January 2010 No (21)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
كانون ثاني العدد (21)2010
 

 

كوبنهاجن القصة وما فيها

لكي لا "ترسب" قضية المبيدات

النفط فوق الشعب!!

 

كوبنهاجن القصة وما فيها

نسرين مزاوي / الناصرة
أخصائية في إدارة الموارد البيئية والطبيعية

تنعقد قمة كوبنهاجن للمناخ في إطار معاهدة الأمم المتحدة للمناخ الموقعة عام 1994. وتعتبر التسعينيات من أهم السنوات في الخطاب البيئي الدولي.  ومن أهم الأمور التي وضعت على طاولة المفاوضات في كوبنهاجن  بروتوكول كيوتو وصندوق التكييف المخصص لدول الجنوب. سأحاول هنا استعراض هذين الموضوعين والمعضلات الأساسية حولهما بشكل مقتضب، لتوضيح الشرخ البيئي بين دول الجنوب ودول الشمال.
أولاً، بالنسبة للخلاف "العلمي" حول تغييرات المناخ والاحتباس الحراري أود التنويه بأن الخلاف الموجد ليس حول ماهية الموضوع إنما حول تفاصيله؛ ففي الواقع يوجد إجماع عام بين كافة العلماء على التغييرات المناخية الناتجة عن النشاط الصناعي البشري وعلى الاحتباس الحراري، والخلاف هو حول فسحة الزمن الموجودة أمامنا لتدارك الأمور. طبعاً في كثير من الأحيان الإعلام يصور الموضوع وكأن الخلاف هو بين وجود المشكلة أو عدم وجودها، وذلك وفقاً للمصالح السياسية والاقتصادية للجهات التي قد يخدمها، وعلاقة هذه الجهات مع الإعلام وسيطرتها عليه.
والمعضلة المطروحة هي: هل نقوم بتقليص الإنتاج الصناعي اليوم أو بعد عشرين سنة مثلاً؟  وهل نقوم بتقليص كميات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 5% أو 30% أو ربما 80%؟! 
بعامة نستطيع أن نميز بين سيناريوهين اثنين: المتفائل والمتشائم، يمكننا اتباع السيناريو المتفائل ونتابع أعمالنا كعادتها، وبعد عشرين سنة سنكتشف ربما، إذا أصبنا أو أخطأنا.  وهكذا يكون احتمال نجاحنا 50%.  أو قد نتبع السيناريو المتشائم الذي سيفرض علينا تغيير أنماط حياتنا اليوم وإيجاد طرق بديلة ودودة للكرة الأرضية.  وفي أعقاب هذا التغيير لن نعلم أبداً أي من السيناريوهات صادق، لكننا سنبعد الخطر المنبثق عن تغييرات المناخ وتكون احتمالات نجاحنا 100%. وهنا تكمن المعضلة: أي من السيناريوهات نختار وما هو مقدار "التشاؤم" أو "التفاؤل" في السيناريو الذي سيتم الاتفاق عليه والعمل بموجبه؟  طبعاً القضية هي ليست قضية نفسيات أو مزاجيات بل  قضية ربح وخسارة، مصالح اقتصادية دولية وعلاقات قوى سياسية
الدول العربية تلعب دورا هاما في الموضوع، فبعضها مصدر للنفط وأبرزها السعودية ومن مصلحة هذه الدول اتباع السيناريو المتفائل بأقصى حد، حيث يحافظ هذا السيناريو على قيمة ذهبها الأسود، النفط.  بينما يقوم السيناريو المتشائم بالحد من استهلاك النفط والتوجه إلى مصادر طاقة بديلة وسيفقد النفط قيمته. وخلافاً لذلك فإن جزءا آخر من الدول العربية عضو في ائتلافات مختلفة لدول الجنوب، وعلى رأسها كتلة الدول الأفريقية، حيث بادرت بتحفيز جزائري إلى مقاطعة المفاوضات أمس احتجاجاً على نهج التمويه وممارسات المراوغة لدول الشمال في المفاوضات. 

