كانون أول 2009 العدد (20)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

December 2009 No (20)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

سياحة بيئية وأثرية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

شخصية بيئية:

د. كمال عبد الفتاح: منهج جغرافي ورحلات استكشافية في أربع قارات

 

عبد الباسط خلف:

 

تستقر في ذاكرة د. كمال عبد الفتاح حكايته مع والده الراحل ومعلم الجغرافيا الأستاذ جبر عبد الفتاح. وقتئذ، وفي مطلع الخمسينيات، عكف الأب والمعلم في مدارس جنين عام 1953، على تنظيم رحلات دراسية للتلاميذ إلى مواقع جغرافية داخل الأراضي الفلسطينية وفي المملكة الأردنية، امتدت سبعة أيام، ووصلت جرش والبتراء وعجلون والزرقاء وغيرها.

ما زالت تعيش مع عبد الفتاح، تفاصيل الرحلات الاستكشافية، التي تأثر بها، وصار ينفذها لطلابه، حينما أصبح معلماً في المدينة ذاتها بدءاً من عام 1960، وعلى مدار أربع سنوات.

 يروي أستاذ الجغرافيا في جامعة بيرزيت:" غرس والدي-رحمه الله- في نفسي حب الجغرافيا، وأتبعت أسلوبه لطلابي في المدرسة والجامعة وحتى لزملائي المدرسين والموظفين والزوار الأجانب. وشجعتني  على ذلك طبيعة قرية الطيبة، التي قضيت بها  بعض طفولتي في أعقاب النكبة، واقتلاعنا من أم الفحم سنة النكبة."

 

معرفة خضراء

 يُفصّل: "كنت أتجول في الأرض المفتوحة والمليئة بالتنوع الحيوي، فتعرفت في سن مبكرة لأنواع  السنديان والعُلّيق والبلوط والخروب والسوّيد وغيرها. وقضيت وقتاً طويلاً حول عين القرية والعين الجديدة، وشكل هذا جزءا مهماً من شخصيتي."

كان عبد الفتاح، الذي خرج إلى الحياة في أم الفحم في التاسع من  شباط 1943، يسير في طفولته عبر فضاءات الطيبة، ويتابع التحولات التي حصلت على أحراشها، ويراقب زراعة محصول الذرة البيضاء والكرسنة. وبالرغم من تبدل المشهد، واختفاء  "الطقوس" التي كانت ترتبط بعيون الماء، إلا أن نصيب القرية ظل جيدا نسبيا، فحافظت على  أراضيها، وانتقلت من الزراعة الحقلية لغرس الزيتون.

  يروي: "أعتبر التعليم الذي حصلت عليه من جامعة دمشق، الأساس الذي شكّل معرفتي. وما زلت أتذكر أساتذتي الذين كانوا يعلموننا الجغرافية إضافة إلى التاريخ، ونظموا لنا الرحلات الاستكشافية  العلمية، التي لا أزال أذكرها جيداً."

 يتابع:" نظم لنا د. صلاح الدين عمر باشا، ود.أنور النعمان، ود. عمر الحكيم، ود. نظيم الموصلي، ود.نور الدين حاطوم أسس المعرفة الجغرافية، وتركوا بصمة واضحة علينا. حتى أنني عندما انتقلت لإكمال الدراسات العليا في ألمانيا، استطعت منافسة الطلبة الألمان الذين كانوا يتمتعون بسمعة علمية عالية."

وفق عبد الفتاح، فقد كان الأستاذان عمر الحكيم ويوسف خوري يرتبون للتلاميذ رحلات طويلة داخل الأراضي السورية، امتدت آنذاك عشرة أيام في بعض الأحيان. فيما نظم الأستاذ خوري 25 رحلة جيولوجية  في فترة قصيرة.

 يروي:  "زرنا اللاذقية والحسكة وتدمر وجبل الدروز وسهل ميسلون والقلمون وحوران وغيرها، وشاهدنا المقاطع الجيولوجية والصخور البركانية والمناطق الكلسية، ووصلنا إلى قمة جبل الشيخ، والحدود مع لبنان وتدمر. وحتى في أيام الأعياد، استثمرنا الفرصة لزيارات استكشافية ممتعة ومفيدة."

 

ثلاثة بحور

حينما انتقل د. كمال لألمانيا  لمواصلة دراسته، حرص على التقليد ذاته، فصار يجوب  أوروبا الوسطى، ويتنقل إلى تركيا، ويصل إلى السعودية. مثلما جمع بين اكتشاف البحر الأسود وجاره الأبيض المتوسط والأحمر، في رحلة طويلة واحدة.

  يضيف:" نظمت رحلات طويلة في الجزيرة العربية، كجبال عسير، وصولاً إلى جنوب مكة. وكانت أطروحة الدكتوراه تتحدث عن استعمالات الأراضي في مناطق الجبال المرتفعة جنوب البحر الأحمر، مع التركيز على عسير وشمال اليمن."

