l مشاغل الذهب تنشر الأمراض بين السكان
 
 
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
أيـــلول 2012 العدد-47
 
Untitled Document  

حين يكون الذهب أغلى من البشر
بسبب استخدام مواد كيميائية وغياب منطقة صناعية متخصصة في الخليل
مشاغل الذهب تنشر الأمراض بين السكان

فرن لصهر الذهب

ثائر فقوسة
خاص بآفاق البيئة والتنمية

يجلس في بيته على مضض، يتأكد كل لحظة من أن النوافذ والأبواب مغلقة بإحكام، يرقب من خلف الستائر توقف انبعاث "الغاز الاصفر" الذي يتصاعد من مدخنة على مقربةٍ من منزله، تفوح منها رائحة كريهة تسبب الدوار وتسيّل الدموع. يستغل حلول الظلام للخروج من سجنه المغلق لعله يستنشق هواءً نقيا، إلا أن تلك الرائحة المميتة ما زالت تحوم في المكان، فيعود مهرولا إلى البيت بحثاً عن الامان. هذا المشهد ليس منقولاً من القصص أو الحكايات، بل هي حياة المواطن عبد القادر المطرية من مدينة الخليل المقيم على بعد ستة أمتار من أحد مشاغل الذهب، الذي كان السبب في إصابته بعدة امراض كالتهابات القصبة الهوائية والحساسية المفرطة والحكة في الجلد،  إضافة إلى التقيؤ المستمر.
يفيد مطرية بأن الأطباء الذين قاموا بفحصه أكدوا أن ما يشكو منه ناجم عن تعرضه لغازات سامة من حامض "النيتريك" وبعض المواد الكيماوية مثل الرصاص. كما توجه مطرية إلى أطباء في الضفة والأردن وداخل إسرائيل، والنتيجة كانت واحدة تثبت تعرضه لغازات سامة وثقت في 15 تقريراً طبياً.

اشتكى المطرية للجهات المعنية في وزارتي الصحة والبيئة من أجل وقف المشغل أو نقله لكن دون جدوى، وتقدم بشكوى للشرطة ضد أصحاب المشغل وتم تحويل القضية إلى المحكمة، ولكنها ماتت هناك فلم يصدر أي حكم، رغم أن المحكمة قامت بإرسال خبير لفحص المشغل واثبت الأخير وجود آثار لحامض النيتريك، ولكن لإنهاء الملف طلب من الطرفين عمل مصالحة بين صاحب المشغل والمتضرر. من هنا يتساءل مطرية الذي اضطر لإنهاء القضية:  هل تنتظر الجهات المختصة ... موته أم إصابة باقي أفراد أسرته بالمرض ليتم وضع حد لهذا الخطر ؟!

مخالف للقانون
وتعاني مدينة الخليل من ظاهرة انتشار مشاغل الذهب والتي يصل عددها الى اكثر من  45 مشغلا تقع في وسط الأحياء السكنية وداخل الشقق، حيث تستخدم في تصنيع الذهب "مواد كيماوية" مثل حامض النيتريك والكبريتيك والكلوريك، بحيث تنبعث منهم غازات سامة يتم التخلص منها دون اكتراثٍ بالمواطنين الذين يعيشون في تلك الأحياء أو البيئة المحيطة بها، ورغم أن قانون البيئة الفلسطيني يمنع قيام هذه المشاغل بالقرب من السكان بسبب الملوثات التي تنتج عنها، إلا أن هذه المصانع قائمة وفي تزايد مستمر... ولم يعد هناك أي أهمية لعبارة "الإنسان أغلى ما نملك" أمام الذهب.

اوعية وعبوات لمواد كيميائية داخل احد المشاغل

المشكلة مستمرة
المهندس هاشم صلاح مدير صحة البيئة في الخليل يفيد بأن هناك بعض الشكاوي المقدمة من المواطنين المتضررين من مشاغل الذهب بالخليل، وتابع أن الوزارة منذ تأسيسها لم تمنح أي تراخيص لهذه الورش لأنها تخالف القانون،  ووجودها بهذا الشكل العشوائي وسط السكان ودون توفير أدنى شروط السلامة العامة يسبب الأمراض ويدمر البيئة نتيجة التخلص من نفاياتها السامة الغازية في الجو والسائلة في الطبيعة. كما اعتبر صلاح بأنه وفي ظل عدم توفر مناطق صناعية مؤهلة لهذه المشاغل فإن المشكلة ستستمر وسيبقى المواطن الخليلي يعاني من الغازات السامة، معتبراً ان حماية السكان من هذا الضرر تقع بالدرجة الأولى على أصحاب المشاغل، وذلك عبر تركيب وحدات معالجة "فلاتر" لامتصاص الغازات السامة اضافة الى التوقف عن التخلص من النفايات السائلة عبر شبكة الصرف الصحي.