الجلسة الافتتاحية لمؤتمر تغير المناخ في كوبنهاغن

عودة إلى بروتوكول كيوتو حيث تم التوقيع عليه سنة 1994 وانسحبت منه الولايات المتحدة مع تولي جورج بوش الابن للرئاسة عام 2000. بروتوكول كيوتو هو اتفاق قانوني دولي يفرض على الدول الصناعية (دول الشمال) تخفيضا شاملا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون فيها بنسبة 5.2% بالمقارنة مع نسبة الانبعاثات سنة 1990. هذه النسب تختلف من دولة لأخرى حيث تكون في أوروبا على سبيل المثال 8% في الولايات المتحدة 7%، اليابان 6% وفي روسيا 0%. أما بالنسبة لدول الجنوب وهي بطبيعتها الغالبة دول زراعية غير صناعية فلم يفرض عليها البروتوكول أي تحديد؛ وعلى العكس تم تخصيص حصص إيجابية من الهواء لهذه الدول وفيما بعد في عام 2007 تم الاتفاق على تبادل هذه الحصص مع الدول الصناعية، مقابل مبالغ مالية تخصص للتكيف مع الأضرار الناجمة عن تغيرات المناخ وتطوير تقنيات ودودة للكرة الأرضية للنهوض بالاقتصاد المحلي. 
تحصى الصين مع دول الجنوب، واعتبرت في ذلك الحين دولة نامية فلم يتم تحديد حصتها من الانبعاثات الغازية، طبعاً هذا الأمر أثار حفيظة الولايات المتحدة؛ حيث إن للصين والولايات المتحدة معاً حصة الأسد من هذه الانبعاثات، وتحديدا 40%. عملية تقييد الولايات المتحدة مقابل إطلاق يد الصين في إنتاجها الصناعي له أبعاد اقتصادية كبيرة على كل من الدولتين، ولا ننس أنه خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة كانت الصين إحدى المرشحتين بالإضافة إلى أوروبا لوراثة الولايات المتحدة بهيمنتها الاقتصادية العالمية.
طبعاً ليس الأمر بهذه البساطة؛ إذ إن الإنتاج الصناعي الصيني؛ وبالتالي الانبعاثات الغازية التي تنتج عنها لا تشتق أبداً من عدد سكانها، فإن ما تنتجه الصين للآخرين يعود بالمردود الاقتصادي على الصين، إلا انه خارج أثر البصمة البيئية لمواطنيها. وأثر البصمة البيئية هو سلم لقياس مساحة الأرض والهواء والماء التي يحتاجها شخص معين لحياة بنمط معين، فعلى سبيل المثال أثر البصمة البيئية في الهند 8 دونمات للفرد بينما هي في هولندا 47 دونما للفرد، ومساحة الأرض المتوافرة للفرد في الهند هي 4 دونمات للنسمة، بينما في هولندا 8 دونمات للفرد؛ ومن هنا نجد أن الهند ينقصها 4 دونمات للفرد لتحافظ على نمط حياتها الموجود اليوم، بينما ينقص هولندا 39 دونما للمحافظة على نمط حياة سكانها. 
المعدل العالمي لأثر البصمة البيئية هو 22 دونما للفرد بينما المساحة المتوافرة على الكرة الأرضية هي 18 دونما للفرد؛ من هنا فنحن نحتاج إلى ما يقارب 0.54 كرة أرضية إضافية لكي يستطيع كلٌ منا الحفاظ على نمط حياته الموجود اليوم. في هذا السلم تقع الصين تحت المعدل العام؛ حيث إن أثر البصمة البيئية في الصين هو 15 دونما للفرد بينما تتصدر الولايات المتحدة هذا السلم وتكون أثر القدم البيئية فيها 95 دونما للفرد تليها كندا 64 دونما للفرد، وفي المرتبة الثالثة إسرائيل 53 دونما للفرد. وبينما ينقص الولايات المتحدة 46 دونما للفرد ينقص إسرائيل 49 دونما للفرد، وبهذا تكون هذه أكبر فجوة عالمية بين المطلوب والموجود، بينما تكون الصين في أدنى هذا السلم مع نقص 7 دونمات للفرد.  
غالبا ما نسمع الادعاء بأن التضخم السكاني هو أعوص القضايا البيئية إلا أنه يمكننا القول بأن هذا الادعاء فقد مصداقيته.  وبالرغم من أنه ما زال يستعمل بسطحية من قبل بعض المغرضين، فقد يكون التضخم السكاني مشكلة بيئية، إلا أن المشكلة الأخطر هي نمط الحياة، فإذا أراد كافة سكان العالم الحياة بنمط الحياة الأمريكي لاحتجنا إلى 16 كوكباً موازية للكرة الأرضية.  لكن إذا تحولنا إلى أنماط حياة مختلفة وصديقة للكرة الأرضية فقد تستطيع الكرة الأرضية تحمل عدد السكان الموجود اليوم وربما أكثر دون أي مشكلة. 
والسؤال المطروح هو: لماذا إذاً لا نغير أنماط حياتنا؟! طبعاً أحد الأسباب ذكرت سابقا؛ُ فإن تغيير أنماط الحياة سيغير قواعد اللعبة وموازين القوة وكل من الدول "العظمى" تريد المحافظة على مكانتها في هذه اللعبة.  فالأمر أشبه بطفلين كل منهما يمسك بخناق الأخر وكل ما تسمعه هو "فلت بفلت" "أنت أولا، لا أنت أول"!!! وهكذا هي للأسف الشديد صورة الوضع المنبثقة عن المفاوضات في قمة كوبنهاجن. 
ومن مراوغات دول الشمال أنها تحاول أن تستبدل بالبروتوكول اتفاقية أخرى تحدد فيها نسب انبعاثات أخرى وفقاً للسيناريو المتشائل، أو بالمقارنة مع سنوات أخرى لاحقة لسنة 1990، وهي سنوات قامت بها هذه الدول بزيادة وتكثيف إنتاجها الصناعي، علماً أنها ستحد منه مستقبلا بشكل نسبي، بينما تود دول الجنوب تمديد اتفاقية كيوتو كما هي إلى عام 2020 وهي اليوم سارية المفعول حتى 2012، إلا إذا تم إبطالها الآن.
إضافة إلى ذلك، يوجد التباس في موضوع صندوق التكيف لدول الجنوب حيث قامت دول الشمال بإعطاء وعود لدفع مبالغ معينة مقابل حصص التلويث، إلا أنها تعتمد التمويه حول هذه المبالغ وحول كونها بديلة أو جزءا من التزامات أخرى بين هذه الدول. ومن الجانب الآخر تقوم بعض دول الجنوب بسبب الفساد المتفشي بها بالتصرف بهذه الأموال بشكل مخالف بتاتاً للاتفاقيات ناهيك عن أن بعضا منها قد لا تجد له أثرا بتاتاً. 
وإن تكلمت سابقاً عن إسرائيل، فإن أحدى المفارقات الساخرة أن إسرائيل بتقنياتها المتقدمة وبصناعتها المتطورة وبنمط حياتها المبذر للموارد الطبيعية تُعد دولة نامية؛ وبهذا لا تحد الاتفاقية من كميات انبعاثاتها الغازية.
ومما يميز مفاوضات المناخ بعامة وهذه القمة بالذات وجود عدة مجموعات وائتلافات تقوم كل منها باجتماعاتها الخاصة بالإضافة إلى الاجتماعات العامة، إلا أن إسرائيل لم تجد لها مكانا بين هذه الائتلافات؛ فدول الجنوب ترفض وجودها بأي من ائتلافاتها، بينما انضمامها إلى دول الشمال سيفرض عليها التزامات هي في غنى عنها.
وبينما تنخفض نسبة الأشجار في كافة دول العالم، وهي احد العوامل الهامة في ارتفاع نسبة الكربون في الجو، تتباهى إسرائيل، بالإضافة إلى تقنيتها المتقدمة، بكونها الدولة الوحيدة التي تزيد فيها نسبة الأشجار سنوياً، متجاهلة أن استعمالها للأشجار والتشجير هو أداة للسيطرة على الأرض ولتشديد القيود على الفلسطينيين بداخلها وعلى البلدات العربية فيها.
وفي ذات الوقت لا يمكنني تجاهل العمل البيئي النشط للجمعيات البيئية الإسرائيلية ومشاركتها الفعالة في المؤتمر، وجهودها اليومية الكبيرة لتطوير أجندة بيئية محلية والدفع بها قدماً. 
وأخيراً تقع على عاتق الفلسطينيين في الداخل، كغيرهم من سكان العالم، مسؤولية بيئية أخلاقية.  فلوجود العرب في إسرائيل مكانة حدية (liminal ) لا تخلو من الازدواجية والثنائية.  فهم ينعمون بنمط الحياة الاستهلاكي المبذر للكرة الأرضية، وفي الوقت ذاته يشكلون أقلية قومية مقموعة سياسياً واقتصادياً ومضطهدة بيئياً. وبالرغم من النقاش السياسي الطويل حول "ديمقراطية الدولة" وعلاقة المواطن الفلسطيني بها، ومعنى المواطنة أو شرعيتها، إلا أن هذا ليس بذريعة للتنصل من مسؤوليتنا الأخلاقية ودورنا في التوعية والمشاركة السياسية، بتوافق مع الرؤيا الأصلانية والتأثير على متخذي القرار، بكل الطرق الممكنة، للحد من الاحتباس الحراري، ومن عمليات تغيير المناخ، وللدفع قدماً بأجندات بيئية محلية وعالمية تعتمد خطاب العدل البيئي ومبادئ التطوير المستدام.

