January 2010 No (21)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
كانون ثاني العدد (21)2010
 

ما بين الزمان والمكان في الريف والبادية المقدسية

مع الطّير والحيوان في الشعر العربي

زهرة من أرض بلادي  الزعرور 

 

ما بين الزمان والمكان في الريف والبادية المقدسية

ناديا البطمة

     القدس من أقدم مدن العالم، كما أنها من المدن النادرة التي استمرت تشغل موقعا مركزيا مهما منذ نشوئها حتى اليوم لمن كان يعيش فيها وللمناطق المحيطة بها.
يقول الأستاذ عارف العارف في كتابه المفصل في تاريخ القدس:  "يعتقد قوندر، وكوانت، وكليرمان غالو وغيرهم من الكتاب والمؤرخين أن سكان القرى القائمة حول مدينة القدس وفي يومنا هذا هم من بقايا الكنعانيين القدماء."
سكن اليبوسيون بعد الأموريين المدينة في بداية القرن الرابع عشر قبل الميلاد تقريبا وكلاهما من أصل كنعاني، والآثار الموجودة في تلك القرى تثبت ذلك؛ وينسحب هذا على باقي العصور عبر التاريخ البعيد والقريب.
يشير ابن خلدون إلى أن بعض المدن يمكن لها البقاء بعد زوال الدولة إن توافر لها ريف يمدها بالسكان ويحافظ على وجودها ، وهذا يدل على أنه لا غنى للمدينة عن ريفها ومحيطها ولا غنى للريف عن المدينة، وللقدس عدد كبير من القرى تتبعها.

لما بسط صلاح الدين سلطانه على فلسطين ووطد حكمه أسكن القبائل العربية التي شاركته الحرب في مدينة القدس وجوارها، وعهد لهم بحراسة الأماكن المقدسة والسهر على حماية البلاد.
ودام هذا الحال حتى جاء الملك الظاهر بيبرس وقضى على الصليبيين، فأقطع البلاد إلى مشايخ القبائل ووزعها عليهم، وقد رتب الأعياد والمواسم المعروفة في بلادنا، وأهمها موسم النبي موسى الذي جمع له قرى بني مالك، وبني حسن، وجبل القدس والوادية، وعززهم بجبل نابلس والخليل الذين يردون متعاقبين وهو تجمع مدني فلاحي وبدوي وإسلامي ومسيحي في وقت عيد الفصح، لحماية المقدسات من الأجانب الطامعين باسم الصليب.
قال المرحوم خليل السكاكيني في صحيفة الشورى، القاهرة 7 أيار 1925 "لو لم يكن لفلسطين هذا الموسم(موسم النبي موسى) لكانت جديرة أن تخلقه، فهي في حاجة إليه اليوم كما كانت في حاجة إليه قبله."
عندما بدأ الصراع ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني هبت الثورة، وكان ابن القدس عبد القادر الحسيني قائدا لها، واستشهد في قرية القسطل المقدسية، والثوار من الريف والبادية  المقدسية، وثورة 1936 سميت بثورة الفلاحين الذين نفذوا العصيان المدني وأنجحوا إضرابا دام ستة أشهر، ويقولون لمن يتوجه إلى القدس أنه "مدن" أي ذاهب إلى المدينة ويعنون بذلك "القدس" دون غيرها فلو توجه أحدهم على سبيل المثال إلى مدينة يافا يقولون ذهب إلى يافا ويذكرونها بالإسم.

   

