خاص بآفاق البيئة والتنمية
بالرغم من حقيقة كون الأرض الزراعية أندر عناصر رأس المال الوطني الفلسطيني وأغلاها، وبالتالي فإن الحفاظ عليها وتنميتها أمانة يتحملها الجيل الحالي المسؤول أمام الأجيال القادمة والتاريخ، إلا أن التناقض المأساوي في بلد كبلدنا، رازح تحت نير احتلال استيطاني عسكري اقتلاعي، ولا يملك سوى اقتصاد هش واستهلاكي، يكمن في تنامي قطاع الخدمات والوساطة المالية الذي بلغت حصته عام 2012 في الناتج المحلي الاجمالي أكثر من 23%، بينما انخفضت حصة الزراعة من حوالي 35%، قبل احتلال 1967 الى 9.8% عام 2000 إلى 5.5% عام 2010 إلى 4.9% عام 2012 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي، 2013).
كما أن استيعاب القطاع الزراعي للعمالة هبط من حوالي 32% في بداية الثمانينيات الى 11.5% في العام 2012 (المصدر السابق)، علما أن القطاع الزراعي يمتلك أكبر قدرة امتصاصية كامنة للعمالة الفلسطينية، ومع ذلك فقد خصصت خطط السلطة الفلسطينية الاستثمارية لهذا القطاع حصصاً هامشية من اجمالي الاستثمارات. في الوقت الذي لم يتوقف المستوطنون الصهاينة، بشكل عام ومستوطنو الأغوار بشكل خاص، عن التوسع في المناطق الزراعية وحراثة وزراعة المزيد من الأراضي التي يسيطرون عليها، والتي لم يزرعها الاسرائيليون سابقا، بينما مساحات الأراضي الفلسطينية المزروعة تتقلص باستمرار، ليس فقط بسبب المصادرة والتهويد، بل أيضا بسبب مواقف وسياسات وسلوكيات غير جذرية تجاه الأرض وإنتاج الغذاء.
ومنذ احتلال 1967، حدث في المجتمع الفلسطيني (بالضفة والقطاع) انحراف كبير، من انتاج الغذاء المتنوع والمكتفي ذاتيا (في الريف الفلسطيني)، الى التبعية الاقتصادية والغذائية لإسرائيل. وكنتيجة لزيادة عدد العاملين المأجورين في اسرائيل والاقتصاديات الأخرى وبالتالي هجرة الأرض الزراعية، وتحول المجتمع الفلسطيني الى مجتمع استهلاكي يشتري معظم سلعه من اسرائيل والخارج، فقد انعدم التراكم الرأسمالي المحلي الذي لم يعاد استثماره محليا في الانتاج الزراعي أو الصناعي.
واللافت أنه، منذ التسعينيات، حصل تناقص متواصل في نسبة الاكتفاء الذاتي (الانتاج/الاستهلاك). ففي عام 1993، تجاوزت النسبة 100% في بعض المحاصيل، وتحديدا في الحمضيات وبعض أصناف الفواكه (213%)، الزيتون (190%) والخضروات الرئيسية، بما فيها البطيخ والشمام (149%) (البرنامج العام لإنماء الاقتصاد الوطني الفلسطيني للسنوات 1994-2000، المجلد الثاني، م.ت.ف.).
ولكن، خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، انخفضت النسب السابقة الى ما دون 100% بالنسبة للحمضيات والفواكه والخضروات الرئيسية، وما دون 150% بالنسبة للزيتون. بينما، سائر فروع الانتاج الزراعي، وتحديدا الحبوب، الأعلاف، الانتاج الحيواني (لحوم حمراء ولحوم دجاج وأسماك وبيض وحليب) ليس فقط أنها عانت عام 1993 من عجز كبير، حيث لم تتجاوز نسب الاكتفاء الذاتي في هذه الفروع 15%، 25% و47% على التوالي، بل انخفضت في أواخر العقد الماضي، الى ما دون 10% بالنسبة للحبوب والأعلاف، وما دون 25% بالنسبة للإنتاج الحيواني.