 

لكي لا "ترسب" قضية المبيدات

حبيب معلوف / لبنان

لا يزال ضجيج ما أثرناه منذ بضع أسابيع حول بقايا ترسبات المبيدات في الفواكه والخضار مسموعا.  إلا أنه ضجيج بمثابة قرقعة طناجر طلبا لاستسقاء المطر.  وهي عادة ما كان يفعل فيها الإنسان شيئا بانتظار أن يأتي الفرج من السماء، في حين أن المطلوب إجراءات عملية، وتحمل مسؤوليات.  فعلى كل وزارة ان تتحمل مسؤولياتها.  المشكلة حقيقية وواقعية وأكبر مما هو معلن أيضا.  ولا معنى للتستر عليها أو نفيها.  وهي ليست جديدة بالمناسبة، بل متراكمة منذ عشرات السنوات.  وقد خصصت صفحة "بيئة" في جريدة "السفير" اللبنانية أكثر من تحقيق لمتابعتها وذلك منذ العام 1998، حين نشرنا للدكتورة ليندا كفوري من الجامعة اللبنانية تحقيقات عدة، وبينها دراسة عن الفريز تبين أن العينات التي تم فحصها، تحتوي على بقايا 6 أنواع من المبيدات مترسبة في هذه الفاكهة التي يعشقها أولادنا. الحقيقة أن فوضى كبيرة تدب في لبنان في الزراعات الكيميائية من ناحية عدم احترام شروط استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية، وعدم مراقبة نوعية هذه المبيدات واحترام تعليماتها، بالإضافة الى نقص في الإرشاد الزراعي والجشع التجاري واستغلال المزارعين وعدم مراقبة الإنتاج الذي يصل الى المستهلك بشكل غير آمن على الإطلاق... مما يتسبب بأمراض متعددة.
كما تتسبب هذه الفوضى في تلويث التربة والمياه الجوفية، والتي تهدد الأمن الغذائي والبيئي والصحي في لبنان بشكل كبير، اليوم وفي المستقبل.  لطالما وجه اللوم إلى وزارة الزراعة كونها المعني الأول عبر وضع الاستراتيجيات والسياسات والخطط لتشجيع الزراعة ودعمها وحماية صغار المزارعين من الاستغلال، وحماية المستهلك والمواطن والتربة... الخ وكان يفترض بالوزارة وعبر لجنة المبيدات، أن تقوم بفحص المبيدات والأدوية الزراعية قبل السماح لها بالدخول الى لبنان، وأن تنشط لجنة الأبحاث فيها للقيام بأبحاث دائمة على المبيدات وتأثيراتها على المزروعات والتربة والمياه... وعدم ترك الأمر لشهادات التجار وشركات الأدوية وسماسرتها.  كما كان عليها تطبيق المرسوم التنظيمي رقم 5039 الصادر عام 1982 والذي يحدد مهمات دائرة الصيدلة النباتية في وزارة الزراعة بتحليل الأدوية الزراعية للتثبت من تركيبها وفحص المحاصيل لمعرفة نسب الرواسب فيها.  الدراسة التي نشرتها "السفير" منذ أسابيع، لم تكن دراسة قطاع خاص يبغي الربح او المنافسة، ولا دراسة تجار يريدون ضرب الإنتاج اللبناني (فقد تبين ان الفريز المستورد أخطر من المنتج محليا)، ولم يطلبها أحد من أصحاب المصلحة، كما يحصل في العادة ...  بل كانت دراسة جامعية حصلت في مختبر كفرشيما التابع لورزاة الزراعة، وبإشراف مختصين، وتمت مناقشتها في كلية العلوم في الفنار، في الجامعة اللبنانية (الوطنية).  