شقت خطوات عبد الفتاح طريقها إلى شرق القارة السمراء، فوصل السودان وجبل مرة في كردفان وحدود أريتريا. وأكمل السير وراء المحيط، ليصل خلال تدريسه في جامعة هارفرد وبرينستون بالولايات المتحدة الأمريكية إلى جبال الأبلاش، وهي السلسلة التي تستقر في البقاع الشرقية من أمريكا الشمالية، وعرف جبال الروكي وتكساس وخليج المكسيك.  لم يزر قارة أستراليا بعد، وتقصّد الامتناع عن زيارة بريطانيا، بسبب دورها العدائي لنا.

  يروي، وهو أول أستاذ فلسطيني يحصل على درجة الدكتوراة في الجغرافيا من جامعة ألمانية: "كنت من أوائل الخريجين الذين  حصلوا على شهادة البكالوريس في الجغرافيا، وأوكلت لنا مهمة تحسين مناهج الجغرافيا من قبل الحكومة الأردنية، فقد كنت مبعوثاً منها مع سبعة طلاب. وكتبت عام 1964 لتلاميذي في المدرسة كراسة عن تحويل مجرى نهر الأردن، وتحدثت فيها عن مشاريع تحويل النهر القديمة كخطة"جونسون". كنت أشعر بحجم الموضوع لأنني زرت منابع النهر في سوريا، ووصلت بحيرة طبريا، والحاصباني، والوزاني وغيرها."

 

سبق

 أبدع عبد الفتاح  العام 1983 خريطة عن القرى الفلسطينية المدمرة خلال النكبة، ولائحة بالقرى الفلسطينية السليبة. ولم يسبق في ذلك غير صالح عبد الجواد ووليد مصطفى، وإسرائيل شاحاك الذي لم يرفق عمله بخريطة.

  يقول د. كمال الذي وصل لكرسي العمادة في كلية الآداب بالجامعة، وتخلى عنها طوعاً ليواصل التدريس: "أسست في جامعة بير زيت فلسفة الرحلات الاستكشافية لطلبة الجغرافيا. كنا ننطلق من بير زيت وصولاً إلى الأغوار والحولة، ثم نتجه شمالاً حتى صفد، فعكا وحيفا، وطولكرم وغزة والنقب والعقبة. لأن ذلك  ترجمة للمعرفة الشمولية وتدريس عملي لها."

تداخلت في رحلات عبد الفتاح الاهتمام بعناصر الطبيعة والمشهد الحضاري والديموغرافيا. حتى أنه كان يوجه الطلبة لكتابة أبحاث تتعلق برصد المعالم الحضارية العربية والإسلامية في المناطق المحيطة بالطلبة، فضلا عن بحث حول الاستيطان البشري في فلسطين.

 يقول: "تعلمت هذا الأسلوب من والدي، الذي نقله من أستاذه الراحل درويش المقدادي الذي نظم هذا اللون من الرحلات عام 1925. واكتشفت أن الطلاب  توصلوا من خلاله لمعارف مهمة، وتطوّر بعضهم لاحقاً ليصبحوا من أوائل المهتمين بالتاريخ الشفوي والمعمار والمشهد الحضاري."

 

أبحاث وتاريخ شفوي

 وقف د.كمال على رأس مركز أبحاث جامعة بيرزيت، بشكل مؤقت خلفاً  لبكر أبو كشك عام 1983، وطلب من مجلس الأمناء تغير اسم المركز إلى مركز أبحاث الأرض والشعب الفلسطيني، فعقد مجلس الأمناء اجتماعاً في قبرص، حيث كان د. حنا ناصر مبعداً، ووافقوا على تغيير اقتراحه.

 يتابع: "زرت جامعة جورج تاون الأميركية، وتعرفت إلى توماس ريكس، الذي كان يحمل شهادة دكتوراة في التاريخ الشفوي. يومئذ لم أكن أعرف أن ثمة تخصصاً من هذا القبيل. واستضفنا ريكس في الجامعة والتقى الطلبة المهتمين، وأسسنا لمنهج التاريخ الشفوي في فلسطين بشكل علمي.

 

نجاحات وأربع لغات

لعبد الفتاح عدة كتب وأبحاث ومقالات ومساهمات، إذ أصدر العام 1964 كتاباً عن مدينة جنين، ووضع كتاباً مرجعياً في النظم الجغرافية التاريخية بالمشاركة مع مؤلف آخر، و"الجغرافيا التاريخية لفلسطين وشرق الأردن وجنوب سوريا ولبنان في القرن السادس عشر الميلادي"( مأخوذ من دفاتر الضرائب العثمانية من الأرشيف العثماني في إسطنبول)، و"مزارعو الجبال  والفلاحون في عسير"، و"التطور الاقتصادي الفلسطيني في الفترة العثمانية المتأخرة".  مثلما نشر في مجلة الدراسات الشرق أوسطية للجامعات الأميركية حول قرى الكراسي في جبال فلسطين الوسطى, ونال جائزة عبد الحميد شومان، وجائزة فلسطين للجغرافيا، ويتقن أربع لغات: العربية والإنجليزية والألمانية والعبرية، وهو أب لولدين(قيس وأسيد) وأربعة أحفاد.

 

للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
 
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.