وبالرغم مما ورد، غالبا ما نسمع أن التسويق الزراعي هو المشكلة الأكبر. الحقيقة أن هذا ليس صحيحا، لأن الفائض الناتج (الانتاج/الاستهلاك) هو في بضعة محاصيل قليلة، بينما نعاني من نقص فادح في معظم احتياجاتنا الزراعية التي تشكل العمود الفقري لأمننا الإنتاجي الغذائي؛ فنستوردها من الاحتلال الإسرائيلي أو الخارج. ألسنا نستورد معظم المحاصيل الاستراتيجية مثل الحبوب والقمح والأعلاف وغيرها كما لاحظنا للتو؟ فالمشكلة إذن تكمن في ماذا وكيف نزرع. فهل نزرع المحاصيل الأساسية والإستراتيجية بكميات محدودة؛ في وقت نزرع فيه بشكل غير مدروس بعض المحاصيل الأخرى بكميات ضخمة لا لزوم لها، وتصديرها غير مضمون أساسا؛ لأننا لا نتحكم أصلا بالمعابر والحدود وعمليات التصدير ذاتها.
كما أن الحيازات الزراعية الصغيرة أو ما يعرف بتفتت الملكية ليس بالمشكلة؛ إذ أنه في الزراعة المقاومة والمعتمدة على الذات، يفضل أصلا العودة إلى الحيازات الصغيرة. فمشكلتنا، إذن، تكمن في افتقارنا إلى سياسة إنتاجية وطنية تعتمد على مدخلات انتاج محلية، وتشجع الناس على العمل الزراعي وتنويع الانتاج الذي يلبي الاحتياجات المحلية بالدرجة الأولى. وعندئذ، سنتحرر من عقلية البحث عن الخلاص من الخارج.
السيادة الغذائية المقاومة
على ضوء تحكم اسرائيل بغذائنا وسيطرتها على عمالنا ومنتجاتنا وإحكامها الحصار التجويعي على شعبنا، فإن المطلوب اطلاق العنان للحريات وللمبادرات الانتاجية الشعبية المعتمدة على الذات والتي تنتج الغذاء الأساسي للناس، تطبيقا لمبدأ الاستفادة من مواردنا المحلية وعلى رأسها الأرض لتلبية الاحتياجات المحلية، بدلا من اشباع رغبات الأسواق الخارجية وقلة من الناس المتكسبين وبالتالي إعادة انتاج البطالة والفقر والجوع.
ويعتبر هذا التوجه مقاومة وطنية من أجل الصمود الاقتصادي الفلسطيني في مواجهة الضغط الاقتصادي والسياسي الذي يمارسه الاحتلال وقوى خارجية أخرى ضد شعبنا. وهذا يعني الاستثمار في مشاريع انتاجية شعبية، زراعية وغيرها، على أساس جماعي أو تعاوني أو فردي، تشغل عمالنا العاطلين الذين يملكون طاقات وقدرات انتاجية كبيرة كامنة ومشلولة، والعمل على تطوير هذه المشاريع، عبر الاستفادة من العناصر العاملة والكوادر الفنية والعمال المهرة، وذلك من خلال مشروع تنموي وطني يستند الى دراسة علمية مفصلة ومتكاملة للبنية الاقتصادية التحتية ولقطاعات الانتاج الفلسطينية، بهدف تدعيم البنية الاقتصادية الوطنية والشعبية، وليس كما يرى الموظف أو الممول الأجنبي.
وفي ظل خضوعنا لاحتلال استيطاني وعسكري اقتلاعي يمارس سياسات الحصار والتجويع بشكل منظم ومنهجي، فإن الأولوية هي لضمان تحقيق الأمن الغذائي الفعلي لأوسع الشرائح الشعبية وليس لصالح شريحة تجارية هامشية من التجار والمصدرين والوكلاء. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تغطية احتياجاتنا الغذائية الأساسية والإستراتيجية من إنتاجنا المحلي المتحرر من التبعية لمدخلات الإنتاج الصهيونية التي يتحكم بها الاحتلال وشركاته. وهذا يتطلب تشجيع المزارعين على العودة إلى الزراعات البلدية والعضوية التي تتميز مدخلاتها بأنها محلية سواء على مستوى السماد البلدي المحلي أو السماد الأخضر أو الحيوانات أو الأيدي العاملة أو البذور البلدية غير الصناعية، أو العلاجات الزراعية الطبيعية والعضوية المشتقة من الموارد والنباتات المحلية. وهذا التوجه الإنتاجي الغذائي الاستراتيجي، يضمن بقاء الثروة ورأس المال وتدفقهما وتدويرهما داخل بلدنا، لأن الاعتماد على المستلزمات الزراعية التي يعيد المزارعون إنتاجها بأنفسهم محليا، يكون في إطار نفس دائرة الإنتاج والاستهلاك المحلية. وهذا يعني الاعتماد على الذات وتحقيق الاستقلال والأمن الإنتاجي الغذائي وطنيا.
ومن الأهمية بمكان دعم وتطوير وحماية عملية إنتاج وتنويع المنتجات الزراعية المحلية وتصنيعها وتطويرها وحمايتها، بدل الهرولة الى تصديرها للأسواق الخارجية التي تتحكم بحركتها وأسعارها وكمياتها وتفرض علينا أبخس الأسعار لنعود فيما بعد نستورد منتجاتنا نفسها مصنعة وبأعلى الأسعار من إسرائيل وأوروبا وأميركا. إذ أن زيادة الطلب على السلع الغذائية المنتجة في مصانع فلسطينية بالضفة والقطاع وتراكم بعض الفائض الزراعي يجب أن يشجع المزارعين الفلسطينيين على زراعة المزروعات القابلة للتصنيع وبالتالي حث المستثمرين الفلسطينيين والعرب على الاستثمار في مجال التصنيع الزراعي الذي تشكل المحاصيل الزراعية العربية مواده الخام.
ومن نافل القول أن مجتمعنا الريفي امتاز تقليديا وتاريخيا بالتنويع الزراعي والاكتفاء الغذائي الذاتي. فلماذا إذن الهرولة الى تبني نظم وأنماط زراعية غريبة وقصيرة النظر، ولا تهدف إلا إلى تحقيق أرباح سهلة وسريعة على حساب أمننا الإنتاجي الغذائي الحقيقي واحتياجاتنا الغذائية الحقيقية وبيئتنا ومياهنا وتربتنا وأجيالنا القادمة، خصوصاً أن معظم هذه الأرباح تتدفق الى جيوب الشركات الصهيونية والمستوردين والوكلاء والمسوقين في الأسواق الخارجية، بينما لا يبقى سوى الفتات للمزارع المحلي.
وقد ثبت أنه في بلد كبلدنا، "متخلف" تنمويا ورازح تحت الاحتلال الاستيطاني وفقير بالموارد الطبيعية، لا مجال ولا مستقبل للحديث عن تنمية اقتصادية زراعية سوى في إطار اقتصاد إنتاجي متمحور داخليا ومتحرر من التبعية للمدخلات الخارجية الإسرائيلية، اقتصاد مقاوم للاحتلال. وهذا ما نعنيه بالضبط، في السياق الفلسطيني، بالزراعة العضوية (البلدية) المتداخلة والمتنوعة والبيئية التي توفر الاحتياجات الغذائية الأساسية النظيفة للناس، بحيث نتحرر من رحمة الاقتصاد والسوق الإسرائيليين، وبالتالي نحقق السيادة الغذائية للناس، الأمر الذي يعد شكلا أساسيا من أشكال السيادة السياسية.
إن تطوير العملية الزراعية استنادا إلى الموارد والإمكانيات والممارسات والتجارب والمعارف الزراعية المحلية، يعد لب مفهوم الزراعة العضوية. واعتبار الزراعة العضوية بأنها "زراعة التقنيات العالية" كما كتب بعضهم، يعد مغالطة علمية، لأن العكس هو الصحيح. حيث أن الزراعة المستندة إلى الكيماويات تحديدا، هي التي تعد ذات كثافة رأسمالية مرتفعة. بينما تقنيات واستراتيجيات المكافحة غير الكيماوية للآفات والأمراض الزراعية، تحتاج إلى المعرفة الواسعة والعمالة والمهارة والخبرة البشرية، أكثر من حاجتها إلى الرأسمال والتقنيات العالية، بمعنى أنها كثيفة المعرفة والعمل.