 نبذة من بيئة مقام النبي موسى
يقع مقام النبي موسى في برية القدس المميزة ذات الأرضي الجيرية، وتكثر حول مقام النبي موسى الحجارة الجيرية القطرانية.  ولذلك تستعمل العامة هذه الحجارة لإيقاد النار ويقولون: "دستور ابن عمران ناره من حجاره."
وكانت تصنع من حجر موسى الأقداح وصحاف الطعام ودوايات الحبر. وكان بيع هذه الأدوات يروج له بالزعم أن السوائل التي تشرب منها تسبغ على الجسم العافية والشفاء.
     وعلى امتداد العصر البيزنطي انتشرت الأديرة في برية القدس، وأشهرها دير قرنطل، ودير حجل،  ودير القديس يوحنا، ودير القلط ودير مارسابا، ودير ابن عبيد.
    فالعزلة والصمت العميق الذي يلف المنطقة يناسب النساك والمتعبدين والرهبان منذ الأزمنة القديمة وكان لهؤلاء الرهبان أحيانا نفوذ كبير على القبائل البدوية، فقد ذكر أن افتيموس أحد كبارالرهبان الأرمن  في القرن الخامس، نصر أحد مشايخ القبائل القاطنة في البرية وجعله أسقفا على قبيلته ودعيت أبرشيته بالمخيم.
يقول المؤرخ عارف العارف:" لم تلعب مدينة من المدن القائمة على وجه البسيطة، الدور الذي لعبته القدس في التاريخ، على الرغم من أنها مدينة لا زرع فيها ولا ضرع، وعرها أكثر من سهلها، ماؤها قليل، ليس فيها نهر ولا نبع غزير."
يقول المثل الشعبي أيضا:  "ميّتها لم"  أي ماؤها يجمع من خارجها. فمن أين كانت تشرب القدس؟
هناك القناة الرومانية التي رممت في العهود الإسلامية اللاحقة، تغذيها مجموعة عيون وينابيع واقعة في (وادي العروب) و( وادي البيادر) و(البالوع) و(ارطاس)، هذه الينابيع واقعة على مقربة من الطريق التي تربط القدس بمدينة الخليل وتصب ماؤها في برك سليمان ومن هذه البرك  يسيل الماء في قناة واحدة، إلى أن تصل بيت لحم، فالقدس.  قال جورجي زيدان: "إن الملك الطاهر برقوق هو الذي عمرها. وراحت بعدئذ تعرف بــ "قناة السبيل."
وفي عام 1926 سحب الماء من (عين فارة) وفي عام 1931 تزودت القدس بالماء من عين الفوار ، وعين القلط ثم اعتمدت على مياه راس العين الواقعة بين القدس واللد.  وهذه المصادر كلها من البيئة المقدسية المحيطة.

أسواق القدس العتيقة
مع بزوغ فجر كل صباح تدب الحركة في أبواب القدس وطرقها وأزقتها من كل صوب وتبدأ قوافل الباعة من الفلاحين  والبدو تنتشر في الأرجاء.  نساء تحمل على رؤوسها الخضر والفواكه، ورجال يقودون الدواب المحملة، وأطفال يساعدون ويرافقون الكبار ليتدربوا ويتعلموا.  ينتشرون ويتخذون مواقعهم التي اعتادوا عليها في أسواق القدس العتيقة المرصوفة والمسقوفة.
    من الريف تأتي الخضر والفواكه المنوعة والحبوب والبقول، ومن البادية تأتي الألبان والأجبان والزبدة البلدية واللحوم والجلود، والصوف وفي الربيع  خاصة تنشط حركة تبقيل النباتات البرية كالعكوب والهندباء والحورية، والزعتر والتي ينتظرها المجتمع المقدسي.
وقد نقلت هذا المشهد الثقافي جريدة القدس طوال الفترة الماضية القريبة في صور عمرها مئة سنة ويزيد.  وكان حضور القرويين فيها واضحا.
ولما لم يكن قبل قرن من الزمان طرق ووسائل نقل بين الريف والمدينة، وكان الناس يؤمونها مشيا على الأقدام، ويدخلونها محملين ويخرجون منها محملين بما يلزمهم من مختلف الحاجيات. وهناك حالة استثنائية يجدر أن ننوه إليها وهي أهمية سكة الحديد التي ربطت القدس بيافا.  أنشأتها (شركة الخطوط الحديدية العثمانية ليافا – القدس)  وهي شركة فرنسية أسست في باريس سنة 1889م وكانت أول محطة في الريف المقدسي بعد المحطة المركزية في حي البقعة بالقدس هي محطة بتير على بعد 8 كيلومترات من القدس. ومن هذه المحطة كانت تخرج أول رحلة متجهة إلى محطة القدس محملة بالخضر والفاكهة من قرية بتير وجوارها من القرى كقرية الولجة.
وقد منحت هذه المحطة فرصة لأهالي القدس أن يصلوا إلى بتير ومحطتها الواقعة  في واديها الأخضر وجنانها العامرة، يجلسون تحت ظلال أشجارها ويستجمون ويتنزهون ويقضون معظم الأوقات بين الماء والخضرة والوجه الحسن.
وعندما كان في الثمانينات من عمره كتب المرحوم الدكتور اسحق موسى الحسيني في كتابه "تعلمت من الناس تجارب من الحياة"، حول تلك الأيام، والرحلات ، والصداقات والعلاقات والذكريات.  واقتطف منه بعض السطور تحت عنوان "ضيافة في بتير":  وكان من عادة سكان المدن أن يقضوا الصيف أو بعضه في الريف الفلسطيني الجميل وكان الوالد رحمه الله يؤثر  قرية بتير ، فيخرج إليها بزوجته وأولاده، وكان من أصدقاء الوالد الشيخ مصطفى حسن والد الأديب الريفي الممتاز حسن مصطفى، صاحب (خطرات ريفية) رحمهما الله.
     كان الريف متنفس المدينة والمدينة موئل الريف . وكان كل منهما متمما للآخر؛ وقد حاولت السياسة في وقت من الأوقات أن تضرب المدينة بالريف فلم تفلح. ولكن المودة  القديمة فترت وقطعت وشائج كان ينبغي أن تبقى وتنمى.
وتحت عنوان ذكاء سيدة يقول:-
وحين صدر كتاب (مذكرات دجاجة) قرأته السيدة الفاضلة قرينة المرحوم حسن مصطفى. وبعد أن فرغت من قراءته بحسن فهم قالت لحسن، لا يمكن أن يكون كاتب هذه المذكرات إلا ريفيا. فكيف استطاع صاحبك الحسيني وهو المدني العريق أن يكتبها؟ وجاءني حسن ونقل إلي تعليق زوجته وسألني عن جوابي فقلت له.......
روت لي إحدى السيدات من بتير، أن جدتها التي باعت ما لديها من ثمار الفول في البزار، أرسلت لعائلتها خبرا مع العائدين إلى القرية أنها بحاجة إلى كيس آخر لتبيعه وهي تنتظر وصوله في محطة القطار.  أرسلت الطلبية مع الطفلة الحفيدة التي لم تجد جدتها  في انتظارها، فما كان منها إلا  أن حملت الكيس على رأسها وكان كبيرا جدا بالنسبة لحجمها حيث اختفت ولم تظهر أسفله، فبدى الكيس كأنه يسير وحده، و أخذ المارة ينخفضون لينظروا إلى من يرزح تحت هذا الحمل الثقيل، ويعلقوا مندهشين.
    شكل القدس سوقا تجارية هامة لاستهلاك البضائع والمصنوعات التي تستوردها من البلاد الأخرى بكثرة. لذا فالحراك التجاري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي  ينبعث من تواجد القرويين والبدو في أسواق القدس ومطاعمها وحماماتها وكنائسها ومساجدها ومقاهيها ودكاكينها؛ وذلك لأن كل ما ينقصهم من خدمات في قراهم يجدونه في القدس.
    فهم يشترون كسوة العرايس وجهازها من ذهب وفضة وخيوط وأقمشة ومنسوجات وأحذية، ويؤجرون حياكة وخياطة (القنابيز) عند الخياطين.

    يأكلون طعام الأسواق من كعك القدس المحبب وحمص وفلافل ومسبحة، كما يتناولون الأطعمة المدنية التي يصعب عليهم تحضيرها لأنها تحتاج إلى وقت وماكينة لحمة، كالكفتة واللحمة على ورقة ، وكذلك المشاوي (الكباب).
     ويشترون الصابون المقدسي حيث كان في القدس عدد كبير من  المصابن، وزيت السمسم(السيرج) من معاصرها والطحينة، والحلاوة، والسكر والقهوة والشاي ، والدخان، والأرز ، والبهارات ، والتوابل، والحلقوم والنوجا، والحلويات الشامية، والأدوات والأواني المنزلية النحاسية والخزفية والفخارية والخشبية.
    القدس مدينة العلم تعج بالمدارس والمعاهد والمؤسسات الثقافية والنوادي والمكتبات، فيؤمها أبناء القرى طلبا للعلم والمعرفة، أيام كانت القرى بلا مدارس، وكانت القلة القليلة من الناس تعنى بتعليم الأبناء لأكثر من مرحلة الكتاب إذا وجد؛ ومع هذا خرج المتعلمون والمثقفون والأدباء والشعراء والمحامون واحتلوا الوظائف والمناصب في التعليم والصحافة وكل المجالات.  وقد تميزت منطقة القدس بثقافة ووعي أهلها ولهم سمات وأعمال خيرة وأخلاق مميزة عن شمالها وجنوبها.
     ومن النوادي والمؤسسات الثقافية القروية في الأربعينيات، النادي الحسني ( نسبة الى عشيرة بني حسن) و نادي الاتحاد القروي، وكان لها نشاط ثقافي راق ورياضي واجتماعي ويعالج قضايا المجتمع الريفي،  كما أن المدارس في قرى لواء القدس  كانت تستوعب دخول الطالبات حتى المرحلة الابتدائية مع الذكور.
    ينشد أهالي لواء القدس العلاج والطبابة والخدمات الصحية في مشافي القدس وعياداتها وحتى الآن يرون أن أي خدمة في القدس هي الأفضل والأكمل.
حتى أكفان الموتى يحرصون على شرائها من القدس، وبعد نكبة 1948 كانت الشخصيات المقدسية التي هجرت من قراها كالمالحة، وعين كارم، توصي أن تدفن في مقبرة باب الساهرة.
إنها علاقة وجدانية نفسية كعلاقة الروح بالجسد، وعلاقة الأم بأطفالها، لذا انعكس هذا الشعور والتقدير العظيم للمدينة المقدسة في الأغاني الشعبية الإسلامية والمسيحية، أورد نماذج منها لها معاني ودلالات سياسية ودينية واجتماعية، وفيها حضور للقدس ومعالمها ومقدساتها.


قلي وين أزفك               ياحلو يامزيون
ع الصخرة الشريفة         في فاي الزيتون
قلي وين أزفك               ياالمدلل وين
ع الصخرة الشريفة         وبين الحرمين    


قلي وين أزفك               يابو العيون السود
ع الصخرة الشريفة         والنبي داود

    ويغني المسيحيون نفس الأغنية ولكن  بذكر الأماكن المقدسة المسيحية :
قلي وين ازفك               يا حلو يا زين
في الصلاة الشريفة                   وبين الهيكلين
قلي وين اكليلك              يا حلو  يا منيح
في الصلاة الشريفة          قدام المسيح
مبارك مبارك              سبع باركات
كما بارك المسيح          عالسبع خبزات

من وسط القدس             يا لبس العرايس             من وسط القدس
من أحلى اللبس              لبسها يا فلان                من أحلة اللبس    
من باب العامود             يا عطر العرايس            من باب العامود
ذهب مع ياقوت              لبسها يا فلان                ذهب مع ياقوت

يابي فلان                   شورك وين يودينا
من سور عكا                للقدس أراضينا
يابي فلان                   شورك وين يوصلنا
من سور عكا                للقدس منازلنا

    كانت زعامة ومشايخ المنطقة يلتقون المقادسة، ويتبادلون الأخبار والأحاديث والخطط لفعاليات ثورية في مقاهي القدس العتيقة. وهذه الأغنية النسائية تفخر بأهلها ومقاصدهم:
يا لابسة الجاكيت           حلوة بلا جاكيت
قهوة باب خان الزيت        مقعد لاهالينا
يالابسة المنديل              حلوة بلا منديل
قهوة باب الخليل             مقعد لاهالينا

عزل القدس وآثاره
إن التواصل والمنافع والمصالح المشتركة والمتبادلة بين الريف والمدينة لا تنتهي رغم التطور والنهضة والاكتفاء الذاتي من الخدمات في القرى والمدن على حد سواء، إلا أن العلاقة بالقدس مختلفة ومعقدة . إن عزلها عن محيطها هو بمثابة قطع عصب الحياة فيها؛ إنها إجراءات إجرامية ظالمة للبيئة والطبيعة مثلما هي ظالمة ومجحفة في حق الإنسان والحيوان النبات. لقد أضرت بالناس معنويا ونفسيا وحياتيا ومعاشيا ونسفت شبكة من العلاقات الوجدانية الثقافية والاجتماعية والروحية والدينية، كانت القدس هي بؤرتها ومركزيتها واليوم يتحسر المسلم والمسيحي والفلاح والمدني والمجتمع المقدسي في داخلها ومحيطها على ما مضى، ومن الحاضر التعيس والمستقبل المظلم المكبل بجدار الفصل العنصري الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا على مر الزمن.
     وهذا مثل شعبي اشتهر عن القدس (ميّتها لمّ، وعيشتها غمّ، وصحبتها أكتر من سنة ما بتمّ)، والمقصود أن قدسيتها ومكانتها العالمية والروحية والثقافية وموقعها في قلب العالم كان سبب شقائها، وما هي فيه من المحن والرزايا، تنعكس على أهلها بالشعور باليأس والتشاؤم والعبوس والحزن. وهي محط أنظار ومطامع الغاصبين على مر الزمان؛ لذا يضيق ذرعا من يمكث فيها طويلا. ويعد العيش في بيت المقدس صمودا وجهادا في ظروفها الاحتلالية التي تعجز الكلمات عن وصفها.
 وهذا مثل عامي آخر يقول :( إللي برضى بالقليل بيعيش  ما بين القدس والخليل) بمعنى أن المعيشة في القدس ومنطقتها تعد تضحية وفداء، ولا تناسب طلاب المال والغنى والرفاه
.
أبدع الشاعر تميم البرغوثي وهومن أبناء الريف المقدسي حين رسم عذابات وآلام القدس وأهلها، لوحات فنية شعرية معبرة في ديوانه (في القدس)، وخير ما أختم به هذه المقالة الأبيات التالية:-
لا تبك عينك أيها المنسي من متن الكتاب
لا تبك عينك أيها العربي واعلم أنه
في القدس من في القدس  ..لكن
لا أرى في القدس إلا أنت

 

مع الطّير والحيوان في الشعر العربي

علي خليل حمد

اقتضت طبيعة الأشياء، أن تكون علاقة المنفعة العلاقة الأكثر تردّداً في قصائد الشعراء الجاهليين، وبخاصة مع الناقة التي كانت الوسيلة الأولى في تنقلهم ومعيشتهم وقضاء حاجاتهم.
قلّما تخلو قصيدة من مطوّلات الشعر الجاهلي من وصف الناقة؛ ومن هذه المطوّلات معلقة طرفة بن العبد التي بدأها ببضعة أبيات عن حبيبته خولة، أتبعها بثلاثة وثلاثين بيتاً في وصف الناقة؛ ثم عاد إلى الحديث عنها، فيما بعد، حديث المنفعة الخالصة التي تتحقق بالسّوط مرة وبالسيف مرة أخرى.
ولا يجد دارس الشعر الجاهلي سوى القليل النادر من الأبيات التي يعبّر فيها الشاعر عن تعاطفه مع الناقة، التي شاركته مشاقّ السفر عبر الصحراء المهلكة المحرقة؛ ومن هذه الأبيات النادرة، وصف "المثقّب العبدي" لشكوى ناقته، وقد رأته يحاول شدّ حزامها (إذا درأت لها وضيني)، فيقول
:

إذا ما قمت أرحلها بليلٍ

 

تأوّهُ آهةَ الرّجل الحزينِ

تقول إذا درأت لها وضيني

 

أهذا دينه أبدأ وديني؟

أكلّ الدهر حَلٌّ وارتحالٌ

 

أما يبقى عليَّ ولا يقيني؟

وبالرغم من قلة ما قيل عن الفرس في الشعر الجاهلي، بالمقارنة مع ما قيل منه في الناقة، إلاّ أنّها تبدو أكثر حظوة بالإعزاز؛ ومما جاء في ذلك قول الشاعر:

أبيت اللعن إنّ (سكابِ) علقٌ

 

نفيسٌ لا تُعار ولا تباعُ

مفداة مكرّمة علينا

 

يُجاع لها العيال ولا تجاعُ

وقول عنترة في معلّقته يصف شكوى فرسه من غزارة وقع الرماح بجسده:

يدعون عنتر والرماح كأنها

 

أشطان بئرٍٍ في لبانِ الأدهمِ

مازلت أرميهم بثغرة نحرهِ

 

ولبانه حتى تسربل بالدّمِ

فازورّ من وقع القنا بلبانهِ

 

وشكا إليّ بعبرةٍ وتحمحمِ

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى

 

ولكان لو علم الكلام مكلّمي

وقد بقي هذا الإعزاز الخاص للفرس قائماً من بعد، نجده عند المتنبي الذي يرفض قصر مفهوم الفرس على ملامحه البدنية، ويرى فيه صديقاً نادراً، يقول:

وما الخيل إلاّ كالصديق قليلة

 

وإن كثرت في عين من لا يجربُ

إذا لم تشاهد غير حُسن شياتها

 

وأعضائها فالحسنُ عنك مغيّبُ

ومع  ازدهار الحضارة العربية في أوائل العصر العباسي، وقعت تحولات واضحة في علاقة الشعراء بالبيئة الجديدة الخصبة المترفة، تمثل بعضها فيما نراه من تعاطف عميق مع أنواع شتى من كائناتها

الحية، وبخاصة الحمام، ومن ذلك ما يروى عن المنازي البندينجي الشاعر، من أنه مرّ بسوق باب الطاق، في بغداد، حيث تباع الطيور، فسمع حمامةً تلحن في قفص، فاشتراها وأرسلها، وقال:

ناحت مطوَّقةٌ بباب الطّاقِ

 

فجرت سوابق دمعي المهراقِ

حنّت إلى أرض الحجاز بحرقةٍ

 

تشجي فؤاد الهائم المشتاقِ

كانت تفرّخُ في الأراك وربّما

 

كانت تفرّخُ في فروع السّاقِ

فأتى الفراق بها العراق فأصبحت

 

بعد الأراك تنوح في الأسواقِ

فشريتها لمّا سمعت حنينها

 

وعلى الحمامة عدتُ بالإطلاقِ

بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي

 

من فك أسركِ أن يحلّ وثاقي

ومثله قول الشاعر:

ربّ ورقاءَ هتوفٍ في الضّحى

 

ذات شجوٍ صدحتْ في فَنَنِ

ذكرت إلفاً ودهراً سالفاً

 

فبكت حزناً فهاجت حزَني

فبكائي ربّما أَرّقها

 

وبكاها ربّما أرّقني

ولقد تشكو فما أفهمها

 

ولقد أشكو فما تفهمني

غير أنّي بالجوى أعرفها

 

وهْيَ أيضاً بالجوى تعرفني

ومن هذا الباب قول أبي فراس الحمداني وهو في الأسر:

أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ

 

أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا

 

تعالي أقاسمك الهموم تعالي

أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ

 

ويسكت محزونٌ ويندب سالِ

لقد كنت أولى منك بالدمعِ مقلةً

 

ولكن دمعي في الحوادث غالِ

لعلّ أجمل قصائد الشعر العربي التي خفق فيها قلب الشاعر متعاطفاً مع الحيوان، وآسفاً لمصيره، هي قصيدة "رثاء هر" لابن العلاّف، الذي راعه مقتل قطّه الحبيب بأيدي جيرانه، الذي اعتاد أن يسطو على فراخ الحمام في منزلهم، يقول ابن العلاّف:

يا هرُّ فارقتنا ولم تعدِ

 

وكنت منّا بمنزل الولدِِ

فكيف ننفكّ عن هواك وقد

 

كنت لنا عُدَّةً من العُدَدِ

تطرد عنّا الأذى وتحرسنا

 

بالغيب من حيّةٍ ومن جُرَدِ

وتًخرج الفأر من مكامنها

 

ما بين مفتوحها إلى السُّدَدِ

يلقاك في البيت منهمو مددٌ

 

وأنت تلقاهمو بلا مَدد

لا ترهب الصيف عند هاجرةٍ

 

ولا تهاب الشناء في الجمَد

حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا

 

ولم تكن للأذى بمعتقدِ

وحُمت حول الردى بظلمهمو

 

ومن يحُم حول حوضه يَرد

وكان قلبي عليك مرتعداً

 

وأنت تنساب غير مُرتعد

تدخل برج الحمام متَّئداً

 

وتُخرج الفرخ غير متَّئد

أطعمك الغيُّ لحمها فرأى

 

قتلك أربابها من الرَّشَد

كادوك دهراً فما وقعتَ وكم

 

أفلتَّ من كيدهم ولم تكدِ

حتّى إذا خاتلوك واجتهدوا

 

وساعد النفس كيد مجتهدٍ

صادوك غيظاً عليك وانتقموا

 

منك وزادوا ومن يَصد يُصَد

ثم شفوا بالحديد أنفسهم

 

منك ولم يربعوا على أحدِ

لم يرحموا صوتك الضعيف كما

 

لم ترث منها لصوتها الغرِدِ

أذاقك الموت ربّهن كما

 

أذقت أفراخه يداً بِيد

كأنّ حبلاً حوى بجودته

 

جيدك للخنق كان من مَسَد

كأن عيني تراك مضطرباً

 

فيه وفي فيك رغوة الزّبد

وقد طلبتَ الخلاص منه فلم

 

تقدر على حيلةٍ ولم تجد

كأنهم يقتلون طاغيةً

 

كانوا لطاغوته من العُبًد

عشتَ حريصاً يقوده طمعٌ

 

ومتّ ذا قاتلٍ بلا قَوَد

يامن لذيذ الفراخ أو قعه

 

ويحك هلاّ قنعت بالغُدد

ما كان أغناك عن تَسَوّرك

 

البرج ولو كان جنة الخُلد

عاقبة الظلم لا تنام وإن

 

تأخّرت مدةً من المُدد

أردت أن تأكل الفراخ ولا

 

يأكلك الدهر أكل مضطهد

هذا بعيدٌ عن القياس وما

 

أعزّه في الدنوّ والبُعُد

لا بارك الله في الطعام إذا

 

كان هلاك النفوس في المِعَد

قد كنت في نعمةٍ وفي دعةٍ

 

من العزيز المهيمن الصّمد

تأكل من فأر بيتنا رغداً

 

وأين بالشاكرين للرّغد؟

والقصائد التي قالها الشعراء العرب في رثاء الحيوان كثيرة، واتّسمت المناسبات التي قيلت فيها بالطّرافة أحياناً، ومنها "البرذونيات" التي نظمها ندماء الوزير الصاحب بن عباد بأمر منه في رثاء برذون أبي عيسى المنجّم، وبوسع القارئ الاطلاع على بعضها في كتاب "يتيمة الدهر" للثعالبي.
وفيما بعد، نظم الأديب اللبناني أحمد فارس الشدياق (1804-1888) قصيدة فكاهية في رثاء حمارٍ فقده، فقال:

راح الحمار وخلّى القيد في الوتد

 

وما رأى إثره في الناس من أحدِ

فهل أنا راكبٌ من بعدهِ وتداً

 

أم مجزئي قيده لو كان من مَسَد

أم كيف أدخل داراً كان لي سكناً

 

فيها وأنزل عندي منزل الولدِ

وكان يوقظني منه النّهاق إذا

 

استثقلت نوماً بصوتٍ مطربٍ غردٍ

وكم جرى فارهّا إذ لاح من بُعُدٍ

 

زفاف خودٍ إليها بالغ الأمدِ

وإذ تبيّن نعشاً للجنازة لم

 

يمرر به مع أليم النّخس في الكتد

قد رابني حذقة حتى ظننت به

 

مسخيّةً مثل بعض الخلق عن أحدِ

شلّت يدا من به ولّى وغادرني

 

أمشي وأنشب في أوحال ذا البلدِ

يا ليت لي خصلةً من ذيله أثراً

 

أرنو إليها كما أرنو إلى الخُرُد

ومن هذا الباب القصيدة التي قالها شاعر معاصر في رثاء حماره، وقارن فيها بين الفقيد ورئيس إحدى الدول التي كانت طائراتها تقتل كل حي، وتدمر كل شيء في أحد بلدان العالم الثالث:

ومن أجمل ما قيل في احترام حق الحيوان في السعادة قول شوقي:

الحيوان خَلْقٌ

 

له عليك حقُ

سخّره الله لكا

 

وللعباد قبلكا

حمولة الأثقالِ

 

ومرضع الأطفالِ

ومُطعم الجماعة

 

وخادم الزراعة

من حقّه أن يُرفَقا

 

به وألا يُرهقا

إنّ كَدّ دعه يسترحْ

 

وداوه إذا جُرحْ

ولا يجُع في داركا

 

أو يَظْمَ في جواركا

بهيمةٌ مسكينُ

 

يشكو فلا يُبينُ

لسانُه مقطوعُ

 

وماله دموعُ!

ويذكر شعر شوقي هذا بقول عالم البيئة توم ريغان:
"إن حقيقة كون الحيوانات لا تستطيع بذاتها التعبير عن مصلحتها الخاصة، حقيقة أن الحيوانات لا تستطيع الانتظام في جمعيات أو تقديم عرائض الاحتجاج، أو تنظيم المسيرات، أو ممارسة الضغط السياسي، أو رفع مستوى وعينا، كلّ ذلك لا يُضعف ما علينا من إلزام للعمل لصالحها، بل إن عجزها ليجعل هذا الإلزام أعظم شأنا."

 

زهرة من أرض بلادي   
الزعرور

د. عثمان شركس / جامعة بيرزيت

الاسم اللاتيني:       Crataegus aronia L
الاسم الانجليزي:    Spiny Hawthorn

اسم العائلة:           الوردية    Rosaceae

الاسم العربي الشائع:  زعرور، زعرور بري، زعرور شوكي

وصف النبتة:  يتميز شجر الزعرور هذا بأزهاره البيضاء، وهو من أكثر أنواع الزعرور انتشارا في بلادنا مقارنة مع الزعرور أحمر الثمار و زعرور ادم. ويصل ارتفاع شجرة الزعرور ما بين1 .5-5 أمتار. تتساقط أوراق هذه الشجرة في فصل الشتاء وثمارها تشبه التفاح الصغير. والزعرور من النباتات الحرجية الشوكية، وهو من الأنواع التي تعاني من التحطيب، وهو من الأنواع المحمية

فترة الأزهار: من شهر آذار حتى نهاية نيسان

التوزيع الجغرافي: الزعرور من الأنواع المميزة لجبال فلسطين الوسطى والسهل الساحلي ويقل انتشاره في السفوح الشرقية حيث يكون متراميا وغالبا ما كان يزرع في محيط القرى كحد أو علامة على قطعة أرض، حيث يقال"شجرة الزعرور هي الحد".

استعمالاته الطبية  الشعبية:  يستعمل شراب أو مستحلب الزعرور في علاج أمراض القلب المتوسطة الشدة، وما يرافقها كأعراض مرضية مثل الذبحة الصدرية وتصلب الشرايين وضغط الدم والدوار وتحسين سرعة دقات القلب ، يقال: "الزعرور غذاء القلب".

Crataegus aronia L.

مجلة افاق البيئة و التنمية
 
في هذا العدد


كوبنهاجن القصة وما فيها


لكي لا "ترسب" قضية المبيدات


!!!النفط فوق الشعب

المعاول الإسرائيلية المدمرة للنظام البيئي الفلسطيني

رسالة سوريا حول الكوكا كولا

في غزة .. عام بيئي ملوث

فريق بحثي بجامعة الإمارات ينجح باستخلاص وقود الديزل الحيوي من الطحالب

كوبنهاغن القمة التي لم تقم بواجبها

!عاد الرؤساء من كوبنهاغن وبقي أبطال المناخ داخل السجن

"اينوك" توّفر خدمات صديقة للبيئة

أزهار الزينة تخفض كثيرا مستوى تلوث الهواء داخل المنازل وأماكن العمل

الفيلم الذي دَوَّى في رؤوس المشاركين بمؤتمر تغير المناخ في كوبنهاجن

من منظور بيئي سياسي جغرافي طبيعي شامل للمكان:الحد الفاصل بين الواقعي والأسطوري في جبال القدس

أزهار الزينة تخفض كثيرا مستوى تلوث الهواء داخل المنازل وأماكن العمل

زيادة كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك يشكلان أهم الأدوات لتعميم الطاقة النظيفة

ما بين الزمان والمكان في الريف والبادية المقدسية

مع الطّير والحيوان في الشعر العربي

زهرة من أرض من بلادي الزعرور

الزراعة والتسويق المدعومان شعبيا

حيفا وجبل الكرمل

إسرائيل في الزراعة المصرية: اختراق خطير وتخريب أسود

أنور خلف: زرعنا 30 ألف شجرة في جبل صخري ونحلم بإطلاق محمية طبيعية ضخمة

 

 
:دعوة للمساهمة
دعوة للمساهمة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية"
يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (نماذج زراعية صديقة للبيئة...) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 23 كانون ثاني 2010.
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 

 

   
  | الصفحة الرئيسية | افاق البيئة والتنمية |الارشيف |