله لزيادة حصتهم من المياه حتى في المناطق التي نسيطر نحن عليها، وهذا يعرض شعبنا لخطر العطش والتصحر".
واستولى الاحتلال على 350 بئراً ارتوازياً في الضفة، ويمنع من الاستفادة من مياه البحر الميت، ومياه نهر الأردن والحوضين الغربي والشمالي الشرقي، كما أن هناك الكثير من الينابيع والآبار التي جفت بسبب عوامل طبيعية وبالتالي تقل المياه باستمرار".
واستناداَ إلى أرقام سلطة المياه، فإن نصيب الفرد الفلسطيني من المياه يومياً 70 لتراً مقابل 320 للمستوطن، و230 للإسرائيلي علماً أن منظمة الصحة العالمية حددت نصيب الفرد اليومي لكافة الاحتياجات بـ150 لتراً، ما يعني أن المستوطن له أربعة أضعاف ونصف حصة الفلسطيني.
ويحصل الفلسطينيون على 15% من نسبة المياه المتجددة والبالغة 2600 مليون لتر، نصفها تأتي من آبار محلية، والبقية يتم ابتياعها من الاحتلال الذي يسيطر على 85% من موارد المياه.

رش المياه لتلطيف آثار الحرارة المرتفعة

تطرّف
ويقول المعلم أسامة الخطيب، الذي يسكن قرية برطعة بمحافظة جنين إن الحر قياسا بسنوات سابقة أعلى من معدله السنوي، أما التعامل مع هذا التطرف الحراري فيتم بعدم الخروج إلا للضرورات، أما في البيوت فيجري تشغيل أجهزة التكييف أو المراوح.
ويعتقد الخطيب أن هذا التطرف الحراري جديد على فلسطين، ولكن لا بد من التكيف معه، ومن جهة الآثار ربما أنها أنهكت المزارعين والعمال والفئات التي يتطلب منها الأمر التحرك تحت أشعة الشمس.
فيما يرى الصحافي عنان الناصر أن ارتفاع درجات الحرارة هذا العام كان أشد من الأعوام السابقة وأكثر.
يقول: "يقتضي الحال الاستحمام عدة مرات، وشرب الكثير من السوائل ومحاولة تلطيف أجواء المنزل والفناء برش المياه بشكل دوري، إذا ما توفرت".
ويضيف: "على ما يبدو أصبحت الأجواء شديدة الحرارة في فصل الصيف، ما يتطلب اعتماد وسائل التبريد كالمكيفات على غرار دول الخليج العربي، ولا بد من اعتماد سياسات واضحة لقطاع الكهرباء سعيا لتنظيمه وتحسين طرق تركيب التكييف؛ حتى لا يؤثر ذلك على القدرات الاستيعابية، وهذا يخلق أيضا متاعب بيئية".
يقول موسى شاهين، الذي يقطن بلدة بيرزيت، التي كانت تعد في الماضي كمدينة رام الله مصيفا؛ لدرجات حرارتها المعتدلة وصيفها اللطيف، إن موجات الحر لهذا العام أكثر تطرفاً  وتكراراَ من الأعوام السابقة.
ويتغلب شاهين على القيظ بشرب الماء بكميات كبيرة، فيختصر الخروج من البيت إلا للضرورة القصوى خلال النهار، ويوفر احتياجاته ليلاً بالأغلب.
يضيف: "لا أعتقد أن بلادنا مهيأة لمواجهة هذا التطرف الحاد في الحرارة، وينقصنا الكثير من الموارد المالية والمادية على حد سواء".
والمفارقة أن سائقي المركبات العمومية، لا يشُغلون في معظمهم أجهزة التكييف، ويتذرعون كما يقول الموظف في مؤسسة حكومية سمير إبراهيم بأنها لا تعمل، أو تتسبب بالمتاعب لهم.
يفيد علي عبد الستار، السائق الذي يجلس وراء المقود منذ عشرين سنة: "بعضنا لا يُشغل المكيف، خشية على محرك السيارة، وخاصة في الطرق الصعبة والمليئة بالمرتفعات. ونسمع جراء ذلك انتقادات كثيرة من الركاب، دون ان نكترث".

هروب أطفال برقين من موجات الحر بابتداع مسبح من صندوق كبير للخضروات

هروب
فيما يهرب أطفالٌ في بلدة برقين غرب جنين، من موجات الحر، بابتداع مسبح مؤقت، إذ ألحوا على أسرهم تعبئة صندوق كبير مخصص لجمع الخضروات بالماء، رغم انقطاعها المتكرر عن منازلهم؛ للسباحة.
يقول لؤي الحاج يوسف: "أهرب أنا وأبناء أعمامي إلى الصندوق المائي؛ لأننا باختصار فقدنا بحرنا في حيفا وعكا وغيرها، ولا نستطيع الوصول إليه بسبب الاحتلال".
بينما يضحك أيهم ويامن ويوسف وأحمد، ويتمنون لو أنهم ينتقلون للعيش خلال فترات الصيف في بلد غني بالماء؛ لأنهم يكرهون الصيف والتعرق والحر.

مع اشتعال موجات الحرارة اشتعلت أيضا في المنازل الفلسطينية ظاهرة تركيب أجهزة التكييف

استعدادات
وتؤكد سماح مصطفى، وهي موظفة تسويق في شركة خاصة برام الله أن طبيعة عملها الميداني، يجعلها تأخذ احتياطات كثيرة من الشمس، ينجح بعضها ويفشل البعض الآخر.
تقول: "أرتدي نظارات شمسية وقبعة وأضع واق من الشمس ومزيلاً للتعرّق، لكن الرطوبة العالية تجعلك تشعر بأنك في "ساونا" متنقلة".
ووفق سماح، فإن النساء يعانين أكثر في الحر من غيرهن، وبخاصة المزارعات واللواتي يتطلب عملهن التحرك الميداني؛ لطبيعة بشرتهن، ولعدم استطاعة الكثير منهن ارتداء ملابس صيفية أو قصيرة.

التعليقات

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية