أيلول  2009 العدد (17)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

 September  2009 No (17)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

شخصية بيئية:

 

أبو أنور:  حكاية مع الأرض عمرها سبعة عقود...

 

عبد الباسط خلف

خاص آفاق البيئة والتنمية:

 

   يحمل وجه الحاج الثمانيني أبو أنور العديد من التجاعيد، التي تخفي كل واحدة منها الكثير من الأسرار. فهو الذي أدمن عشق الأرض منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، وأستمر في مشواره إلى أن أشتعل رأسه شيبا. في شريط ذكرياته العتيق -الجديد، يختزن الحاج محمد خلف الذي ورث عن والده النهج ذاته، ونقلت إليه والدته الكثير من التعاليم التي وصلت إليه ولم يتخل عنها ولو للحظة واحدة.

  يروي الحاج الذي خرج إلى الحياة العام 1927:عمل والدي في الزراعة واستصلاح الأرض، كان يحول الأراضي الوعرة والصخرية لجّنة زيتون أخضر، فتعلمت أن الأرض هي أساس كل شيء.

 

جغرافيا "العشق"…

   يوالي مع تعديلات لغوية  طفيفة: في الثانية عشرة من عمري ، تركت  المدرسة وحُصرها التي كنا نجلس عليها، وانتقلت  لمساعدة والدي في رعي الأبقار، ولم أرغب بمواصلة الدراسة، فأنهيت الصف الرابع ولو واصلت حتى الصف السادس لأصبحت مدرساً، وتعلمت بعدها تعمير الأرض وتحويلها إلى حدائق معلقة.

 " كنت متفوقاً في دراستي، وكنا نتلقى التعليم على فترتين، تبدأ  الأولى من الصباح الباكر إلى الظهيرة، نعود بعدها لتناول الغداء في بيوتنا، ونستأنف الفترة الثانية حتى تغيب الشمس. كان الحاج محمد ورفاقه يتلقون على يد مدرسهم الكثير من العلوم.

  ولا زال يستذكر بتفاصيل دقيقة كيف كانوا يتتبعون في دروس الجغرافيا  مسار القطار من أول القارة الأوروبية الباردة إلى آخرها، ففي بلد كألمانيا مثلاً عرفوا خريطتها الداخلية ولا زالوا، و تعرفوا على جبالها وأنهارها ومدنها وعلى دول الجوار فيها، وربما كان هذا السبب  في شغفه بالأرض، فالجغرافيا هي التي تعرف المرء ببلده وبأرض أجداده وبقيمة كل شبر من البقعة التي شهدت ولادته وشغبه وتضحياته.

  يقول بالاستناد إلى ذاكرته ممزوجة بالشقاء واللذة: "هذا الجيل مختلف ولا يهتم بأرضه، بل على العكس يعمل على ضياعها وبيعها، وهو الأمر الذي يتسبب بحساسية عالية في نفسه."

 "من يبيع أرضه، يبع كل شيء، ويبعُ حتى نفسه" هكذا يقول ويتساءل: ما قيمة الإنسان بلا أرض، وما فائدة الأموال إذا لم يجد الإنسان مكاناً يمارس فيه حبه بأرضه وشجره وتاريخه؟"

  في الثانية عشرة تعلم الحاج محمد الذي يسكن بلدة برقين أو اللصيق الأقرب لمدينة جنين الكثير من هيامه بأرضه، كانت يومها الحرب العالمية الثانية قد بدأت، "كنا في النهار نرعى الأبقار ونساعد العائلة في  زراعة الأرض وتعشيبها وحصد ثمارها، وفي الليل نتحلق في منزل المختار للاستماع إلى نشرات الأخبار من المذياع الوحيد الذي ولى عهده."

  كبر أبو أنور وكبرت معه الأيام، تعلم في الرابعة عشرة وقبلها حراثة الأرض، وزراعة الأشجار  والحصاد بواسطة المناجل  التقليدية، وقبل أن ترى آلة الحصاد النور.

 يتوقف برهة عن الحديث ويواصل: كانت مواسم الحصاد تستمر على مدار الصيف، وكان الموسم الزراعي يبدأ من أوائل الربيع المبكرة، ويستمر حتى تشرين الأول.

 

يوم عمل

  يقدم كشف حساب بما كانوا يمارسونه في موسم ما، البداية في حرث الأرض بعد أن تجف من مطرها الذي كان أكثر غزارة من أمطار  السنيين الحالية. ففي فترت معينة ومواسم كثيرة كنا نجلس في بيوتنا أربعين يوماً بسبب غزارة الأمطار" لم يكن الجار يعرف الوصول إلى جاره.." . ثم نزرع القمح في كانون الثاني وقبله، وفي مواسم نتأخر إلى شباط، ثم ننتقل للزراعات الصيفية.

 يفصل: فنحرث الأرض على البغال والحمير، ونرش قبله القليل من الزبل العربي العائد لأبقارنا، ثم نرع البطيخ والشمام، لم نكن نعرف الأسمدة الكيماوية بالمرة، ولم نلجأ لري مزروعاتنا. وحتى الأمراض والآفات الزراعية لم تعرفها حقولنا و"مقاثينا"، و صرنا نسمع  عنها في هذه الأيام فقط.

 ومن بدايات نيسان وحتى نهاية تموز كنا نغادر بيوتنا ونسكن في الحقول، نوزع عملنا بين  رعاية المقاثي ( مزارع البطيخ والشمام)، وتجهيز الأرض لزراعة السمسم، وبعد جني المحاصيل التي تتزامن أحياناُ مع الحصاد، كنا نصدرها إلى أسواق الشام والعراق والأردن، ثم نلتفت إلى مواسم السمسم، نعشبه ونجهز أنفسنا في آب لقلعه وجنيه وللبدء في موسم آخر.

 يسترسل في حنين إلى الماضي: في مساحات واسعة داخل البلدة أو في  أطراف المرج، كنا ننقل أكوام القمح وبعدها نشرع في إعداد ألواح خشبية ثقيلة تربط ببغل أو حصان  ثم نلف عدة مرات حتى يتحول البيدر إلى تبن ناعم، بعدها نواصل  العمل فنـُذَرِي( نصفي) التبن والقمح أو الشعير كل على حدا، ونستأنف العمل، إذ ننقل الحبوب  إلى مخازن أو خـَوابي( مجموعة من الصفيح والخشب تصنع يدوياً، ويترك في أسفلها باب صغير، وتضاف الحبوب من أعلها ثم تغلق، وبذلك كما يقول أبو أنور، نحفظها من القوارض والتلف والرطوبة). وأما التبن أو قشور المحاصيل، فتنقل إلى أماكن تسمى( تبان)، ونطعمها للأبقار والماشية والبغال والحمير التي نستخدمها في الحراثة .

 

البيادر

  يسترسل في حديثة عن موسم البيادر التي كانت عرساً شاملاً إذ لا يعرف خلاله الناس النوم أو الجلوس في المنازل، ولهذه الأمكنة عشرات الحكايا والقصص وفيها كانت تبرم صفقات زواج وتجارة واتفاقات ضمان أرض أو بيعها أو تبديلها أو تعميرها وكذا طرائف الأحداث، وكانت في فترات النكبة والنكسة منتديات للسياسة ومناقشة هموم البلد والولد.

 ينتقل أبو أنور وقد بدا شغوفاً بالحديث عن ما سلف من أيام، إلى السمسم الذي كانت طقوسه مختلفة نوعاً ما. فهو أولا يترك بعد قطفه وتحزيمه في مجموعات، بعد نقله من الحقل إلى أن تجففه الشمس. ثم يقلب  كي تصله الشمس . ولاحقاً تتم مراحل جمع بذوره، إذ تتفتح الأجراس، وتهز وتضرب بالعصي أو ببعضها. وتنقل الحبوب إلى البيع والتزود بالغذاء، وأما القشور فتجمع لتحضير ( كبارات) لصناعة الجير( الشيد).

 يتوقف للتعريف بالكبارات التي يظن أن الجيل الطارئ لا يعرفها، فيقول:  كنا أول نحفر حفرة كبيرة ونبني قبتها من الصخور وكذا جوانبها، وكنا نترك فتحة من إحدى الجوانب، نشعل النار ونزودها بوقودها من القشور القادمة من السمسم، وبعد فترة من النار والعمل، كانت الصخور تتعرض للذوبان، ونحصل في النهاية على الجير ( الشيد)  لبناء العقود.

  يستمر الحاج أبو أنور  في مسيرته اليوم، رغم سلسلة أوجاع غزت جسده. فيحرص على اصطحاب الآليات الثقيلة لأرضه. ويزيل الصخور، ويزرع المزيد من الزيتون. ويتحامل على  علله، ويقلم زيتونه، ويوجه أولاده إلى حراثة الأرض غير مرة.

   صار خلف يشاهد ما يدمي القلب، وفق وصفه، عندما تبدأ أعمال تجريف الأرض وتخريبها، لإقامة بيوت وشوارع عريضة.  ويتمنى أن تعود عجلة التاريخ إلى الوراء، لأن الناس كانوا أكثر قرباً من الأرض.

  يختتم: لا أجد السعادة إلا في الأرض، وأتأثر إذا ما اقتلع أي إنسان شجرة. فالغرس والزيتون يعز علينا  مثل أولادنا. وإذا ما ذهبت إلى حقولي  نسيت مرضي.

 

aabdkh@yahoo.com

للأعلىé

 
 

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.