حيفا وجبل الكرمل
إبراهيم سلامة خوري
مؤسس حيفا الجديدة هو الشيخ ظاهر العمر، فبعد ان أعاد بناء عكا رأى أن من الضروري، خدمة لمصالحه التجارية، ان يسيطر على القطاع الجنوبي من الخليج، فانتزع حيفا من ولاية دمشق (في حين عكا والجليل كانتا تتبعان لولاية صيدا). ولصعوبة الدفاع عن حيفا القرية الصغيرة أمر بهدمها وأعاد بناءها (في أوائل القرن التاسع عشر) في موقع يسهل الدفاع عنه وأقام حولها سورا. وظلت بلدة بائسة تعيش في ظل عكا إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما اخذ الوضع يتغير سريعا لصالح المدينة للأسباب التالية:-
السبب الاول: بعد خروج ابراهيم باشا من سوريا وعودة الحكم للعثمانيين سنة 1841 اتنقل مركز الولاية الى بيروت فخسرت عكا مركزها السياسي والتجاري، ثم ان أوروبا أخذت تبني سفنا تسير بقوة البخار بدلا من السفن الشراعية بأحجام كبيرة، فاحتاجت الى مينا أكثر عمقا واقل تعرضا للرياح مما كان عليه ميناء عكا الضحل والمكشوف، فوجدت ذلك في جنوب الخليج بلدة حيفا. ومن هنا يرجح أن يكون معنى اسمها باللغة السامية - ملجأ او مأمنًا.
والسبب الثاني: الذي لعب دورا هاما في تاريخ حيفا وازدهارها كان وما يزال هو قدسية جبل الكرمل لدى الديانات الثلاث التي ترتبط بالنبي ايليا
 |
ففي النصف الثاني من القرن الثاني عشر أحب البعض من الصليبيين اعتناق الحياة النسكية والعيش في االمغاور الكائنة عل جبل الكرمل، متبعين حياة النبي ايليا، فاختاروا مغارة على سفح جبل من الجهة الغربية برئاسة القديس برثولد (Berthold) يعتبرها المسيحيون والمسلمون مدرسة الانبياء، اما اليهود فيدعونها مغارة النبي إيليا. وتوجد بقربها مغارة أخرى صغيرة يدعوها المسلمون مغارة خضر. وفي سنة 1207 حصل رئيس النساك القديس بروكارد (وهو واحد مواطني القدس) على إذن خطي من بطريرك القدس ينظم ويسمح بموجبه لجماعة النساك بتأسيس رهبنة استوحوا اسمهم من جبل الكرمل وعرفوا فيما بعد بالكرمليين وأضحوا تابعين لأبرشية القدس. وبسبب الاضطهادات ارتحلوا الى مكان آخر جنوب حيفا يبعد عنها حوالي سبعة كيلومترات وبنوا لهم ديرا وكنيسة صغيرة، ويدعى المكان في يومنا هذا وادي السياح.
الاسم كرمل بالكنعانية مركب من كلمتين كرم إيل، الكلمة الأولى كما في العربية أيضا بمعنى حقل، والثانية الله، فيصبح المعنى كرم الرب، واعتبر الجبل منذ عهد بعيد جبل مقدس.
يمتد الجبل طولا 27 كيلو مترا من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي وتغطي معظمه الأشجار الحرجية ويعتبر منطقة خضراء يتراوح علوه عن سطح البحر الابيض المتوسط ما بين 150 مترا الى أعلى نقطة 500 مترا حيث على بعد حوالي عشرين كيلومترا من دير الآباء الكرمليين الحالي يوجد المكان الذي يعتقدون انه موضع المذبح الذي أقامه النبي إيليا عندما جعل النار تهبط من السماء وتحرق الذبيحة، ويسمى الآن – المحرقة- وفيه دير وكنيسة صغيرة لرهبان الكرمل.
والأسباب الأخرى التي زادت في تطور وازدهار حيفا هي ربطها سنة 1905 بسكة حديد الحجاز. وفي مطلع القرن العشرين أضحت الميناء الرئيسي في القطاع الشمالي من الساحل الفلسطيني ومركزا تجاريا عاما وعلى الأخص عندما وقعت البلاد تحت الاحتلال البريطاني؛ اذ قامت الحكومة في سنة 1933 بتجديد الميناء على احدث وجه وعملت على إقامة مصفاة البترول بواسطة أنبوب النفط العراقي (وعند انشاء دولة اسرائيل توقف النفط وكذك سكة الحديد)، فراحت تنمو بسرعة مدهشة وتجذب اليها المهاجرين سواء من المناطق الداخلية أو التجار الأجانب، بالإضافة إلى المستعمرين اليهود الصهاينة. فالى جانب السكان العرب مسلمين ومسيحيين، والمستعمرين اليهود، سكن فيها بشكل دائم يونان وأتراك وإيطاليون وأرمن ورجال دين مسيحون.
يوجد فيها العديد من الكنائس والأديرة لمختلف الطوائف وكذلك مسجد للمسلمين أعيدت مؤخرا الصلاة فيه للمسلمين. وفيها جامعتان وعدد من المتاحف الفنية والعلمية. وبالإضافة فهناك المستشفى الايطالي والمدارس الخاصة. وكان انه عند نهاية الاحتلال البريطاني عن البلاد احتل اليهود المدينة، عام 1948، وتركها ثمانون ألفا من سكانها العرب الفلسطينيين، ولم يبق منهم آنذاك سوى سبعة آلاف. وأخذ اليهود من أطراف العالم يستوطنون فيها. ويقدر عدد سكانها حاليا بنحو ثلاثمائة وخمسون ألفا، بينهم من العرب ما يقارب 35 ألف
عن: الدليل السياحي لأهم الأماكن الدينية والأثرية في الأرض المقدسة
|