خطرة وسامة
المهندس يوسف علي المتخصص في الصناعات الكيماوية والذي قام باجراء دراسة حول هذه المشاغل، يؤكد ان العاملين في هذه الصناعة يستخدمون حامض النيتريك المستخدم في عملية تذويب أسلاك النحاس المسحوب عليها الذهب ما ينجم عنه أبخرة كثيفة بلون بني مصفر، ويعتمد حجمها على كمية النحاس المراد تذويبه حيث يلزم تقريبا نصف كيلوغرام من النحاس لكل كيلو غرام من الذهب المسحوب ويلزم لهذه العملية 2-4 لتر من حامض النيتريك، وتستغرق العملية ما بين بضع دقائق إلى ساعة او اكثر اعتمادا على كمية النحاس، ويصاحب هذه العملية انبعاث رائحة نفاذه جدا ليس باستطاعة الإنسان الوقوف بقربها وهي عبارة عن أبخرة النيتريك كـ "اول اكسيد النيتروجين وثاني اكسيد النيتروجين وحامض النيتروز  HNO2 " التي تعتبر غازات خطره وسامة تؤثر بشكل كبير على صحة الإنسان.
والأعراض المرضية لتلك الغازات متعددة وفق علي، منها: تهيج العيون وبطانة الجيوب الأنفية والجهاز التنفسي، والتهاب القصبات الهوائية. ويرجع تأثير هذه الغازات إلى تحولها الى حامض نيتريك مخفف يهاجم هذه الأغشية مسببا تهيجها او تلفها ووقوع التهاب رؤي حاد عند التعرض لها وهي تتساقط على شكل رذاذ بعد اتحادها مع بخار الماء، وتحدث أضرارا بالغة بالبيئة والماء اذا لم يتم التخلص منها بشكل سليم.

فلتر لخروج الغازات السامة من داخل مشغل الذهب

غياب الحل
"أي صناعة تستخدم المواد الكيماوية حتما ستعود بالضرر على الانسان والبيئة في حال عدم الالتزام بشروط السلامة العامة". بهذه الكلمات بدأ التاجر هشام السيد احد اصحاب مشاغل الذهب في الخليل حديثه، مؤكدا ان الاضرار التي كانت تحدثها مشاغل الذهب بدأت بالتلاشي سيما بعد التطوير الذي ادخل على هذه الصناعة    وقيام أصحاب المشاغل بتركيب فلاتر خاصة تعمل على التقليل من انبعاثات الغازات السامة، إضافة إلى انخفاض التخلص من  النفايات السائلة المكونة من الأحماض الخطرة وذلك  لقيام المشاغل بتكرير هذه المواد عدة مرات لاحتوائها على بقايا الذهب، ما يجعل الكميات التي تلقى في شبكات الصرف الصحي قليلة تكاد لا تذكر، ويعتبر السيد ان السبب وراء وجود هذه الصناعة وسط السكان هو عدم توفر مناطق صناعية مناسبة  ومؤهلة لهذه الصناعة خاصة "توفير الأمن والحماية"، وفي ظل غياب هذه الظروف فإن افضل مكان لوجودها هي الاحياء السكنية، معتقداً ان حماية المواطنين من خطر هذه المشاغل إن وجد(؟!) يتمثل بالضغط على الجهات المختصة لتوفير منطقة صناعية بعيدة عن السكان تتوفر فيها كل متطلبات هذه الصناعة من وحدات معالجة وفلاتر وحراسة.

ومن الجدير ذكره ان الاحتلال يمنع دخول المواد الكيماوية المستخدمة في صناعة الذهب خاصة حامض النيتريك لأسباب أمنية، ما يدفع اصحاب المشاغل لشراء هذه المواد من السوق السوداء وبطرق عشوائية، ما قد يجعل تلك المواد تكون بمواصفات سيئة وفاسدة، ما يزيد الطين بله ويساهم في مزيد من التلوث وانتشار الأمراض بين المواطنين والعاملين في هذه المهنة.

ضحايا
لم تقتصر المعاناة على المواطنين القاطنين بالقرب من هذه المشاغل بل هناك عدد من العاملين بهذه الصناعة أصيبوا بالامراض المزمنة مثل السرطان والتسمم بالرصاص، حيث يشهد قسم الشكاوي في مكتب العمل تقدم مجموعة من العمال بشكوى ضد اصحاب بعض مشاغل الذهب لعدم اعترافهم بالحقوق العلاجية لهم بعد إصابتهم بأمراض سببها تلك الصناعة.

التعليقات

الأحرى بوزارة البيئة الفلسطينية أن تمارس سلطة فعلية على الأرض وتضع حدا لعبث بعض الفلسطينيين ببيئتنا صحتنا في الخليل، بدلا من الانشغال بالمؤتمرات وورشات العمل المكررة والمملة التي لا تقدم ولا تؤخر .
 محمد أبوسيف

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية