نيسان 2008 العدد (2)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

April 2008 No (2)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب الصورة تتحدث الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

ندوة العدد:

بمناسبة يوم المياه العالمي:

وثيقة هامة

 

المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة بين العطش الفلسطيني إليها والاستمتاع الإسرائيلي بها

 

رئيس سلطة المياه الفلسطينية:  اعتراف إسرائيل بحقوقنا المائية انتصار للجانب الفلسطيني... مصيبة تصريف مياه المجاري في قطاع غزة تشكل كارثة أكبر من مياه الشرب... الإسرائيليون يريدوننا أن نبقى راكعين ونتوسل لهم بمنحنا المياه... أنا شخصيا كنت مشاركا في مفاوضات المياه، وحينما كان الحديث يدور عن الحدود والأرض، كنت أرى اليهود، وبخاصة العسكريين منهم، مزودين بكل المعلومات على خرائط كاملة، أما نحن فلم يكن بأيدينا سوى المسبحة... الإسرائيليون يدفعون بقوة وعبر إغراءات مختلفة، باتجاه بيعنا مياه البحر المحلاة، مدعين بأنه لا توجد أحواض مائية يمكنهم منحها للفلسطينيين... مشروع قناة البحرين أردني وليس إسرائيلياً وهو لن يرى النور... .  قوتنا هي أن نتمسك بحقوقنا المائية وأن نؤمن بها وأن لا نتراجع عنها وإلا سننزلق وسنتراجع إلى الوراء من خلال مساومات ومقايضات على حقوقنا.

شداد العتيلي:  كل ما حصلنا عليه في اتفاقية أوسلو هو اعتراف إسرائيل بحقوقنا في المياه... نحن لا نزال نعيش نفس ممارسات الاحتلال السابقة لاتفاق أوسلو... المياه العادمة غير المعالجة العائدة إلى الحوض تشكل أكثر من 30 مليون متر مكعب، وهذه، للأسف المياه التي يشرب منها أهالي غزة...الناقل القطري الإسرائيلي للمياه الذي أنشأته إسرائيل عام 1964 غير قانوني، وسنبقى نقول إنه غير قانوني في ظل غياب حل قضية حقوق المياه... لو كان مشروع قناة البحرين استراتيجيا لإسرائيل فإنها لن تعيرنا أي اهتمام وكانت ستنفذه منذ زمن طويل... الإسرائيليون يقولون لنا لن تأخذوا شيئا من المصادر المائية واشتروا منا المياه المُحَلاَّة، فَليُحَلّوا هم مياه البحر الذي تقع جميع مدنهم على ساحله، وليتركوا لنا مياهنا في نهر الأردن.

رشا عمر:  المفاوضون الفلسطينيون ذهبوا إلى المفاوضات دون سلاح المعرفة، فلا يمكن لخبير أن يقبل فعلا بالبنود الواردة في الاتفاقيات حول المياه... قضية المياه تتعلق بحقوق شعبنا ومن حقه أن يعرف الحقيقة وأن تنشر الأمور أولا بأول حتى يقرر الناس موقفهم سواء الذين هم مع أو ضد...

جورج كرزم:  السلطة المطلقة على مصادر المياه بيد الإدارة المدنية الإسرائيلية وضابط المياه الإسرائيلي هو الذي يملك السلطة الفعلية على لجنة المياه المشتركة ويمارس حق النقض ضد قراراتها... إذا كان الإسرائيليون هم سبب تدهور وخراب البحر الميت، فلماذا يفترض بالفلسطينيين المشاركة في مشروع يهدف إلى إصلاح ما أفسده وخربه الإسرائيليون أنفسهم؟... الإسرائيليون بحاجة إلى الغطاء البيئي – السياسي العربي الفلسطيني الأردني، لإخفاء الأبعاد السياسية-الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية الإسرائيلية التي يتضمنها مشروع قناة البحرين.

 

بمناسبة يوم المياه العالمي، وفي إطار الفعاليات المتصلة بمجلة "آفاق البيئة والتنمية" الهادفة إلى بلورة منبر لمناقشة مفيدة ومهنية ومؤثرة لمختلف القضايا البيئية – التنموية، باتجاه التأسيس لسياسات وممارسات واستراتيجيات تنموية مستدامة وصديقة للبيئة، نظم مركز العمل التنموي / معا في 17 أذار 2008 ندوة حوارية مكثفة بعنوان:  "المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة بين العطش الفلسطيني إليها والاستمتاع الإسرائيلي بها"، وذلك في مقر مركز معا، وبمشاركة كل من:  م. فضل كعوش رئيس سلطة المياه الفلسطينية، د. شداد عتيلي مستشار سياسات المياه والبيئة في الطاقم الفني للمفاوضات، الأستاذة رشا عمر مديرة دائرة المباحث النوعية في مركز المناهج الفلسطينية، والباحث جورج كرزم مسئول تحرير مجلة "آفاق البيئة والتنمية".  وهدفت الندوة إلى مناقشة استخدام إسرائيل مسألة المياه كأداة ضغط سياسية وسلاح ضد الفلسطينيين.  وعالجت العديد من المحاور الحساسة والساخنة أهمها:  جدوى اتفاقيات أوسلو والتنسيق الفلسطيني – الإسرائيلي في مجال المياه، مفاوضات المرحلة النهائية للمياه، ومشروع "قناة البحرين" (الأحمر-الميت).

واتخذت الندوة شكل المائدة المستديرة، حيث طرح المشاركون وجهات نظرهم، وخلصوا إلى توصيات هامة.

ونقدم فيما يلي ملخصا لمحتوى النقاش والتوصيات.

 

جورج كرزم (كاتب وباحث):  نقطة الانطلاق في ندوتنا هذه، لا بد أن تكون الوضع الراهن لاستخدامات المياه التي تتحكم فيها إسرائيل بشكل كامل، وذلك استنادا للاتفاقات الموقعة وتحديدا اتفاقات أوسلو.  فلو أردنا عمل جرد تقييمي سريع فيما يتعلق بالمياه، منذ اتفاقيات أوسلو 1994 – 1995 وحتى اليوم، نجد أن الوضع المائي الذي كان سائدا منذ ما قبل أسلو وحتى اليوم لم يتغير في الجوهر، بل إن الاتفاقيات ثبتت الوضع القائم قبل الاتفاقيات؛  إذ لا تزال إسرائيل تسيطر وتتحكم بشكل فعلي وكامل ومطلق بموارد المياه الفلسطينية واستخداماتها وإدارتها وتوزيعها.  إذن، السؤال الأساسي، ومن منظور تقييمي نقدي لكل السنين الماضية وحتى هذه اللحظة، ما جدوى اتفاقات أوسلو وغيرها مع إسرائيل، فضلا عن التنسيق الإسرائيلي الفلسطيني في مجال المياه تحديدا؟

 

م. فضل كَعْوَش (رئيس سلطة المياه الفلسطينية):  هذا السؤال المطروح ليس سهلا، كما أن طريقة التعامل معه لا يمكن الاستناد فيها إلى أي مرجعيات.  وارتباطا بنفس السؤال، وكي نكون أمناء في الإجابة، يتطلب الأمر إلقاء نظرة عامة وسريعة على المجال المائي.  وليس بالضرورة أن أشتم الاتفاقيات المبرمة، وبأننا فعلا لم ننجز شيئا، فأنا شخصيا ضد هذا التوجه.  لكني مع فحص ما تم وما أنجز وما لم ينجز، ولماذا حدث كذا، وأين نحن ذاهبون وماذا نتوقع، وما إلى ذلك.  فإسرائيل احتلت أراضينا عام 1967 وسيطرت على مواردنا المائية بكاملها وأصدرت أوامر عسكرية شلت حركتنا وقيدت نشاطاتنا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت كل مصادرنا المائية تحت سيطرة الجانب الإسرائيلي.  فالسيطرة على المياه تعني السيطرة على الحياة والإنسان وعلى كل شيء، فكل الأنشطة المرتبطة بالتنمية وحياة الناس مرتبطة بالماء.

فلو نظرنا إلى آثار الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا ومواردنا المائية ونتائجه، نجد بضعة عناوين في  توجهات السياسة الإسرائيلية.  العنوان الأول هو أن الإسرائيليين كانوا يأملون فعلا استخدام المياه كوسيلة ضغط على الفلسطينيين لقهرهم وإرباك حياتهم ومعاناتهم، وفي المحصلة إجبارهم على ترك أراضيهم وهجرتهم.  وبالفعل، توجد أرقام تشير إلى أن آلاف المزارعين قد هاجروا  من فلسطين إلى الخارج.  وآلاف المزارعين الآخرين قد تحولوا من القطاع الزراعي إلى قطاعات أخرى، وتحولوا إلى عمال بأجر يومي.  وعلى الأرض نجد أن الجانب الإسرائيلي كمحتل عليه واجبات قانونية ووفقا للقانون الدولي والاتفاقيات، لا يقوم بواجباته في تقديم خدمات للناس وتوفير مياه الشرب لهم.  فكل المحتلين في العالم ترتبت عليهم واجبات وفقا لاتفاقيات جنيف ولاهاي وغيرها.  وفي نفس الوقت، كان يجبي الإسرائيليون الضرائب، وبالتالي لم يقدموا الخدمات وتمديد أنابيب المياه من أموالهم الخاصة.  فهم أهملوا عن عمد وقصد، والرسالة واضحة، والإثبات على الأرض.  فلدينا لغاية الآن أكثر من 35% من التجمعات الفلسطينية دون شبكات مياه إطلاقا.  هذا دون الحديث عن الكهرباء والطرق وغيرها.  وحينما استلمت السلطة الفلسطينية موضوع المياه كان أكثر من 270 تجمعاً دون شبكات مياه، وحاليا يوجد نحو 220 تجمعاً دون شبكات وخدمات مياه نهائيا، بل إن المدن والتجمعات الأخرى التي يوجد فيها أساسا شبكات، لم تتم خدمتها من قبل الاحتلال وأهملت وانعدم فيها تخطيط قطاع المياه.  فلو نظرنا إلى خريطة خدمات المياه، سواء إنتاج المياه أو التزود بالمياه أو توزيعها داخل التجمعات، نجد أنها ليست ضمن خطط.  فقد تجد قرية عدد سكانها 5 آلاف نسمة توزع المياه فيها عبر مواسير 2 و3 و4 إنش، وهذا ليس تخطيطاً، فالتخطيط يجب أن يكون حسب احتياجات البلدلذا فهم أهملوا عن عمد ليس فقط إنشاء شبكات مياه بل أيضا تطوير البنية التحتية لخدمات التزود بالمياه في المدن الكبرى وليس فقط  في البلدات والقرى.  والعناوين الأخرى كلها تصب في أن الإسرائيليين لا يريدون منح شعبنا الماء، ومن يردِ البقاء فليبقَ ومن يردِ الهجرة فليهاجر. 

كما منعنا أيضا من تطوير مصادر المياه، ومنذ احتلال 1967، واستنادا إلى الأوامر العسكرية الاحتلالية، نحتاج إلى ترخيص لأي نشاط ذي صلة بالماء.  فكان على الفلسطيني أن يقف أمام الإدارة المدنية الإسرائيلية في "بيت إيل" وأن يطلب من ضابط المياه التابع للحاكم العسكري، مجرد خزان لمياه الأمطار، وليس حفر بئر.  فلا حفر آبار ولا تطوير مصادر مياه ولا حتى محطات قياس؛ إذ، منذ بداية الاحتلال، لا يوجد في الضفة الغربية محطات قياس.  كل هذا يشير إلى أن الإسرائيليين كانوا ولا يزالون يضغطون على الفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل من بلدهم.  إضافة إلى الاستيطان وحرماننا من تطوير مصادرنا المائية وحفر خآبار وغير ذلك.  بل قام الإسرائيليون بما هو أسوأ من كل ذلك وهو حفر آبار في مناطقنا، وخاصة في منطقة بردلة، حيث أنشأوا، في السبعينيات، مستعمرة "محولا"، وحفروا بئرين تسببتا في تجفيف كل آبارنا وينابيعنا في تلك المنطقة، ولم يبق في بردلة أي ينبوع، بل جفاف كامل، وتحديدا جفاف 22 ينبوعاً و 12 بئراً.  وادعوا، آنذاك، "إكراما" للفلسطينيين، بأنهم أبرموا اتفاقية بين الحاكم العسكري وشركة "مكوروت"، "لتعويض" الفلسطينيين، علما بأنهم يقبضون ثمن المياه من الفلسطينيين وبالتالي فالمياه لا توزع مجانا، والأهم من ذلك تحكم الإسرائيليين بالفلسطينيين.  فالفلسطيني لا يحصل على المياه من ينبوعه أو بئره، بل عليه أن يقف أمام باب "مكوروت" حتى تفتح له الحنفية وتغلقها.  يضاف إلى ذلك المستعمرات المنتشرة في كل المناطق وشبكات المياه التي تخدمها تتحكم أيضا بمصادرنا المائية.  وكم عانينا في فصل الصيف، وناشدنا المعنيين بأن المياه لا تصل إلى الخليل، وكان يقال لنا بأن الأولوية لمستعمرة "كريات أربع".  أي أن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يحمل رسالة مفادها مزيد من الاحتلال والسيطرة على الأرض والإنسان.

ألاعيب الإسرائيليين كثيرة

فضل كعوش (تابع):  الآن أصبحت هناك عملية سلام، والجميع أقر بها.  وتفاوضنا في مفاوضات المرحلة الانتقالية التي كان أيضا من ضمنها موضوع المياه.  ولم نستطع حل مشكلة المياه في إطار المفاوضات المرحلية، وتم الاتفاق بين الطرفين على ترحيل هذا الموضوع إلى مفاوضات الوضع النهائي.  إلا أنه (في الاتفاقية المرحلية) تم الإقرار بثلاثة أمور هامة جدا:

أولا، اعتراف إسرائيل بالحقوق المائية للفلسطينيين، وهذا منصوص عليه في الاتفاقات الموقعة بين الطرفين.  والآن نحن ذاهبون إلى مفاوضات الوضع الدائم، وناقشنا هذه المسألة مؤخرا مع دائرة شؤون المفاوضات، واتفقنا على أننا لسنا ذاهبين إلى طاولة المفاوضات لنطالب بحقوقنا، لأن حقوقنا قد سبق واعترفوا بها ووقعوا عليها، وهذه الخطوة قد أنجزت حسب القانون الدولي، أي أن هناك اعترافاً بالحقوق المائية. 

ثانيا، تم الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي (حسب الاتفاقية المرحلية) على أن هناك نقصاً في المياه، والتزم الإسرائيليون بتسهيل تزويدنا بالمياه، أي تزويدنا بمياه إضافية من لدى شركة "مكوروت"، وقد أعطونا بعض المياه، وأيضا تسهيل وصولنا إلى مواردنا المائية، أي أنه يحق لنا حفر آبار.

ثالثا، استكمالا للبندين السابقين يوجد أيضا بند التعاون.  فقد أُنشئت لجنة مشتركة أنيط بها مهام تنفيذ الاتفاقيات المرحلية، والبحث في أمور تعاون أخرى تتعلق بالمياه.

وبالنسبة لنا، يعد الموضوع المتعلق باعتراف إسرائيل بحقوقنا المائية مكسبا يجب تثبيته، حسب قناعاتنا نحن، بمعنى أن هذه معركة قد كسبناها.  وستكون آلية مهمة جدا للضغط على الإسرائيليين في مفاوضات الوضع الدائم.  لذا، فإنني أعتبر البند الأول (الاعتراف) انتصارا للجانب الفلسطيني، لكن المهم أن يترجم إلى واقع عملي.  إلا أن كل "الأفلام" الإسرائيلية محتملة، ولا أعتقد بأن هناك مسئولاً فلسطينياً يستطيع القول بأنهم قد اعترفوا بحقوقنا وبأننا قد حللنا مشكلة المياه، لأن ألاعيب الإسرائيليين كثيرة.

فيما يتعلق بالبند الثاني، وكي أكون واقعيا، فقد تحققت، إلى حد ما، إنجازات ملموسة في موضوع تحسين خدمات المياه، في إطار الاتفاقية المرحلية.  وهذا يتمثل بحفر عدد كبير من الآبار، وتحديدا 18 بئراً لأغراض الشرب، وحاليا يجري تنفيذ إعداد نحو ستة آبار، أي أن الحديث يدور عن 24 بئراً عميقة لتطوير مصادر المياه.  وبالنسبة للتزود بالمياه، من خلال ما أنجز وما يجري العمل عليه، فقد نصل إلى 55 مليون متر مكعب، وذلك من أصل 70 – 80 مليون متر مكعب كما نصت الاتفاقية، ولست أدري لماذا هذا الرقم، مع أننا بحاجة إلى أكثر من ذلك.  وعندما نقول إننا حصلنا على 55 مليون متر مكعب فهذا يعني إنتاجية آبارنا، وليس بالضرورة أننا ننتج هذه الكمية، إلا أن الآبار موجودة.  فقد لا تكون هناك مضخة، إلا أن قدرتنا على الإنتاج من المياه الإضافية موجودة ووصلت إلى أكثر من 55 مليون متر مكعب.  هناك العديد من الآبار معطلة لكن لدى توافر مضخات نستطيع أن ننتج منها.  لكن هناك أموراً حصلت، لا علاقة لها بالاتفاقية، مثل التغيرات المناخية، وزيادة الطلب على المياه.  فبخصوص التغيرات المناخية، هناك تراجع في كميات الأمطار منذ عام 1997 ولغاية الآن؛ مما أثر سلبا على كميات مياه الينابيع التي كان يشرب منها المواطنون، وهناك تراجع كبير في مستوى مياه الآبار الزراعية التي يشرب منها المزارعون ويروون منها أراضيهم.  كما أن إنتاجنا من مصادرنا السابقة قبل الاتفاقية تراجع.  إذن، الرصيد المتبقي من ال 55 مليون متر مكعب مع ما فقدناه، فإن الحصيلة ليست أكثر من 32 مليون متر مكعب، آخذين بالاعتبار ما فقدناه من مياه الأمطار والينابيع والعيون والآبار الزراعية وأعطال أخرى، علما بأن بعض الآبار الزراعية قد أغلقت بسبب الجدار في قلقيلية وطولكرم، فضلا عن آبار أخرى لا يستطيع أصحابها الوصول إليها.

أكثر من 500 بئر إسرائيلي لسرقة المياه

فضل كعوش (تابع):  وكان يفترض أن تنتهي العملية التفاوضية عام 1999، أي انتهاء المرحلة الانتقالية.  وحسب الاتفاقيات المبرمة سابقا، كان يجب أن نتفاوض بعد عام 1999 حول الوضع الدائم.  وقد اتفقنا مع الإسرائيليين على الحقوق ويجب أن نتعاون معاً لحل مشاكل الحقوق حسب معاهدة إعلان المبادئ 1993، وهي واضحة جدا، تنص على أن يتعاون الطرفان على حل مشاكل المياه وفقا لمبدأ القانون الدولي، أي الاستخدام العادل أو المعقول.  ففي حال ذهابنا إلى المفاوضات والتزام الإسرائيليين باعترافهم بالحقوق وترجمة هذه الحقوق على أساس مبدأ القانون الدولي الذي ذكرته، وعلى أساس القانون الدولي الأساسي في موضوع حماية المدنيين والأملاك والثروات، فسنكون أقوياء جدا، وستسير مفاوضاتنا بخير.

أما النتائج الموجودة الآن على  الأرض فهي إيجابية، ولكن بالنسبة إلى ماذا؟  بالنسبة إلى الوضع الذي كان سابقا، وليس بالنسبة إلى المطلوب.  فلدينا الآن بالمتوسط، حسب أرقامنا وسجلاتنا في سلطة المياه، 100 لتر ماء للفرد يوميا، وذلك من مجموع الإنتاج والشراء، علما بأن لدينا نحو 120 مليون متر مكعب من المياه التي نحصل عليها من مصدرين:  المصدر الأول ذاتي من آبارنا وينابيعنا، والمصدر الثاني من إسرائيل، أي ما نشتريه من الإسرائيليين، علما بأننا نشتري نحو 45 مليون متر مكعب، وذلك من أصل 80 مليون، أي أننا ننتج نحو 35 مليون متر مكعب من آبارنا وينابيعنا، وذلك للاستخدام المنزلي والصناعي.  أما بالنسبة للزراعة فنحن نستهلك أقل من 80 مليون متر مكعب ننتجها من آبارنا الزراعية وينابيعنا، وبخاصة تلك التي في الأغوار.  أي أن مجموع ما لدينا الآن يتراوح بين 120 – 165 مليون متر مكعب مياه تنشأ داخل الأراضي الفلسطينية.  ولدينا طاقة مائية متجددة تتمثل بالأمطار، والتي تصل بالمعدل، عبر سنوات طويلة، إلى ما لا يقل عن 750 مليون متر مكعب مياه متجددة تنشأ وتتكون داخل حدود الضفة الغربية، ونأخذ منها 120 مليوناً، وربما أقل من ذلك، والباقي (45 مليون) يتم شراءه من الإسرائيليين.  أي أننا نحصل على 120 مليوناً فقط من أصل 750 مليوناً، بما يعادل نحو 16% من إجمالي المياه المتجددة سنويا.  بمعنى كوننا مبعدين ومحرومين ومستغلين مائيا من قبل إسرائيل، بما قيمته نحو 85%، بسبب سيطرة الأخيرة على مياهنا وتحكمها بها ونهبها لهاوعملية السرقة تتم بشكلين:  الأول من آبارهم الموجودة في الضفة الغربية، والتي يصل عددها إلى نحو 41 – 42 بئراً تنتج نحو 55 مليون متر مكعب مياه.  أما الباقي فيأخذونها من آبار حفرت خصيصا على امتداد حدود الضفة الغربية، حيث توجد شبكة طويلة من الآبار، يزيد عددها على 500 بئر، وتمتد ابتداء من الشمال من منطقة سالم في جنين، وحتى جنوب قلقيلية، وتشكل هذه الآبار جزءا مما يسمى بالنظام القطري الإسرائيلي الذي يصل مختلف الخطوط المائية بعضها ببعض، حيث تضخ مياه طبرية أيضا على هذه الخطوط الرئيسية، كما يتم امتصاص مياهنا من الجبال ومن ثم إيصالها إلى نفس الخطوط، ضمن نظام واحد متكامل.  هكذا، إذن، يسرقون مياهنا من خلال هذه الآبار ويمتصونها.  كما أنه لدى الإسرائيليين آبار في الشمال، في مرج ابن عامر، حيث لديهم سيطرة كاملة على الحوض المائي.  إذن فإن مياهنا الجوفية مسروقة.

أما فيما يتعلق بنهر الأردن، فلا نستطيع الوصول إليه، لأنه مغلق أمامنا بالأسيجة والكاميرات، فضلا عن تدمير كل مزارعنا ومضخاتنا التي كنا نستعملها منذ العهد العثماني.  كما أغلقت جميع آبارنا في الأغوار المتواجدة بتلك المنطقة، ولا يوجد أي استغلال لنهر الأردن، أي أننا لا نحصل على أي شيء من حقوقنا في نهر الأردن. 

دمار الأحواض المائية في غزة

فضل كعوش (تابع):  أما قطاع غزة، فهو يعيش في كارثة.  ونحن نعلن بأن غزة منطقة منكوبة مائيا وبيئيا.  فأحواض غزة المائية شبه مدمرة، بالرغم من أن البعض يتجنب قول ذلك بسبب الإحراج.  ونسبة الملوحة المرتفعة تصل إلى 70 – 75%، كما أن التلوث بكافة أشكاله مرتفع، فضلا عن السحب الزائد الذي تجاوز 90 مليون متر مكعب، بعد أن كان سابقا 50، ثم 60، ثم 70 مليوناً.  وال 90 مليون عبارة عن عجز متراكم سنويا، حيث إن السحب السنوي 165 مليون متر مكعب مياه من الأحواض، بينما لا نحصل هناك على سوى 40 – 50 مليون متر مكعب من مياه الأمطار سنويا، أي أن السحب أضعاف التغذية السنوية.  أي أن لدينا دماراً في الأحواض المائية في غزة وتملحها الكامل.  وفي حال استمرار هذا الوضع، فلن تبقى مياه عذبة في غزة في سوى منطقتين محدودتين، هما منطقة مستعمرات "قطيف" التي انسحب منها الإسرائيليون، حيث ترك الإسرائيليون 24 بئرا، يمكننا أن نسحب منها 5 – 6 مليون متر مكعب مياه كحد أقصى، وهي أيضا مهددة بالخطر.  يضاف إلى ذلك منطقة بيت لاهيا في شمال غرب القطاع.

والمصيبة الكبرى تتعلق بتصريف مياه المجاري في قطاع غزة، والتي تشكل كارثة أكبر من مياه الشرب، لأننا لا نجد مكانا للتخلص منها.  ففي مناطق بيت لاهيا تتجمع مياه المجاري في حوض ضخم بناه الإسرائيليون في السبعينيات ليخدم 50 ألف فرد، بينما في منطقة بيت لاهيا يوجد 180 ألف نسمة، علما بأنه لا أحد في العالم يبني محطة مجاري دون نظام تصريف.  فلم يبن الإسرائيليون محطة معالجة تقنية تمكننا من استخدام المياه المعالجة بمستوى معين وبمواصفات مقبولة دون ضرر، كما لم يتركوا مجالا لتصريف المياه المتجمعة.  وحاليا يوجد في هذا الحوض العشوائي نحو 3 مليون متر مكعب من مياه المجاري التي لا نعرف أين يمكننا تصريفها.  إذن هناك كارثة في بيت لاهيا شمالا.  كما هناك كارثة أخرى في وسط غزة في الشيخ عجلين.  والكارثة الثالثة في خانيونس، وتحديدا في الملعب البلدي الذي أصبح مجمعا لمياه المجاري، مما أدى إلى تلوث منطقة خانيونس.  بالإضافة إلى الكوارث البيئية والصحية في رفح.  وكان يفترض أن تقوم مشاريع، وبالفعل كان هناك تمويل للمشاريع، وكانت فرص كبيرة جدا.  فالأميركيون رصدوا 130 مليون دولار لإنشاء خط ناقل للمياه ومحطة تحلية.  كما أن جميع الدول المانحة ملتزمة بشمال غزة.  وللحكومة الألمانية أيضا التزام في وسط غزة، إلا أن المعطيات والتغيرات السياسية والأمنية حالت دون تنفيذ مشاريع تطويرية في مجالي المياه والمجاري بقطاع غزة.  وكذلك الأمر أيضا في الضفة الغربية التي توقفت فيها مشاريع المياه والصرف الصحي بسبب الوضع السياسي والأمني، إذ أوقف الأميركيون مشروعين ضخمين أحدهما محطة مجاري إقليمية لمحافظة الخليل، علما بأننا شرعنا في العطاءات.  وهذا ما حدث أيضا في بيت لحم حيث تم تجميد مشروع آخر كبير.