مدرسة فكرية مشوهة
بالرغم من أن العديد من "خبراء" الزراعة الفلسطينيين يتحدثون عن المنتجات العضوية والبلدية باعتبارها نظيفة وخالية من الكيماويات، وقد قطعت بعض الدول الأوروبية شوطا متقدما في إنتاجها، إلا أنهم يستكثرونها علينا، علما أن بإمكاننا إنتاجها استنادا إلى تقاليدنا وتراثنا الزراعي البلدي والطبيعي المتنوع والمتداخل، بمعنى العمل على مراكمة وإغناء وتطوير التجارب والمعارف الزراعية المحلية الحكيمة والغنية. إن الانتماء إلى مدرسة الزراعة الكيماوية أمر مفهوم وواضح، أما ما هو غير مفهوم الانتماء إلى المدرسة الفكرية التي تبرر تحويل أجسامنا إلى مكبات للأوساخ الكيماوية الإسرائيلية والأوروبية والأميركية، حتى لو كانت تلك الأوساخ مُمْرِضَة ومحظورة في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدولة اليهودية.
وخلاصة القول، إن البديل للسياسات والممارسات الاقتصادية-الزراعية المهيمنة حاليا، والتي لا تعمل إلا على تعميق تبعيتنا وانعدام أمننا الإنتاجي الغذائي، يتمثل في اتباع استراتيجية إنتاجية تستند إلى مواردنا وتجاربنا وتقاليدنا الإنتاجية المحلية الغنية وتطويرها أولا، وإنتاجنا الغذاء بهدف استهلاكه محليا (وبخاصة مع التزايد السكاني المتواصل) ثانياً، وإعادة التدوير المحلي للرأسمال ثالثاً. وبالتأكيد، لا يمكن، من خلال الزراعة الكيماوية، أن تتحقق مثل هذه الاستراتيجية الإنتاجية.
وإذا كان لا بد من التصدير، كما يروج عدد كبير من الاقتصاديين والسياسيين الفلسطينيين، فيجب ألا يكون ذلك قبل تلبية احتياجاتنا الغذائية الأساسية من إنتاجنا المحلي. ومن ثم بإمكان الزراعة التصديرية أن تستند الى تنوع الإنتاج (لأن التنوع يعدّ تقليلا للمخاطرة) وزراعة منتجات عضوية (خالية من الأوساخ الكيماوية). فالطلب على الأخيرة يزداد باستمرار في الأسواق العالمية عامة والغربية خاصة، وبإمكان مزارعينا التفوق في هذا المجال والاستفادة من مزايا استراتيجية حقيقية في المنافسة على الأسواق الخارجية بالاعتماد على قوتنا الزراعية المحلية الكامنة وتراثنا الزراعي الطبيعي والعضوي الغني.
وفي الواقع، تمتلك الزراعة البلدية الفلسطينية، حينما يجري العمل على إغنائها وتطويرها وتحويلها إلى زراعة عضوية – بيئية، تمتلك ميزة تنافسية من الدرجة الأولى خلافا للزراعة الكيماوية الفلسطينية التي لا تستطيع منتجاتها المنافسة في الأسواق الخارجية نظرا لإغراق تلك الأسواق بكميات هائلة من المنتجات "الأكثر جودة" والأرخص ثمنا. فعلى سبيل المثال، يتسبب استخدام الكيماويات الزراعية في حقول الزيتون في تدني جودة زيت الزيتون الفلسطيني الذي يعتبر سعره مرتفعا بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج قياسا لأسعار زيوت بعض الدول الأخرى مثل اسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان، الأمر الذي يفقد الزيت الفلسطيني ميزته التنافسية في الأسواق الخارجية.
وبإمكاننا أيضا إدخال الزراعة العضوية لإنتاج المحاصيل التقليدية التي لها آفاق تصديرية جيدة وتحقق فوائد اقتصادية وصحية وبيئية حقيقية للمزارعين مثل الحمضيات والبلح والعنب والتين وزيت الزيتون والخضار، فضلا عن محاصيل جديدة مناسبة. وبإمكاننا تطوير زراعة محاصيل عليها طلب في الأسواق الخارجية وتحتاج إلى قليل من العناية مثل الصبر والخروب والسمسم والأعشاب الطبية وغيرها. كما نستطيع تربية الدواجن والمواشي وإنتاج مشتقات الألبان العضوية.
إن أكثر ما يُعرّض الإنتاج الزراعي الفلسطيني الحالي للصدمات أنه يفتقر إلى التخطيط في إطار اقتصاد الصمود والمقاومة ومواجهة السياسات الاقتصادية الصهيونية الهادفة إلى تدمير الاقتصاد والسوق الفلسطينيين، مما يجعل هذا الانتاج غير حصين وحساساً جدا وسريع التأثر بالضغوط الخارجية، الأمر الذي يهدد استمرارية وجوده.