تحويل نهر الأردن غير قانوني

د. شداد العتيلي (مستشار سياسات مياه وبيئة في وحدة دعم المفاوضات):  قدم المهندس فضل كعوش صورة مأساوية لقطاع المياه الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.  وقد أجاب المهندس كعوش بإسهاب عن السؤال المتعلق باتفاقية أوسلو.  وكما ذكر، فإن ما جرى في اتفاقية أوسلو هو تأجيل لقضايا الصراع بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وتحديدا القضايا الجوهرية للصراع أي: اللاجئين والحدود والمستوطنات والقدس والمياه.  والمياه تعد إحدى القضايا الرئيسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي مسألة أمن قومي لدى الشعب الإسرائيلي وقيادته.  وقد أوجز الأخ كعوش قضية المياه قبل اتفاق أوسلو، ابتداء من المفاوضات الخاصة بتقسيم نهر الأردن والتي سميت مفاوضات جونستون، حيث فشلت تلك المفاوضات، وأنجزت إسرائيل حينئذٍ أحد أكبر مشاريعها المتمثل في تحويل مياه نهر الأردن، من خلال الناقل القطري للمياه الذي أُنشئ عام 1964.  ومن ثم بناء السدود على بحيرة طبرية، وبالتالي الحد من المياه المتدفقة إلى أسفل نهر الأردن ومن ثمّ إلى البحر الميت، مما تسبب في تقلص البحر الميت.  إسرائيل سيطرت على نهر الأردن الذي يعد أحد أهم المصادر المائية في الشرق الأوسط.  ويعد حوض نهر الأردن مشتركا ما بين فلسطين والأردن ولبنان وسوريا.  وعندما نتحدث عن حوض دولي مشترك، فنحن نعتمد على القانون الدولي الذي لا يمنح الحق لأي طرف من الأطراف المشاطئة لحوض دولي اتخاذ إجراءات دون موافقة سائر الأطراف المشاطئةلذا فنحن نعتبر أن تحويل مياه نهر الأردن غير قانوني، لأنه لم يتم بموافقة سائر الأطراف.  وبعد احتلال عام 1967 أصدرت إسرائيل الأوامر العسكرية التي اعتبرت المياه أملاك دولة.  فحرمنا من تطوير أي مصدر مائي، علما بأن الاحتلال كان يجبي الضرائب من السكان؛ ولكنه لم يستثمرها في بناء بنية تحتية في قطاع المياه كما يفرض عليه القانون الدولي.  وعندما استلمت منظمة التحرير السلطة حصلت على قطاع مشوه.  وفي أوسلو لم يتمكن الجانب الإسرائيلي من إصلاح التشويه الكبير في قطاع المياه.  أوسلو كانت اتفاقية سياسية كإحدى المراحل المؤدية إلى دولة ضمن مسيرة الشعب الفلسطيني للتحرر؛ وبالتالي تم تأجيل القضايا المذكورة، باعتبار أننا نتحدث عن مرحلة انتقالية فقط، حيث كان يجب أن نبدأ بعد خمس سنوات من توقيع الاتفاقية بمفاوضات الوضع النهائي.  وللأسف بدلا من أن تستمر المرحلة الانتقالية خمس سنوات فها هي الآن وصلت إلى اثنتي عشرة سنة.  وفقط بعد مؤتمر أنابوليس اتفق على البدء في مفاوضات الوضع النهائي.  وكل ما حصلنا عليه في اتفاقية أوسلو هو اعتراف إسرائيل بحقوقنا في المياه.  وقد وضعت، إثر ذلك، ترتيبات لإدارة قطاع المياه في الأراضي الفلسطينية، وتحديدا في المنطقة (أ)، وذلك من خلال لجنة المياه المشتركة المنوط بها تنفيذ البند 40 في اتفاقية أوسلو المتعلق بالمياه والمياه العادمة.  نعم لقد منحنا الإسرائيليون 80 مليون متر مكعب من المياه، لكن مسألة المياه ليست منفصلة عن سائر القضايا.  وهذا أحد أخطاء أوسلو، إذ لم تناقش قضية المياه ضمن ما يتم التوصل إليه في النواحي الأمنية والاستيطان والولاية القانونية على الأراضي.  وعلى سلطة المياه أن تطلب من إسرائيل تطوير شبكات صرف صحي أو محطات معالجة المجاري، حيث إن القانون يمنع إنشاء محطة معالجة مياه المجاري أو النفايات الصلبة بجوار منطقة سكنية، بل يجب أن تكون مثل هذه المحطات في الأراضي الخالية، وهذه المناطق تحديدا تعد مناطق (ج) حسب اتفاقية أوسلو، وهي تشكل نحو 60% من أراضي الضفة الغربية، وحيث لا نملك ولاية قانونية عليها.  وقد نحصل في اللجنة المشتركة على الموافقة لإقامة محطة معالجة، لكنهم يقولون لنا لاحقا إن هذه الأرض التي سننفذ فيها المشروع يجب أن نتوجه بخصوصها إلى "بيت إيل" (الإدارة المدنية الإسرائيلية).  بمعنى أننا لا نزال نعيش نفس ممارسات الاحتلال السابقة، مما أدى إلى عدم تمكننا من تطوير شبكة تصريف مجاري أو معالجة مجاري.  وللأسف يتهمنا الجانب الإسرائيلي بأننا نلوث البيئة أي فرضوا علينا القيود، ومن ثم يقولون انظروا مجاري نابلس وطولكرم، فإنكم لم تفعلوا شيئا لإصلاح الوضع، علاوة على حجز إسرائيل لأموال المقاصة التي بلغت 190 مليون شيقل.  بمعنى أنهم يمنعونا من إنشاء البنية التحتية، ومن ثم يقولون بأننا لا نعالج المجاري.  فكيف سنعالج المجاري في الوقت الذي يمنعنا الإسرائيليون من بنائها، بذريعة أنها ستؤثر على المستوطنات التي هي أصلا غير قانونية؟ 

فلنستند إلى القانون الدولي

شداد عتيلي (تابع):  نحن نتشارك مع الإسرائيليين في بعض الأحواض المائية الجوفية، فضلا عن نهر الأردن.  فالقانون الدولي هو الذي يحكم عملية التحصيص لهذه الأحواض.  إذن، فلنستند إلى القانون الدولي في مفاوضاتنا الحالية مع الجانب الإسرائيلي.  وهذه هي القوة الوحيدة التي يملكها الشعب الفلسطيني، ليس فقط في المياه بل أيضا في مفاوضاته في قضايا اللاجئين والمستوطنات والحدود وكل قضايا الصراع التي لا بد أن تستند فيها إلى القانون الدولي.  فنحن لا نستند إلى قوة عسكرية التي وللأسف لا نملكها.  وما يعطينا مصداقيتنا هو قضيتنا العادلة.  فحين يتظاهرون في تشيلي أو فرنسا يحملون العلم الفلسطيني باعتباره رمزا لقضية عادلة.  فنحن نعتمد على القانون الدولي كقاعدة عادلة لحل النزاع.  وحينما نتحدث عن المياه فنحن معنيون بحل هذا الصراع حول المياه، لأن أزمة المياه ترتبط بسائر القضايا، ولن يتم حل قضية معينة على حساب أخرى.  فيجب أن يكون حل عادل، علما بأنهم يتحدثون عن خريطة الطريق وحل الدولتين.  حل الدولتين يتطلب إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة؛  ولن تكون دولة قابلة للحياة دون كمية مياه كافية للسكان في الضفة والقطاع.  وحاليا لا توجد لدينا مصادر لمواجهة تزايد الطلب على المياه في غزة.  يوجد لدينا في غزة حوض إذا استخدمناه بشكل آمن يمكن أن يعطينا 45 – 50 مليون متر مكعب  من المياه التي مصدرها مياه الأمطار التي تغذي الحوض.  لكننا، حسب معطيات سلطة المياه، نسحب من الحوض 155 مليون متر مكعب.  فإذا كانت التغذية السنوية للحوض 50 مليون متر مكعب، فمعنى ذلك أن هناك 105 مليون تأتي من مكان آخر.  وهذه المياه الزائدة تدخل من البحر.  كما أن المياه غير المعالجة العائدة إلى الحوض تشكل أكثر من 30 مليون متر مكعب، وهذه، للأسف المياه التي يشرب منها أهالي غزة.  وحاليا لا توجد بدائل، علما بأن الأميركيين كانوا يخططون لبناء محطة للتحلية في غزة، فأوقفوا مشاريعهم هناك.  والجانب الإسرائيلي يضع عراقيل أمام تنفيذ المشاريع، مثل مشروع بيت لاهيا.  فالإسرائيليون يطلبون صورا لأي برغي أو ماسورة، وتفصيل عن المكان الذي سيتم فيه تركيب هذه الماسورة، كما منعوا إدخال الإسمنت اللازم لبناء الأحواض في القطاع.  وكلنا يذكر قتل الناس بمياه المجاري كما حدث في أم النصر العام الماضي.  والآن يسعى البنك الدولي وبعض الأطراف الدولية وفريق بلير إلى حل المشكلة، لأنه في حال انهيار الحوض الكبير في بيت لاهيا الذي يحوي 3 مليون متر مكعب مياه مجاري، فسيتضرر نحو 10 آلاف شخص.  بل إننا طلبنا، كإجراء لمرة واحدة لإنقاذ الأرواح، إرسال تلك المياه المعالجة جزئيا إلى البحر،  لكن الإسرائيليين رفضوا. 

 

فضل كَعْوَش:  المياه في ذلك الحوض تعالج معالجة أولية، إذ توجد عملية تهوية، ومعدل المياه المعالجة نحو BOD)) 50، وفي حال توفر معدات إضافية فيمكن أن تصل النسبة إلى (BOD) 30، وعندها يمكن إلقاء تلك المياه في البحر دون مشاكل، علما بأن الإسرائيليين يلقون مياه عادمة في البحر بنسبة (BOD) 60.

نتعلم من الأخطاء

شداد العتيلي:  نحن نواجه حاليا في غزة إشكالات كبيرة في مسألة المشاريع الدولية، بسبب الوضع السياسي القائم.  وما تقوم به حاليا سلطة المياه عبارة عن إدارة أزمة وليس إدارة قطاع المياه، لأن قضية حقوق المياه يجب أن تحل في إطار مفاوضات الوضع النهائي.  أما الآبار الموجودة في الحوض الغربي، بمنطقة قلقيلية وطولكرم، فهي تلك التي حفرت قبل عام 1967.  إسرائيل لم تسمح لنا بحفر أي بئر في الحوض الغربي.  والحفر فقط في الحوض الشرقي الذي يمتد من المناطق الجبلية هبوطا إلى أريحا، وبالتالي حفر البئر يحتاج إلى 600 – 700 متر، بمعنى أن الكلفة ضخمة، كما أن نوعية المياه في الحوض الشرقي أقل جودة من تلك التي في الحوض الغربي.  ومع إقامة الجدار الإسرائيلي تم ضم المستوطنات الواقعة أساسا فوق المناطق الغنية بالمياه إلى غرب الجدار، وهذه المناطق تحديدا هي التي يحتمل الاعتماد عليها في المياه مستقبلا، إذا ما قامت الدولة الفلسطينية.  إذن، حسب مسار الجدار، قيدت إسرائيل إمكانياتنا لتطوير المصادر المائية في الحوض الغربي.    

وقبل أن تقدم سلطة المياه طلبا إلى لجنة المياه المشتركة لإنشاء مشروع، المطلوب أن توفر التمويل أولا.  وبعد توافر التمويل، قد يستغرق النقاش في اللجنة سنوات طويلة، كما حدث في محطة المعالجة بنابلس حيث استغرق الأمر 9 سنوات حتى حصلت السلطة على الموافقة. ومن ثم تدخل الإسرائيليون في كيفية بناء المحطة، ووضعوا شروطا لا يلتزم بها حتى الألمان الذين ينفذون مشروع المحطة. وكذا الأمر في محطة طولكرم.

نحن الآن موعودون بحل الدولتين الذي قبلنا به، كما قبل به أيضا الإسرائيليون والمجموعة الرباعية.  إذن لا بد أن ينتج عن حل الدولتين دولة فلسطينية قابلة للحياة، أي تحتاج إلى المياه الضرورية لبناء الاقتصاد المعتمد على الزراعة.  لذا فإن المنطقة الأولى التي يجب على الإسرائيليين إخلاؤها هي منطقة الاستيطان في الغور الذي يعد سلة الغذاء الفلسطيني.  وحسب سلطة المياه، فإن مساحة الأراضي القابلة للري تبلغ نحو 250 ألف دونم.  ووفقا للحسابات فإن كل دونم يحتاج إلى 1000 متر مكعب، أي أننا نحتاج إلى 250 مليون متر مكعب مياه للزراعة فقط.  وإذا أضفنا إلى ذلك حل قضية اللاجئين، وعودة عدد كبير منهم إلى الدولة الفلسطينية، أفلا يحتاج هؤلاء إلى مياه للشرب.  يضاف إلى ذلك تزايد الطلب على المياه مع النمو السكاني.  إذن، لدى سلطة المياه مشكلة في كيفية تأمين المياه.  إذن يجب أن نأخذ حقوقنا المائية كما ينص عليها القانون الدولي.  ولن نقبل بأقل من الحصول على حقوقنا من نهر الأردن والأحواض المائية المشتركة، بالإضافة إلى الأحواض التي تحت سيطرتنا والتي نحن أحرار في التصرف بها كيفما نشاء، طالما أن هناك اتفاقية، وكما هم يراقبون علينا في الحوض المشترك بيننا وبين إسرائيل، فيجب علينا أيضا أن نراقب عليهم.  إذن، لن نكرر  ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية أوسلو.  فنحن نواجه المشاكل والأخطاء التي وقعنا فيها بأوسلو في المرحلة الانتقالية، وليس فقط في المياه بل أيضا في سائر القضايا، ونتعلم من هذه الأخطاء، وإذا ما تكررت هذه الأخطاء فستكون كارثة.

المياه بطبيعتها سلمية، ونحن لا نسعى أن تكون المياه سببا في إشعال النار في منطقتنا.  وأي حل عادل للمياه يعد مصلحة فلسطينية وإسرائيلية في آن معا.  لأنه إذا أديرت المياه كما تدار حاليا، فستتفاقم المشاكل البيئية، مثل قضية تقلص البحر الميت التي تعد مسألة إسرائيلية بحتة سببها تحويل إسرائيل لمياه نهر الأردن.  فإسرائيل لا تستطيع أن تواصل عمل ما تريد.  فغزة على سبيل المثال، يجب أن تحول لها المياه من نهر الأردن، لأن لا أحد، في القرن الواحد والعشرين، يرضى أن يشرب الناس مياه عادمة.  وحاليا، أكثر من 60 – 70% من الأمراض في غزة سببها المياه الملوثة والوضع الاقتصادي هناك.

القرار بيد ضابط المياه الإسرائيلي

جورج كرزم:  السؤال هو ما هي إمكانياتنا الفعلية على السيطرة والتحكم وإدارة الموارد المائية المتاحة.  فخلاصة ما قاله م. فضل ود. شداد، أن الوضع الذي كان سائدا قبل أوسلو، من ناحية التحكم الإسرائيلي التام بموارد المياه والإهمال المتعمد ومنع التطوير، لم يتغير، عمليا، بعد أوسلو.  فجوهر التعامل الإسرائيلي معنا حاليا، كما قبل أوسلو، يتجسد في أن "يتكرم" علينا الإسرائيليون ببعض كميات المياه الإضافية، كما يحلو لهم. فما أعطته أوسلو للسلطة في مجال المياه لا يختلف جوهريا عما كان قبل أوسلو.  فحفر آبار جديدة، وترميم الآبار القائمة وضخ المزيد من المياه وغير ذلك يحتاج إلى إذن من إسرائيل.  وحتى وجود الفلسطينيين في الأطر المشتركة مع الإسرائيليين هو شكلي.  إذ ذكر م. فضل "لجنة المياه المشتركة" التي، من الناحية الشكلية، تحوي عددا متساويا من الأعضاء الفلسطينيين والإسرائيليين.  وقد تتخذ هذه اللجنة "قرارات"، وقد تقدم لها المشاريع، وبغض النظر، توافر أم لم يتوافر التمويل لهذه المشاريع، إلا أن الأمر الأساسي و الجوهري هنا، أن السيطرة والتحكم الفعليين اللذين سادا قبل أوسلو لا يزالان سائدين حتى اليوم، وهما بيد ما يسمى الإدارة المدنية و"مكوروت" وضابط المياه الإسرائيلي الذي هو نفسه، وبنفس المسمى، كان يتحكم بقطاع المياه قبل أوسلو.  فليس المهم النواحي الشكلية مثل زيادة كميات المياه، أو حفر بئر هنا وبئر هناك، بل أهم من ذلك أن كل حركة فلسطينية مهما صغرت أو كبرت في قطاع المياه، تحتاج إلى "ترخيص" إسرائيلي.  بمعنى أن السلطة الفلسطينية، من الناحية الجوهرية، ارتضت أن تكون مكونا من مكونات نفس البنية الاحتلالية السابقة لأوسلو.  فالسلطة المطلقة على مصادر المياه بيد ضابط المياه الإسرائيلي في ما يسمى الإدارة المدنية، الذي يملك السلطة الفعلية على اللجنة المشتركة، إذ إنه يمارس حق النقض ضد قرارات اللجنة ورفضها، أو رفض أو قبول المشاريع الفلسطينية التي تقدم للجنة.  فجوهريا، وبغض النظر عن التفاصيل الفنية هنا وهناك، لا تزال السيطرة الفعلية على الموارد بيد الإدارة المدنية وضابط المياه الإسرائيلي، وهذا أيضا ما نصت عليه اتفاقيات أوسلو.  إذن، ومنذ البداية، ما دامت الأمور تسير منذ أكثر من اثني عشر عاما على هذا المنوال، وما دام أن الوضع الراهن لم يختلف عما كان قبل أوسلو، فما هو إذن الدور الفلسطيني في اتخاذ القرارات ورسم السياسات المتعلقة بتطوير مصادر المياه القائمة؟

 

تطوير المصادر يحتاج إلى موافقة إسرائيلية

فضل كَعْوَش:  هذه نقطة حساسة جدا.  موضوع المياه غير منفصل عن سائر المواضيع، بل إنه مرتبط بالكل، ونحن لا نزال نعمل ونخضع لاتفاقية مرحلية لم تنته بعد، للأسف الشديد.  وكان يفترض أن تنتهي الاتفاقية عام 1999، ولا يزال الإسرائيليون يخاطبوننا في إطار الاتفاقية المرحلية، أي أوسلو 2، بكل ما جمعت من جوانب أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية، ولا نزال نخضع لكل هذه الجوانب.  نعم، صحيح ما قاله الأخ جورج، فأي مسئول فلسطيني في موقعي وفي غير موقعي، لا يستطيع أن يقول بأنني أملك تخطيطا ما حتى سنة كذا وكذا.  فأي تخطيط غير ممكن ما دمنا لا نملك السيطرة على مصادر المياه.  ودعنا نفصل ما بين مصادر المياه والبنية التحتية.  أنا أستطيع أن أمدد مواسير أو أبني خزاناً حيثما شئت في مناطق (أ) و(ب)، فليست هذه المشكلة.  أما في أي عمل يتعلق بالبنية التحتية في مناطق (ج) فيحتاج إلى موافقة إسرائيلية.  لكن المشكلة الأساسية مع الإسرائيليين هي في تطوير مصادر المياه، في حفر آبار جديدة أو زيادة الضخ في الحوض الغربي.  فزيادة عمق البئر وزيادة إنتاجيته أو شراء مضخة جديدة يحتاج إلى موافقة إسرائيلية.  فهم يريدون معرفة أين ستوضع المضخة.  والآن يحجز الإسرائيليون 25 مضخة لمنطقة جنين، لأنهم يريدون معرفة أين ستوضع المضخات ولمن.  فقدمت لهم قائمة توضح هذه الأمور.  التركيز الإسرائيلي هو على الحيلولة دون ضخ كميات مياه إضافية، وبخاصة في الحوضين الغربي والشمالي الشرقي.  والمقصود بالحوض الغربي جميع المياه المنحدرة باتجاه البحر المتوسط غربا، ابتداء من قمم الجبال نزولا إلى قلقيلية وطولكرم وجنين، وهكذا.

أما ما قاله الأخ جورج بخصوص اتخاذ القرار في التخطيط، كسلطة مياه، فالمجال الوحيد الذي نحن مقيدون ومشلولون به، ولا نستطيع التخطيط به، هو تطوير مصادر المياه بالكيفية التي تغطي العجز الموجود.  فلدينا الآن عجز بـ 60 مليون متر مكعب من المياه، وأستطيع أن أفصل لك أين يتوزع هذا العجز.  لكن لو سألتني ما الحل؟  فأقول لك إني أريد بئرا في طوباس وبئرين في أبو عرب وأخرى في اليامون، لكن هل أستطيع حفرها؟  بالطبع لا.  فأنا أعرف تماما ما الذي أريده، فلدي الآن مخطط هيكلي كامل.  وكي لا نجلد أنفسنا، فنحن نملك مخططات كاملة شاملة وتفصيلية.  لكن المشكلة تكمن في آلية تنفيذها.  فلو أتيح لي أن أحفر آباراً في جنين، فأستطيع فورا أن أقول لك أين ستحفر تلك الآبار، لكن هل يسمح لنا؟  كلا، ممنوع.  لذا فإن الموضوع يتعلق الآن بالقيود الإسرائيلية، ونحن لا نزال، للأسف الشديد، في إطار عملية سلام انتقالية، وحاليا نخوض معركة الوضع النهائي.  حيث لا بد أن نحل مشاكلنا كلها بشكل مترابط، فالمياه مرتبطة بمسألة الحدود.  فإذا لم يعترفوا بحدودنا مع الأردن، فلن نحصل على حقوقنا في نهر الأردن، باعتبارنا طرفاً مشاطئاً في نهر الأردن.  فهل يعترفون بهذه الحدود؟  يقول الإسرائيليون دع هذا الموضوع لمرحلة لاحقة.  ففي أول غذاء عمل مع رئيس الوفد الإسرائيلي لفني، مؤخرا، قال لي الأخير:  سيد كعوش لا تتحدث معي عن موضوع نهر الأردن لأنه موضوع سياسي.  سألته لماذا؟  قال هذا الموضوع له علاقة بالقيادة العليا.  فأخذت الأمور تتعقد.  وكي نكون أمناء وصادقين مع أنٍفسنا، فالعملية التفاوضية كلها ليست سهلة إطلاقا، وليس فقط موضوع المياه.  لكن، عند الحديث عن المياه، فمشكلة الإسرائيليين ليست أنهم لا يريدون منحنا المياه، بل، إذا هم يريدون السلام فعلا، فاحتياجاتنا للمياه ليست مشكلة بالنسبة لهم، سواء 200 أو 300 مليون متر مكعب، فهم، في حال أنهم ينشدون السلام ويريدون التنازل، يستطيعون توفيرها، وليست المسألة بكميات المياه.  صحيح أنهم يريدون هذه المياه، لكن إذا كانت المسألة تضحية من أجل أن يكسبوا أمورا أهم بالنسبة لهم، مثل الاعتراف بهم كدولة هنا واعتراف العرب بهم، وأن يكون لهم سفراء عرب في القدس، فالمطلوب أن يعطونا حقوقنا، فهذه ليست مياههم.  فلا يجوز أن نأخذ المياه ونقول بأن المشكلة بيننا وبينهم أن الإسرائيليين مسيطرون على مصادرنا المائية، ونحن نريد أن نسترد مياهنا.  ليست هذه المشكلة إطلاقا. فالموضوع متشابك ومترابط.  ففي الجانب الأول، نعم هم يريدون المياه، لأنهم يضخونها على شمال النقب، لكنهم يريدون ما هو أكثر من الماء، كما ذكرت في بداية حديثي، هم يريدوننا أن نبقى راكعين ونتوسل لهم بمنحنا المياه.  هذا ما حصل في يطا عام 1998 عندما توسل لهم الفلسطينيون بإعطائهم الزيت مقابل الماء، لتر زيت مقابل متر مكعب ماء.  وهذا ما يحصل دائما.  هناك مفهوم إسرائيلي معروف مفاده أن الفلسطيني إذا لم يعد بحاجة للإسرائيلي، فعندها الويل للإسرائيلي.  فالإسرائيلي يريد أن يبقى الفلسطيني بحاجته دائما.  فعلى الفلسطيني أن يتوسل للإسرائيلي:  أعطني، من فضلك، ساعدني.  فالماء هو الحياة.  فإذا توسل إليك أحدهم بأن تمنحه الماء ليشرب ويزرع، فمعنى ذلك أنك تحكمه وتسيطر عليه كليا.  فهذا هو لب الموضوع.  فمن خلال الماء يريدون إخضاعنا وربطنا بهم والتحكم بنا.  علاوة على أنهم لا يريدون لنا اقتصادا محترما فيه الصناعة والزراعة، بل يريدوننا أن نبقى عمالا لديهم بأجر يومي.  هذا هو المطبخ الإسرائيلي.  فالماء هو الأساس، ومن دونه لا وجود للزراعة والصناعة.  وفي مقابلة متلفزة مع مستوطنة من "بيت إيل"، سألت الأخيرة عن رأيها في السلام، فقالت نحن مع السلام لكن فليرحل العرب أولا من هنا. 

 

جهل المفاوضين

رشا عمر:  قال الأستاذ جورج ما كنت سأقوله تقريبا.  لكن ما أود التنويه إليه أن الصراع على المياه أبدي.  فعبر التاريخ، كان المتحاربون يستولون دائما على مصادر المياه والأنهار.  فهذا السلاح كان يستعمل دائما.  فخلال إعدادي لوحدة المياه في كتاب "الدليل المرجعي في التربية البيئية"، قرأت عن الاتفاقيات ومصادر المياه وتاريخ المياه.  وقد استنتجت بأن هناك أكثر من مشكلة، وأولها الاتفاقيات.  فأنا لا أعرف دور أو تركيبة الوفد الفلسطيني السابق والحالي.  فهل الموجودون في ذلك الوفد خبراء في المياه أو في القانون الدولي أو خبراء في عملية التفاوض، وهل كان هناك أصلا تفاوض؟  فقد اكتشفت من نصوص الاتفاقيات أنه لم يكن هناك فهم فلسطيني لما يجري، وكان هناك جهل، فالمفاوضون الفلسطينيون ذهبوا إلى المفاوضات دون سلاح المعرفة.   فلا يمكن لخبير أن يقبل فعلا بالبنود الواردة في الاتفاقيات حول المياه.  

المسألة الثانية تتعلق بنهر الأردن، ومنذ اتفاقية جونستون كنا مظلومين.  وكانت هناك بضع اتفاقيات وأشهرها جونستون التي كانت مجحفة جدا بحق الفلسطينيين والأردنيين.  فلماذا منذ تلك الاتفاقية وحتى اليوم وافقنا على الخضوع للإملاءات الأجنبية.  فمنذ اتفاقيات الثلاثينيات والأربعينيات كانت جميعها مجحفة جدا بحقنا، ومع ذلك رضينا بها.  فيجب أولا حل مشكلة نهر الأردن، حيث إن الإسرائيليين حولوا كل روافده، ولا يوجد نهر عمليا للتفاوض حوله، فنحن نتكلم عن شيء غير موجود أصلا.  فالسؤال الكبير هو: لماذا نحن مجبرون أن نعطيهم مياهنا، إذا كان الحديث يدور عن إقليم بلاد الشام الذي يضم أنهارا في الأردن ولبنان وسوريا، حيث يطالب العرب هناك بكل هذه المياه، فلماذا إذن لا يحق لنا المطالبة أيضا بمياه بحيرة طبرية، علما بأن هذا حقنا؟  فيجب أن تكون هذه المياه مدرجة في المفاوضات، وليس فقط الأحواض المائية الموجودة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

الإسرائيليون أغلقوا بقرار عسكري حتى الآبار المائية التي كانت أصلا محفورة من قبل عام 1967، فالآن كل بيارات البرتقال في طولكرم شبه جافة، علما بأنه أينما كان يحفر بئر كانت تتدفق منه المياه، وهناك العديد من الآبار الجوفية في المنطقة، أما الآن فلا وجود لمياه للشرب ولا لري المزروعات.  والآن جففت الأراضي الزراعية وبنيت فيها قاعات أعراس وغيره.

معظم مياهنا تذهب إلى المستوطنات.  فيفترض التعامل مع المستوطنات باعتبارها غير شرعية، ويجب إزالتها جميعا، وقبولنا بوجود مستوطنة واحدة يعني أننا سوف نبقى نعيش في المشكلة.  فهل من المسموح للمستوطنين أن يسبحوا ويلعبوا في مياهنا ويبنون برك سباحة ونحن ممنوعون من شرب الماء؟

 

فضل كَعْوَش:  ليس سرا القول بأنه لم يكن هناك استعداد في المفاوضات المرحلية، ليس فقط في مجال المياه، بل وفي المجالات الأخرى.  أنا شخصيا كنت مشاركا في مفاوضات المياه.  وحينما كان الحديث يدور عن الحدود والأرض، كنت أرى اليهود، وبخاصة العسكريين منهم، مزودين بكل المعلومات، ليس التعليمات بل المعلومات على خرائط كاملة، أما نحن فلم يكن بأيدينا سوى المسبحة. 

 

 جورج كرزم:  لماذا رضيتم، إذن، الاستمرار في هذا الوضع المهين؟

 

شداد العتيلي:  كان ذلك قرارا سياسيا.

 

فضل كَعْوَش:  أنا في المياه، ولا أستطيع القول لا أريد أن أتفاوض، أم أن أقول لوزير الداخلية الحالي الذي كان عضوا في الوفد المفاوض أين خريطتك.  وليس لدينا أسرار.  ربما هناك أمور لا نعرفها.  فعندما كان الإسرائيليون، على سبيل المثال، يقولون بأنهم يريدون شق طريق التفافي من رام الله إلى القدس، كانوا يرسمون الطريق على الخريطة بقلم رصاص، ليس حسب الأصول الهندسية، من ناحية عرضها وحرمها وإجراءاتها. 

 

جورج كرزم:  الاتفاقات التي وقع عليها الفلسطينيون سمحت لهم بإقامة الطرق الالتفافية.

 

فضل كَعْوَش:  عندما أخذوا منا الموافقة ووقعنا لهم على إقامة الطريق، باعتبار أنها مؤقتة، حيث ستزال المستوطنات فيما بعد، منعنا تلقائيا من مد أنبوب مياه في نفس المنطقة، لأنها لم تناقش أصلا.  فدعنا نعمل نقدا ذاتيا.

 

شداد العتيلي في سياق النقد الذاتي نتعلم من أخطائنا.  أفضل ما تسمعه الآن، أخ جورج، أننا نعترف بوجود أخطاء سابقة.

 

إعداد مهني جيد

فضل كَعْوَش:  رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض (ركناتي) لم يكن خبير مياه، بل جنرال عسكري لا علاقة له بالمياه ولا يفهم بالمياه.  وكان مرتبطا مباشرة برابين، رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، وهو الذي فاوض الأردنيين ووقع معهم اتفاقية وادي عربة، كما فاوض السوريين وأوشك أن ينجز اتفاقا معهم.  وكان معه مستشار قانوني وآخر فني، وفريق مساعد.  وكان هو صاحب القرار.  وإذا حدثت آية مشكلة فكان يطلب استراحة لخمس دقائق، يتصل أثنائها برابين، لأن علاقته برابين مباشرة.  وأذكر في إحدى المرات حضر وزير الزراعة الإسرائيلي المفاوضات، وهو نفسه وزير المياه، وكان أبو العلاء (أحمد قريع) أيضا.  فأراد وزير الزراعة أن يتدخل ويتكلم مع أبي العلاء، فقال له "ركناتي"، أسكت، ليس أنت الذي تتكلم الآن بل أنا.  فتشاجرا باللغة العبرية، ثم خرج وزير الزراعة وترك القاعة.   ما أقصده هو أن آلية ومرجعية المفاوضات المرتبطتين بالمطبخ السياسي الأعلى كانت واضحة، فكانت خططهم واضحة، وكانوا يعرفون بالضبط ما يريدون.  نحن كان لدينا خبراء مياه، ومن أفضل الخبراء الذين يفهمون في المياه والأحواض المائية والنواحي الفنية، لكن المسألة ليست فقط علوم مياه.  وكان معنا أربعة محامين غير مختصين في المياه.  ولغاية الآن،  لا يوجد في الضفة والقطاع قانونيون مختصون في مجال المياه وقانون المياه.  وكنت أحيانا أخرج خارج القاعة لمراجعة بعض الكلمات، فكان محامونا يتأسفون لعدم معرفتهم في الموضوع.

وحاليا، ومنذ نحو ثماني سنوات، تداركت دائرة شؤون المفاوضات هذا الموضوع، وهي تجري متابعة بالملفات والمختصين وأصحاب الاختصاص.  وقد عقدت دائرة شؤون المفاوضات ورش عمل على مستوى خبراء عالميين في القانون الدولي، مثل الدكتور صلاح عامر وستيف مكافي، وهم مستشارون لنا، وأسماؤهم محترمة دوليا ويعدون من واضعي القانون الدولي.  والآن نفحص كل شيء نريد عمله، وليس كما في السابق.  فليست المشكلة أن نعرف الرقم أو لا نعرفه، أو أن مكان الينبوع هنا أو هناك.  فإن شاء الله يكون للوفد المفاوض، هذه المرة، آليته، على الأقل في مستوانا نحن، أي المستشارين القانونيين والفنيين، ولغاية الآن الوضع جيد.

 

شداد العتيلي:  المفاوضات أمانة وأداء أكثر من كونها تشريفاً.  لأن الفريق المفاوض يفاوض لحقوقه أو عن حقوقه، والمفاوض لا يفاوض بصفته الشخصية، بقدر ما أنه يمثل الشعب الفلسطيني.  وليس المتفاوضون فقط الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بل هناك اللاعب الأميركي والأروبي، واللاعب الدولي والقانون الدولي.  أي هناك العديد من العوامل المؤثرة.

 

فضل كَعْوَش:  يتساءل الشارع، وبالضبط كما طرحت الأخت رشا، هل نحن مستعدون؟  نعم هناك إعداد واستعداد مهني جيدان على المستوى المطلوب، ولا أبالغ في القول بأننا أفضل من الإسرائيليين الذين في مستوانا.  لكن إذا كان هناك مطبخ سياسي فهذه مسألة أخرى.  وعلى المستوى المهني واللفظي والإعداد الشخصي الوضع جيد.  ولا حاجة لما يطرح حاليا حول كوننا مستعدين أم غير مستعدين.  فالاستعداد موجود بالمرجعيات والمعلومات والاستشارات والأخصائيين، ونعرف ما نريد، لكن هذا لا يكفي لأن العملية التفاوضية متكاملة. 

 

شداد العتيلي:  كجانب فلسطيني، حصلنا مؤخرا على جميع الوثائق المتعلقة بمفاوضات جونستون، بعد أن تم الاحتفاظ بها مدة 50 سنة.  حيث أحضرنا جميع هذه الملفات من الأرشيف الأميركي، وقد كتب عليها "سري للغاية".  وأجرينا دراسة معمقة لمحاضر الجلسات بين جمال عبد الناصر والمبعوث الأميركي والجانب الإسرائيلي، علما بأن المفاوضات جرت بين الجامعة العربية وإسرائيل.  وقد تم تحصيص مياه حوض نهر الأردن.  وحيث إن الضفة الغربية كانت تتبع إداريا للأردن، فقد منحت حصة الضفة الغربية ضمن الحصة الأردنية.  وقد اتفق على المستوى الفني، إلا أن جمال عبد الناصر وسائر الزعماء العرب رفضوا التوقيع، بسبب رفضهم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي الذي أُنشئ على الأرض الفلسطينية.  ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، حين يتم الحديث عن نهر الأردن يعودون إلى مسألة التحصيص في عهد جونستون.  لكن مفاوضات جونستون كانت قبل أكثر من خمسين عاما، والآن نحن نطالب باتفاقية تحدد الاستخدام المنصف والمعقول.  وقد نضطر إلى الاستعانة بخبراء ليوضحوا ما المقصود بالاستخدام المنصف والمعقول.  نحن بحاجة إلى اتفاقية عادلة، وليس الشعور بأن الإسرائيليين مارسوا علينا القوة.  لأن أية اتفاقية غير عادلة سوف لن تنهي هذه الأزمة وهذا الصراع. 

 

إسرائيل تتحكم بتفاصيل التفاوض

جورج كرزم:  بغض النظر عن الاستعدادات القائمة، والمعطيات والمعرفة والخرائط والمستشارين الدوليين المعروفين وذوي المصداقية الدولية، فقد تكون استعدادات الجانب الفلسطيني في هذا المجال أفضل من الإسرائيليين، إلا أنه في نهاية المطاف، حين الحديث عن المفاوضات، فإن بعدها السياسي الاستراتيجي أهم من التفاصيل الفنية والأرقام والكميات وغيره.  فالمفاوضات هي تجسيد لنتيجة الخلل في موازين القوى والتي تنعكس على المفاوضات ذاتها.  لذا، وحيث إن المفاوضات حول المياه تعد مفاوضات حول مسألة أمنية استراتيجية من الدرجة الأولى لكلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وهكذا يتعامل الإسرائيليون مع هذه المسألة، فإن السؤال الأساسي والجوهري والاستراتيجي هو:  بغض النظر عن حقوقنا المشروعة، فإلى ماذا سيستند "المفاوض" الفلسطيني في "مفاوضاته" حول المياه، في ظل غياب أية قوة مادية حقيقية ضاغطة على الأرض تمكن "المفاوض" من انتزاع حقوقنا في السيادة على مواردنا واستخدامها وإدارتها؟  فأوسلو "اعترفت" بالحقوق المائية للفلسطينيين، لكنها أجلت التفاوض على التفاصيل لمفاوضات المرحلة النهائية، وهذا هو بيت القصيد.  إذ إن إسرائيل هي من يحدد التفاوض على التفاصيل، أي طريقة التفاوض، والتحكم بتفاصيل هذا التفاوض على التفاصيل.  وفي المحصلة النهائية، عندما يكون طرفان في المفاوضات، أحدهما الأقوى والمسيطر عسكريا على الأرض  وعلى مصادرنا ومواردنا، والآخر هو الأضعف، فضلا عن أن جوهر هذه السيطرة بعد أوسلو، لم يختلف  عما كان قبل أوسلو، فإن الطرف الأقوى في المفاوضات هو الذي يفرض شروطه على الطرف الأضعف.  وهكذا كان الوضع في كل المفاوضات التي جرت في العالم. 

 

د. شداد العتيلي:  نحن نعتمد على الحل العادل لهذا الصراع.  فلن نجبر الشعب الفلسطيني على قبول أية اتفاقية، وكما ذكرت القيادة السياسية الممثلة بالأخ أبو مازن فإن ما يتم التوصل إليه في المفاوضات سيعرض للاستفتاء.  فإن أية اتفاقية غير عادلة في مسألة المياه سترفض من قبل الشعب الفلسطيني.  فمن مصلحة إسرائيل والدول الكبرى إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.  صحيح أننا نتحدث عن القانون الدولي، إلا أن على الجميع إدراك أنه من دون  اتفاقية عادلة بحق الشعب الفلسطيني، تتضمن حلا عادلا لقضايا اللاجئين والحدود والمياه والمستوطنات، لن تكون هناك اتفاقية وسيتواصل الصراع. 

 

"نحن وحظنا"

فضل كَعْوَش:  أولا نحن راهنا على السلام وعملية السلام.  وأعلنت القيادة السياسية بأنه لا يوجد حل لمختلف القضايا إلاّ من خلال المفاوضات،  ولا تزال تقول نفس الكلام.  إذن التوجه ليس عسكريا، بل التوجه هو تفاوضي.  إلا أن المفاوضات تحتاج إلى العديد من المقومات والمرجعيات:  القدرة التفاوضية، الدعم والمساندة للمفاوض الفلسطيني، المنطق الذي نستخدمه للتفاوض، ومدى كسبنا للضغط الدولي.  وما دام لا توجد لدينا القوة التي تعيد لنا حقوقنا، بالقوة، فمعنى ذلك أننا نضغط على المجتمع الدولي كي يضغط على إسرائيل لتتراجع عن كذا وكذا.  إذن التوجه هو نحو ممارسة الضغط الدولي، ولكن ليس "تقبيل اللحى"، بل أن نكون مقنعين للناس الذين نريد أن يؤيدونا.  وأثناء مفاوضات المرحلة الانتقالية، وعبر لؤمهم المعهود، جاءني الإسرائيليون قائلين:  يا سيد كعوش ما هي كمية المياه التي تريدونها في طولكرم وقلقيلية وغيرها، أي، وقبل أن نبدأ في الحديث عن حقوق المياه والجوانب السياسية، تعاملوا مع الموضوع باعتباره مسألة احتياجات، وكأننا نطالب بكميات معينة من المياه.  فلو طلبنا، على سبيل المثال، 50 مليون متر مكعب، فسيقول لي الإسرائيليون لا، لا نستطيع إعطائك خمسين بل فقط ثلاثين.  ففي موضوع المياه تحديدا، علقت المفاوضات المرحلية ستة أشهر، ولم نجلس سوى دقائق، إذ بقي الموقف الفلسطيني على حاله في كل جلسة جديدة، حيث كنا نطرح نفس الموقف للإسرائيليين حول حقوقنا في المياه ونهر الأردن وغيره، فكانوا يبلغوننا بأنهم ليسوا على استعداد لسماع كلامنا حول هذه النقاط أو تلك، وتفضلوا اخرجوا.  فلم يكن الإسرائيليون على استعداد لسماع شيء اسمه حقوق مياه.  وليس سرا أن مسألة حقوق المياه طرحت من قبل الإسرائيليين كورقة مساومة.  فبعد انتهاء المفاوضات في جميع اللجان التفاوضية المرحلية عام 1994، والتي ناقشت بسلاسة قضايا البيئة والاقتصاد والتجارة، وحصل الإسرائيليون على اتفاق في جميع اللجان ما عدا مجال المياه.  وفقط في اليوم الأخير، قال أبو العلاء لرئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض، بأننا نعتبر جميع الاتفاقيات التي تم التوصل لها خلال مفاوضات استمرت أكثر من تسعة أشهر، لاغية بالكامل إذا لم نصل إلى اتفاق حول المياه، وإلا لا لزوم لمواصلة المفاوضات.  فعندها اتصل الإسرائيليون بشمعون بيرس، وطلبوا من أبي العلاء إمهالهم فرصة للأخذ والعطاء، حتى تم التوصل، بعد نحو ساعتين، إلى البند القائل باعتراف الجانب الإسرائيلي بالحقوق المائية للفلسطينيين.  بينما، قبل ذلك، أصر الإسرائيليون على أن لا وجود لشيء اسمه حقوق مائية. 

أما بالنسبة للمفاوضات القادمة، فلن نذهب بالكلاشنكوف والدبابة، بل إن قوتنا، كفلسطينيين، تكمن في مدى إدراكنا لطبيعة حقوقنا، وماذا نريد.  فنحن نتحدث بكل قوة بأن لدينا حقوقا في الأحواض المشتركة.  والقوة الضاغطة على إسرائيل هي القوة الدولية، وليس أبو العلاء أو أبو مازن أو صائب عريقات أو غيرهم.  فالأمر يتعلق بالتعليمات لـ "أولمرت" بأن الفلسطينيين شركاء في نهر الأردن.  وحاليا نحن نطالب بكمية 50 مليون متر مكعب مؤقتا لحل مشكلة الأغوار، وبعدها سنتفاهم على مسألة الحقوق.  وأنا لا أعرف كم سيكون الضغط الذي سيمارس على الإسرائيليين، ولا يوجد لدي كلام أقوله بهذا الخصوص.  فنحن وحظنا مع العالم.

 

رشا عمر:  يقول لنا جميع المسئولين الإسرائيليين "اشربوا مياه البحر".  وإذا احتجتم للمياه فاعملوا على تحلية مياه البحر. 

 

تزوير الواقع القائم

 جورج كرزم:  صحيح أن اليهود اعترفوا بالحقوق المائية الفلسطينية.  لكنهم رحّلوا التفاوض على التفاصيل إلى ما يسمى مفاوضات المرحلة النهائية.  وفي حينه قال شمعون بيرس إن إسرائيل لن تسمح للفلسطينيين بالحصول على أية قطرة ماء إضافية من المصادر المائية التي تسيطر عليها إسرائيل حاليا.  والتفاصيل بالنسبة لإسرائيل هي التفتيش عن مصادر خارجية، أو استيراد المياه في حالة غزة، وقد ذكرت هذه المسألة من خلال ال USAID، بحيث نستورد المياه من تركيا ومصر، ومن إسرائيل التي سنشتري منها نفس المياه التي تنهبها منا.  ويركزون كثيرا على إعادة تدوير المياه العادمة، وغير ذلك الكثير من التفاصيل.  بينما لا يتحدثون عن الموارد المائية التي يسيطرون عليها.

أما بالنسبة إلى نهر الأردن، فهو عبارة عن منظومة، وليس فقط مكاناً صغيراً محدداً، بل يتداخل فيه أيضا العديد من الأنهار الفرعية والروافد.  كما تعد بحيرة طبرية جزءا من منظومة النهر.  فلدى حديثنا عن حقوقنا في المياه السطحية، وليس فقط الجوفية، لا بد من الأخذ بالاعتبار أيضا بحيرة طبرية، علما بأن الإسرائيليين، ومنذ سنوات طويلة، ينهبون سنويا من برة طبرية أكثر من 600 مليون متر مكعب من المياه ويحولونها إلى صحراء النقب. 

وكما ذكر الأخ فضل، يتحدث الإسرائيليون، أيضا أثناء المفاوضات، بنفس يتسم بالعجرفة والعنجهية، تماما كما يتعاملون مع شعبنا يوميا خارج المفاوضات.  هكذا أيضا تعاملهم مع لجنة المياه المشتركة وسائر اللجان المشتركة.  ومن الطبيعي أن يتعامل المحتل بهذا النفس المتغطرس عسكريا، لأنه في نهاية المطاف، هذا ما يقرر  على الأرض، بغض النظر عن العدالة والحقوق وما إلى ذلك.  لكن، من الناحية الأخرى، غالبا ما يكون السلوك التفاوضي الفلسطيني وكأن المفاوضين هم الذين يملكون السيادة والسيطرة على مواردنا ومياهنا في دولة حرة ومستقلة، ويسمحون لأنفسهم بالانزلاق في عمليات سياسية يبدو ظاهرها ذات صلة بالموارد والبيئة والمياه وغيره، لكن باطنها سياسي أمني استراتيجي من الدرجة الأولى.  وعلى سبيل المثال، قضية البحر الميت وقناة البحرين (الأحمر – الميت).  فبالرغم من أن السلطة، في نهاية المطاف، هي مجرد سلطة حكم ذاتي، إلا أن إسرائيل والأردن قد ضمتا السلطة للتفاوض في قضية سيادية، علما بأننا لا نملك السيادة.  ربما الأردن، كدولة، يملك شيئا من السيادة، علما بأن الإسرائيليين لم يعطوا الأردن حقوقه حسب الاتفاق الموقع معه في وادي عربة.  فيحق للأردن، كما ينص الاتفاق الموقع بينه وبين إسرائيل، تحويل المياه من نهر الأردن، ويحق له الاستفادة من المياه الجوفية في وادي عربة، وأيضا من مياه نهر اليرموك.  وبالطبع فالأردن لا يحصل على شيء من كل ذلك.  وحتى الآن لم تسمح إسرائيل للأردن تحويل الحد الأدنى من حصته من مياه نهر الأردن، كما أقرت له اتفاقية وادي عربة.  ومع ذلك فالأردن يعتبر دولة ذات سيادة ويشارك في مفاوضات قناة البحرين.  أما نحن الفلسطينيون فلا نشكل دولة ولا نملك السيادة، ومع ذلك فنحن نشارك في قضية خلافية تعبر عن شكل من أشكال السيادة.  أما إسرائيل فتملك السيادة المفروضة على الشعب الفلسطيني بالقوة العسكرية، كمحتل.  وكثيرا ما نتعامل مع هذه القضايا باعتبارنا دولة ذات سيادة.  وعلى سبيل المثال، ذكر في الماضي ولا يزال يذكر في وسائل الإعلام الفلسطينية والإسرائيلية، وبخاصة لدى التوقيع على اتفاقية دراسة الجدوى لإنشاء قناة البحرين، أن ممارسات الدول المشاطئة للبحر الميت ونهر الأردن هي التي أدت إلى تدهور وضع البحر الميت وتراجع مستواه بأكثر من الثلث عما كان في الستينيات، نتيجة لاستنزاف مياه نهر الأردن المغذية للبحر الميت أو استخدامها الزائد من قبل الدول المشاطئة له.  أي يتم وضع الفلسطينيين على قدم المساواة في عملية استنزاف مياه نهر الأردن.  ولم نسمع أي اعتراض من المفاوض الفلسطيني على هذا الادعاء.  وبالطبع هذا ليس صحيحا، بل تشويها للحقائق، لأنه لم يكن لدينا ذات مرة، ولا يوجد لدينا حاليا، أي نوع من السيطرة أو السيادة على مياه نهر الأردن، وبالتالي وضعنا على قدم المساواة وبشكل متكافئ مع الإسرائيليين بشكل خاص، بل ومع الأردنيين، وكأننا لعبنا دوراً في التدهور الحاصل في البحر الميت، غير صحيح وهو ليس أكثر من تزوير للواقع القائم.

الحمّة السورية هي فلسطينية أصلا

فضل كَعْوَش:  أنا معك مئة بالمئة، ويا حبذا أن يحتل هذا الموضوع وسائل إعلام أكثر، لأنه يبدو أننا بحاجة إلى أن نفهم بعضنا بعضاً ونُفهّم الناس لماذا هكذا هو الوضع، بل يوجد تعتيم على الكثير من القضايا.  ومرات كثيرة نُجْلَد في غيابنا، ويقال لنا ذهبتم إلى كذا وعملتم كذا.  فنحن ننظر إلى حوض نهر الأردن باعتباره حوضا متكاملا مساحته 18100 كم2 ، ابتداء من حدوده مع لبنان وبما في ذلك البحر الميت.  أما مساحة صدع الحوض، أو الانهدام من أقصى الشمال وحتى البحر الأحمر فهو 40 ألف كم2.  يعد هذا النهر حوضاً دولياً مشتركاً، وتتزود فروعه بالمياه من أكثر من دولة هي لبنان وسوريا والأردن وفلسطين؛ وهو، حسب التعبير القانوني، مجرى دولي.  وفيما يتعلق بإشارتك إلى بحيرة طبرية، فهي، بالطبع، جزء من هذا الحوض.  ولذا، قلت سابقا بأن الحدود السياسية هي الأساس.  فإذا ثبتنا حدودنا مع الحمة، حيث يوجد مثلث كًعْوَش، على اسم عائلتي.  وأذكر أن أبا عمار أعطاني أنا وأبا العلاء في تونس، صورة جوية للمثلث الذي مساحته 8 كم2، وقال لي بأن لدينا مثلث كعوش والضفة وغزة.  فيا حبذا تعيد لنا القيادة السياسية هذا المثلث الذي يعد فلسطينيا بالفعل، واحتلته إسرائيل من سوريا، فالحمة السورية هي في الواقع الحمة الفلسطينية، فنحن حدودنا في المياه مع اليرموك، وهذا حقنا، باعتبارنا مشاطئين لليرموك.  فحين نتحدث عن حقوقنا في حوض نهر الأردن، ندرج أيضا حقوقنا في اليرموك وكل روافده.  ويضخ الإسرائيليون حاليا من الطابغة (في بحيرة طبريا) ولا يوجد تصريف لنهر الأردن، وهو حاليا ملوث وتتدفق فيه مياه المجاري والنفايات السائلة.  وحقوقنا في نهر الأردن ثابتة، باعتبارنا طرفا مشاطئا ولنا حقوق تاريخية، لكن ما نحتاجه هو قوة وإدراك المفاوض الفلسطيني، إلا أن الأمر يرتبط بالحدود السياسية.  فإذا جاءنا قائد فلسطيني واعتبر أن حدودنا خمسة كم إلى الداخل، فعندها لن نبقى مشاطئين، وسنخرج بلا شيء.  فحدودنا هي المياه، وهذا هو الأهم.

أما بالنسبة لما قاله الأخ جورج حول المفاوض الفلسطيني وأساسياته، فأقول بأن الاستراتيجية التفاوضية هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، إذ إن لهذه الاستراتيجية مرجعية، وتعد الأوراق تباعا في جميع هذه المسائل، ويتم الإعداد لكل اجتماع بشكل منظم، ونستعين بالمستشارين عند الحاجة.

وينفذ الإسرائيليون حاليا مشاريع تحلية ضخمة.  ويخططون لتحلية 500 مليون متر مكعب من المياه في عسقلان والخضيرة.  ويضغط الإسرائيليون باتجاه أن الاحتياجات القادمة كبيرة، لذا يجب الإسراع في برنامج التحلية.  والسؤال لماذا لم يبدأوا بعمليات التحلية منذ إنشاء كيانهم؟         

وتأكيدا لكلام الأخ جورج، فإن الإسرائيليين، ومنذ بدأ مسار متعدد الأطراف، عام 1993، في مفاوضات المرحلة الانتقالية في جنيف، حيث شاركت أربعون دولة، كانوا يقولون بلغة أخرى، وتحديدا على لسان رئيس الوفد الإسرائيلي كاتس عوز (وزير الزراعة)، بأن "الفلسطينيين غير موضوعيين وغير واقعيين ويطالبون بشيء غير موجود، إذ لم تعد توجد مياه للتفاوض حولها، ولسنا مستعدين أن نتفاوض على مياه مستخدمة".  ومعنى "غير قابلة للتفاوض" أن مياه نهر الأردن والمياه الجوفية انتهت.  وقد لمسنا في السنوات الماضية عصرا سيئا معهم، حيث أنهم، وعلى لسان أعلى المسئولين، يدفعون بقوة وعبر إغراءات مختلفة، باتجاه بيعنا مياهاً محلاة، مدعين بأنه لا يجب الانتظار، فلا توجد أحواض مائية، وهم على استعداد لبيعنا مياها من البحر.  وقد قيل على لسان أعلى المسئولين الإسرائيليين، وبكل وقاحة، إن معاناة العطش التي يواجهها الفلسطينيون هم (أي الفلسطينيين) سببها، لأنهم لا يريدون الحلول الموضوعية.

أما فيما يتعلق بقناة البحرين، فقد ظلمنا بخصوصها في الشارع الفلسطيني.  وعلى العكس مما يقال، فنحن وجهة نظرنا قوية.  فقد شاركت أنا شخصيا والدكتور شداد في مفاوضات عقيمة طيلة أكثر من ثلاث سنوات.  وقد كانت المعركة ليس فقط مع الإسرائيليين بل أيضا مع الأردنيين.  ونحن غير راغبين في المشاركة بدراسة الجدوى هذه (حول القناة)، علما بأننا في مؤتمر الأرض في جوهانسبرغ عارضنا المشروع، إلا أن البنك الدولي تدخل في الموضوع، وبضغط أميركي أردني.  وهذا المشروع أردني وليس إسرائيلياً، وهو لن يرى النور.

 

رشا عمر:  هذا المشروع إسرائيلي، وهرتسل هو صاحب الفكرة.

المشروع إسرائيلي

جورج كرزم:  تاريخيا، هذا المشروع إسرائيلي.  وحسب المعطيات التاريخية، فقد ذكر كثيرا هذا المشروع في الأدبيات الإسرائيلية، منذ عقود طويلة.  وقد نفذ الإسرائيليون عشرات الدراسات حول الموضوع.  وقد أعد التخنيون، منذ الثلاثينيات والأربعينيات، بعض الدراسات حول القناة، وهي موجودة في الأرشيف، وذلك قبل قيام دولة إسرائيل وقبل بروز مشكلة جفاف البحر الميت.  بل إن هرتسل في كتابه المشهور "الأرض القديمة الجديدة" الذي صدر عام 1902 تطرق فيه إلى مسألة القناة التي كانت بالأصل بين المتوسط – الميت، ثم عدلت الفكرة إلى الأحمر – الميت.  والسؤال لماذا طرحت الفكرة منذ ذلك الوقت، قبل قيام إسرائيل وقبل ظهور أزمة جفاف البحر الميت وبالتالي ضرورة حلها؟  طرح المشروع في سياق التحضير لإقامة الدولة اليهودية العصرية على أنقاض وجودنا، وبالتالي كانوا قد أعدوا دراسات منذ الثلاثينيات بحثت في الاستهلاك المائي الضخم المتوقع لملايين المستوطنين الصهاينة الذين كانوا يخططون لتوطينهم في فلسطين، والاستهلاك تحديدا من المياه التي تغذي البحر الميت، وتحديدا استهلاك مياه نهر الأردن وطبرية.  إذن كانت هناك خطة مسبقة لكيفية إنشاء مشاريع لتعويض المياه المغذية للبحر الميت والتي سوف تستنزف وتنهب بعد مرور فترة زمنية معينة على إنشاء دولة إسرائيل، وبالتالي منع جفاف البحر الميت.  إذن، هذا المشروع مطروح صهيونيا منذ القدم، ولا علاقة له بالوضع البيئي أو أزمة المياه التي تطورت أساسا في السنين القليلة الماضية.  فإذا كان الإسرائيليون هم السبب في نهب هذه المياه وفي تدهور وخراب البحر الميت وسرقة روافده ومغذياته، فهم وحدهم الذين يجب أن يتحملوا مسئولية ما يدعون أنه كارثة بيئية.  ويحاول الإسرائيليون أن يسوقوا للعالم بأن الأطراف المشاطئة للبحر الميت، ومنها الفلسطينيون يتحملون مسئولية تدهور البحر الميت؛ وهذا بالطبع كذب وتزوير للواقع، لأن الفلسطينيين لا يملكون أصلا أية سيطرة على نهر الأردن.  السؤال الأساسي هو:  إذا كان الإسرائيليون هم سبب تدهور وخراب البحر الميت، فلماذا يفترض بالفلسطينيين المشاركة في مشروع يهدف، ضمن أهداف أخرى، إلى إصلاح ما أفسده وخربه الإسرائيليون أنفسهم؟

 

فضل كَعْوَش:  السؤال المطروح أمامنا، كجانب فلسطيني، وتحديدا من البنك الدولي، هو أن نشارك أو لا نشارك.  فلنترك موضوع الخطط والممارسات الإسرائيلية.  فنحن متفقون على أن السياسة المائية الإسرائيلية، ومنذ أن أنشأوا كيانهم، تتلخص في احتلال كل منابع المياه سواء في الجولان والليطاني واليرموك وغيره.  فلا خلاف على مسألة أطماع الإسرائيليين المائية.  الدراسات والمشاريع الإسرائيلية الخاصة بالقناة وضعت، في فترة بيغن، على الرف.  ومنذ أن كنا في تونس أنجزت دراسات ضد المشروع الذي خطط ذات مرة بأن يسير من غزة إلى شمال بئر السبع نزولا إلى مسادا.  لكن السؤال هو لماذا وافقنا على المشاركة في دراسة الجدوى لمشروع البحر الأحمر – الميت؟  هل قرارنا صحيح أم خاطئ؟  أنا شخصيا ود. شداد الذين رفعنا القرار للقيادة السياسية.

 

شداد العتيلي:  حصل هذا بعد أن جاءنا الطلب من الأردن، وهذه مسألة جوهرية، تشير إلى أن المشروع أردني.  ولهم الحق في ذلك، لأن للأردن ثلثي البحر الميت. 

 

المشروع أردني وليس إسرائيلياً

فضل كَعْوَش:  المشروع مقترح أردني وليس إسرائيلياً.  كما أن مسار المشروع كله سيكون في الأراضي الأردنية.  وقيل من قبل بعض الأردنيين والفلسطينيين بأن هذا المشروع سيشكل ذريعة لإسرائيل كي تحتل الأردن.  هذا كلام فارغ.  كما اعتقد آخرون بأن بواخر ستمر من البحر الأحمر إلى الميت، وهذا غير صحيح، لأن المشروع عبارة عن أنابيب.  فالمشروع هو أردني، ويأمل الأردن بأن يحصل من المشروع على 560 مليون متر مكعب من المياه المحلاة، بالإضافة إلى الفوائد الأخرى، علما بأن الأردن بحاجة ماسة للمياه.  وكي ينجح المشروع، ضغط الأردن على البنك الدولي، لأن الإسرائيليين لا يريدون هذا المسار للقناة.  والمشروع الذي ذكره الأخ جورج بكل مراحله وتاريخه هو مشروع المتوسط - الميت وليس الأحمر – الميت.  ولو عدت إلى وثائق الاجتماعات الإسرائيلية الفلسطينية الأردنية الإقليمية (متعددة الأطراف)، ستجد أن الأردن كان مصرا على قناة الأحمر – الميت، في حين كان الإسرائيليون يصرون على قناة المتوسط – الميت.  ثم جاء الأميركيون والبنك الدولي ووفقوا بينهما.  وعندما قدم لنا البنك الدولي الدراسة الأولية كان قد تبناها.  وكان يمكن، كطرف فلسطيني، أن نقول لا.  فالقول لا صحيح أم خاطئ؟   نحن تفحصنا، في حينه، مرجعية دراسة الجدوى، حيث إن المشروع مكون من ثلاثة مراحل هي:  المرجعية، وهذه تحديدا انتهت، وقد تم التوقيع عليها، ولم  نوقع على أي شيء آخر، وذلك بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات.  وقد مهد هذا الأمر لعملية البدء في دراسة الجدوى.  وهنا بيت القصيد، حيث إننا ذاهبون إلى دراسة الجدوى كشركاء كاملين على نفس المستوى، ولنا القرار.  وبما أن المشروع تحت رعاية البنك الدولي فيجب أن نتواجد في المشروع.  وفي حال قال الفلسطينيون لن نشارك في المشروع، فعندها لن يعمل به البنك الدولي.  لأن الفلسطينيين، حسب القرارات الأممية يشكلون طرفا مشاطرا.  فالسؤال الأساسي الذي برز، بعد اطلاعنا على الوثائق، هو أن نشارك أو لا نشارك.  وفي حال عدم مشاركتنا، فلا توجد أية مشكلة لدى الأميركيين بتمويل الدراسة.  وقد طلب شارون في حينه من الأردنيين إبعاد السلطة الفلسطينية من المشروع، كشرط وحيد لمشاركة إسرائيل في دراسة الأحمر – الميت مع الأردن.  إذن، ضغط اليهود بقوة كي يمولوا دراسة الجدوى، بحيث تكون أردنية إسرائيلية.  فماذا كان يمكن أن نفعل آنذاك؟  هل نبقى متفرجين؟.

 

شداد العتيلي:  أكبر مثال الجدار.  كم ووجه، فلسطينيا ودوليا، ومن قبل محكمة العدل الدولية التي كان رأيها الاستشاري بأن الجدار غير قانوني، ومع ذلك فإن إسرائيل على وشك إكمال الجدار. 

 

فضل كَعْوَش وثيقة المرجعية التي وقعت عليها أنا ود. شداد، وأعطينا القيادة السياسية الموافقة عليها، تعد أول وثيقة تنص على أننا طرف متساو مع سائر الأطراف.  وقد استشرنا القانونيين الدوليين حول تثبيت العبارة القانونية "حقوق المشاطأة"، وهذه ليست مفردة شعرية، بل حقوق المشاطأة للأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية.  وهذا أول انتصار.

الانتصار الثاني يتمثل في أننا قيدنا الدراسة ونتائجها في أن يكون القرار بالإجماع.  أي إذا قلنا لا، فمعنى ذلك فيتو، وكذا الأمر بالنسبة للإسرائيليين والأردنيين.  لكن متى نقول لا؟  في حال أن ليس لدينا مصلحة.  وأهم من ذلك أن الأمور تسير أحيانا بين الأردن وإسرائيل في غيابنا.  لذا يجب أن نعرف ما يجري.  بل بالعكس، من الضروري أن يشارك خبراؤنا أولاً بأول، وأن ينزلوا إلى البحر الميت، لأن الأرض لنا، فلماذا نخرج منها، ونحن مشاطئون.  هذه الدراسة عبارة عن دراسة جدوى، ولها كل الخيارات.  وستفحص الأمور فنيا وبيئيا.  وهذه دراسة دولية، ستخرج بنتائج وتوصيات.  وسنقول لهم عندها:  مساحة البحر الميت كذا.  ولماذا أصبح بوضعه الحالي؟  لأن مياه نهر الأردن توقفت عنه.  وتساؤلات أخرى عديدة.  اكتشفنا بأننا كفلسطينيين يجب أن نتواجد في الدراسة وبقوة.  وأهم من ذلك أننا في الطرف الآمن.  فإذا وجدنا ما يضر مصلحتنا نخرج من الموضوع.  بالإضافة إلى أن الإسرائيليين سيقولون لا أكثر منا، وأنا على يقين بأنهم لا يريدون هذا المشروع.  والخلاصة الأساسية بالنسبة لنا، هل نحن مشاطئون أم لا.  وقد أثبتنا بأننا مشاطئون ولنا حقوق المشاطأة، وهذا ما يكفينا، فضلا عن إظهار الممارسات الإسرائيلية.  إلا إذا قررنا أن نجلس جانبا.

 

شداد العتيلي:  عام 2003 جاءنا الأردن بهذا المشروع.  وكمنظمة تحرير فلسطينية  اعترفت بدولة إسرائيل، أي أن إسرائيل أصبحت دولة مشاطئة في البحر الميت، كذلك الأردن، ونحن أيضا، أراضينا محتلة لكننا مشاطئون.  حاولنا ممارسة حقنا القانوني، بالرغم من أننا لا نستطيع حاليا الوصول إلى البحر الميت.  والعديد من الناس يقولون أنتم الجانب الفلسطيني تشاركون في دراسة حول بحر لا تستطيعون الوصول إليه.  نحن لا ندافع، بل إن من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.  ونحن بصدد دراستين متوازيتين، الأولى دراسة الجدوى والثاني الدراسة البيئية.  وكنا نفتش في القانون الدولي عما يمكن أن نحصل عليه، لأن البحر الميت من حقنا ولنا جزء منه ويجب أن نمارس سيادتنا عليه، تماما كما الأردن وإسرائيل.  ولن نسمح بأن يسير أي مشروع على الأحواض المشتركة دون أن يكون لنا دور.  بل إن الناقل القطري الإسرائيلي للمياه الذي أنشأته إسرائيل عام 1964 غير قانوني، وسنبقى نقول إنه غير قانوني في ظل غياب حل قضية حقوق المياه.  في البداية ورد في الشروط المرجعية فقط إسرائيل والأردن، أما الفلسطينيون فيمكنهم الحصول على بعض المياه والطاقة.  أما في العام 2005، فقد ذكر في الشروط المرجعية الجانب الإسرائيلي والفلسطيني والأردني على قدم المساواة، والقرارات تؤخذ بالتوافق، أي يكفي أن يقول أحد الأعضاء لا، كيلا ينفذ شيء.  دراسة الجدوى ستستمر سنتين، ويشارك فيها، عبر اللّجنة التوجيهية، الأطراف الثلاثة الإسرائيلي والأردني والفلسطيني، وقد تنافست شركات عالمية على مشروع الدراسة، وسيعلن البنك الدولي الجهة التي رسا عليها العطاء.

الشروط المرجعية التي وقعنا عليها قدمت للمجلس التشريعي القديم، بالإضافة للمجلس التشريعي في فترة الحكومة الوطنية، وقد أجبنا عن أسئلة كثيرة من فتح وحماس ومن الجميع.  وقدمنا لهم الوثيقة والمفاوضات وكل ما حصل من تفاصيل خلال ثلاث سنوات ونصف، لأننا لسنا معنيين بإخفاء أي شيء.  نحن وقعنا على دراسة الجدوى وليس المشروع نفسه الذي في حال إنشائه، سيكلف خمسة مليارات دولار.

النقطة الإضافية، إن هذا المشروع لو كان بالفعل حيوياً واستراتيجياً لإسرائيل وسيحيي صحراء النقب، فهل تنتظر الأردن الفلسطينيين لجلب التمويل؟  في هذه الحال، لو كان هذا المشروع استراتيجيا لإسرائيل، كما يصوره البعض، فإنها لن تعيرنا أي اهتمام وكانت ستنفذه منذ زمن طويل. 

 

 جورج كرزم:  بعد الإعلان عن اتفاقية دراسة الجدوى، عام 2005، أعلن شارون بعد أيام، وبوضوح، وارتباطا بنفس المشروع، بأن هدف إسرائيل الرئيسي في الفترة بين 2005 – 2020 هو توطين مليون يهودي في النقب.  وكان الإسرائيليون يتحدثون عن الجوانب الإيجابية التي يمكنهم الاستفادة منها من القناة، من ناحية تطوير مشاريع وكميات المياه وتكلفتها في النقب، فضلا عن توليد الطاقة الكهربائية وغير ذلك.  فبالتأكيد أن لهذا المشروع جانباً استراتيجياً بالنسبة لإسرائيل. 

كما أن ما ذكره د. شداد بأن إسرائيل ليست بحاجة لنا لتنفيذ المشروع.  أعتقد أن العكس هو الصحيح، فإسرائيل بحاجة لنا، وبخاصة أن لديهم الكثير من الدراسات، ويمكنها تنفيذ المشروع ليس في الأراضي الأردنية بل في الأراضي التي تسيطر هي عليها، استنادا إلى دراساتهم.  لكنهم بحاجة إلى هذا الغطاء البيئي – السياسي العربي الفلسطيني الأردني، لإخفاء الأبعاد السياسية -الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية الإسرائيلية التي يتضمنها المشروع.

ثم لماذا تجاهل ما يؤكده العديد من الجيولوجيين، ومنهم إسرائيليون، بأن تنفيذ هذا المشروع سيتسبب في حدوث زلازل مدمرة. 

 

 فضل كَعْوَشصحيح أن منطقة المشروع المقترح تعد منطقة تكتونية، ومعرضة للزلازل.  ولكننا نستبق الأمور، لأن الذين سيعملون على دراسة الجدوى البيئية سيدرسون كل هذه الظواهر.  وقال البعض بأننا سنأخذ حصتنا من المياه المحلاة.  كلا، نحن لا نطمع بالمياه المحلاة، بل إن هدفنا أساسا هو تثبيت حقوقنا في هذا الحوض، علما بأننا حرمنا وأبعدنا من نهر الأردن.  فنحن معنيون بالتفتيش على مدخل لنحقق أهم مكسب أمام العالم بتوقيعنا اتفاقية مرجعية لدراسة الجدوى الاقتصادية، كطرف وشريك مشاطئ وكامل الحقوق في هذا الحوض المائي بأكمله.  أما ماذا سينتج من نتائج عن الدراسة فهو أمر مختلف.

 

 شداد العتيلي:  إسرائيل تقول إذا أردتم المياه، فالمياه نحن نستخدمها، فلتتوجهوا إلى البدائل، ومن ضمنها تحلية المياه التي ستكون في مشروع البحرين.  نحن لسنا ضد البدائل، لكن يجب أن نحصل أولا على حقوقنا المائية.  ثم  لتلبية حاجات النمو السكاني وعودة اللاجئين قد نحتاج إلى تحلية المياه في غزة.  فنحن لسنا ضد أي مشروع لتطوير مياه جديدة، لأنه يوجد طلب متزايد على المياه، وتوجد ضرورة لتوفير مصادر، لأن المصادر المتاحة لن تكفي مستقبلا لتغطية كل الحاجات.  لكن الإسرائيليين يقولون لنا، حاليا، لن تأخذوا شيئا من المصادر واشتروا منا المياه.  فليحلوا هم مياه البحر، إذ إن جميع مدنهم على الساحل، وليتركوا لنا مياهنا في نهر الأردن.

 

رشا عمر:  توجد مشكلة غياب الإعلام في قضايا المياه التي تحدثنا عنها. فيا حبذا لو تخرج هذه القضايا إلى الإعلام ولجميع الناس، وأن يكون عمود في الجريدة يطرح هذه المسائل، وليس فقط لتعريف الناس بأنكم تعملون بشكل صحيح، بل أن يعرف شعبنا كيف تفكرون، لأن هذه أمور تتعلق بحقوق شعبنا ومن حقه أن يعرف الحقيقة، وأن تنشر الأمور أول بأول، حتى يقرر الناس موقفهم سواء من هم مع ما يجري أو ضده.

 

فضل كَعْوَش سننقل ما تحدثنا به إلى القيادة السياسية وأصحاب القرار، وتحديدا أن ملف المياه مصيري، ولا يمكن أن تقوم دولة بأي شكل من الأشكال ما لم تتوفر لديها مصادر المياه.  فقضية المياه من أهم القضايا.  ويجب على الجانب الفلسطيني، سواء أكان سياسياً أم مفاوضاً أن يتمسك بالحقوق المائية الفلسطينية، وأن لا يكون أي تراجع عن ثوابتنا مهما كلفنا الأمر.  فقوتنا هي أن نتمسك بحقوقنا وأن نؤمن بها وأن لا نتراجع عنها، وإلا سننزلق وسنتراجع إلى الوراء، من خلال مساومات ومقايضات على حقوقنا.

 

جورج كرزم:  هذا ما سيحصل، لأن الإسرائيليين يتحكمون حاليا في كل البنى والمؤسسات التي لها علاقة بالمياه.  فحتى دائرة المياه في الضفة الغربية، والتي كانت موجودة منذ العهد الأردني، أصبحت شركة مكوروت بعد عام 1967 تتحكم بها.  وصحيح أن سلطة المياه ترشح مديراً عاماً لهذه الدائرة، إلا أن الموافقة الفعلية على هذا الموقع يجب أن تكون من الإدارة المدنية.  أي أن هناك تدخلاً مباشراً في الدائرة من الإسرائيليين.

 

فضل كَعْوَش:   إطلاقا لا.  أنا كرئيس سلطة المياه أتابع هذا الموضوع، وأنا المسئول عن هذه الدائرة.  وأنا آسف من البعض الذي صرح في التلفزيون بأن هذه الدائرة هي الذراع الأيمن للإدارة المدنية.  هذا كلام غير صحيح وغير موضوعي وغير مقبول نهائيا.  في 1 / 1 / 1996 جاءنا أن نتسلم دائرة المياه، وفق قرار الرئيس عرفات باستلام صلاحيات الشؤون المدنية.  وقد انتقل كل شيء، سواء الزراعة أو الصحة أو البيئة.  أما نحن فرفضنا استلام مبنى قديم وخرب ومؤجر، هو مبنى دائرة المياه، فضلا عن بعض السيارات المحطمة، لأن الإسرائيليين سيدعون بأنهم سلمونا المياه.  نحن نريد استلام المياه وآبار المياه.  وهكذا علقت الأمور.  لكن الإشراف والسيطرة والإدارة والتوظيف في دائرة المياه بيد سلطة المياه.  إلا أن الإسرائيليين يدفعون رواتب الطاقم القديم.  ففي دائرة المياه 164 موظفاً، منهم 81 قدامى يتلقون رواتبهم من خلال شركة مكوروت.  والباقي، أي 83، عبارة عن موظفين جدد، نحن قمنا بتعيينهم ونحن ندفع رواتبهم.

 

 

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني attars@hotmail.com:

الموضوع: ندوة العدد:2

التعليق:

 

إنه حقا اعتراف جريء.  المفاوضون الإسرائيليون يذهبون إلى المفاوضات وهم مسلحون بالوثائق والخرائط التفصيلية...أما المفاوضون الفلسطينيون فيشاركون في المفاوضات بالمسبحة بأيديهم.  ياللعار!  ومع ذلك لا تتوانى الرموز الفلسطينية المتنفذة عن مواصلة تسويق الأكاذيب حول حرصها على الثوابت والمبادئ...الصغير قبل الكبير يعرف أن أحد أهم أسباب شن إسرائيل لحربها عام 1967 هو موضوع المياه، فلماذا إذن ستتخلى إسرائيل عن غنائمها المائية؟  هل هي هزمت عسكريا؟

أم أنها ستهزم في المفاوضات التي، وكما يقول الكاتب كرزم، يفرض فيها الطرف الأقوى شروطه على الطرف الأضعف، خاصة إذا كان الطرف الأضعف لا يزال تحت الاحتلال الذي يتحكم بكل شيء في البلد المحتل...أم أن محترفي اللقاءات والاجتماعات مع الصهاينة قد نسجوا مصالحهم الخاصة استنادا إلى الوظيفة التفاوضية العبثية والتجميلية للمحتل التي يؤدونها بأمانة؟

سامر العطار - دمشق


 

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.