وقد حضر مناقشة هذه الدراسة مدير عام وزارة الزراعة بالإنابة، ومدير عام وزارة الاقتصاد ورئيس جمعية المستهلك، والأساتذة المشرفون، وكاتب هذه السطور. وقد اعترف الجميع بالمشكلة، لا بل وضع المدير العام لوزراة الزراعة علامة 90 على 100 للطالبة، وقيل له إن هذه العلامة لا يتم وضعها في الجامعة!  فما الذي تغير بعد ذلك؟  موضوع بهذه الخطورة، كان يفترض أن تعقد جلسة طارئة لمجلس الوزراء لمناقشته، ولا سيما بعد الدراسة التي أعلن عنها وزير البيئة أنطوان كرم قبل أيام من تسليمه الحقيبة للوزير الجديد، والتي لم تعرض بشكل علمي وشفاف كما كانت الحال مع دراسة طالبة في كلية العلوم!  وقد رفض الوزير كرم تسليمنا الدراسة، لكي نعرف من مولها وكم عينة تم فحصها وكيف أخذت وأين أجريت الفحوصات وأنواع العينات وعددها وكيف تم الخروج باستنتاجات...؟ ولماذا عملت الوزارة على موضوع يخرج عن صلاحياتها؟  هل لتعويض فشلها في إدارة أهم الملفات المسؤولة عنها كالمقالع والكسارات والنفايات؟  مع العلم أن وزارة البيئة كانت على علم بدراسة الطالبة الجامعية وكان هناك ممثلة للوزراة تتابع الموضوع، وقد غابت عن حضور المناقشة الأخيرة!  أما كان يجدر التعاون بين الوزارات ومع الجامعات لتنسيق الجهود لتشخيص المشكلة وإيجاد الحلول، بدل اللجوء الى نوع من السبق الإعلامي؟! 
لم يعد مفيدا لأحد إنكار وجود المشكلة. ليس مفيدا لوزراة البيئة أخذ دور وسائل الإعلام، وغير مفيد لوزراة الزراعة إنكار وجود المشكلة.  فمن مصلحة المزارعين والمستهلكين معا معالجة هذه المشكلة عبر اعتماد سياسات مختلفة. ووضع السياسات من مسؤولية الدولة بكل إداراتها المعنية أولا.  ولعل أول قاعدة يفترض تبنيها في الوزرات المعنية ولا سيما الزراعة، عدم إخضاع السياسات المطلوبة لإرادة ومصالح تجار الأدوية والمبيدات والأسمدة الزراعية، ولمصالح كبار تجار الزراعة التقليدية، والاهتمام بصغار المزارعين والمستهلكين عبر دعم وتعزيز الزراعة العضوية.  قد يقال إن المشكلة في ميزانية وزارة الزراعة الضحلة تاريخيا، وهذا صحيح. إلا أن تغيير السياسات لا يحتاج إلى موازنات ضخمة، بل إلى قرارات جريئة ومنحازة إلى المزارعين والمواطنين لا إلى الشركات وسماسرتها، وإلى المطالبة بإقرار مشاريع القوانين الموجودة أصلا كتنظيم مهنة بيع المبيدات والأسمدة وتنظيم الزراعة العضوية.  كما أن مشكلة ترسبات المبيدات لا تحتاج هي نفسها لموازنات ضخمة ما دام مختبر الوزارة موجودا ومجهزا ولا ينقصه سوى من يشغله. وفي حين أن فحص العينة الواحدة يكلف بين 100 و200 دولار، فهذه العملية لا تكلف شيئا في مختبر كفرشيما التابع لوزارة الزراعة. ويمكن للوزارة أن تتعاون مع الجامعات وطلابها (ولا سيما الجامعة اللبنانية) للقيام بمتابعات دورية وأخذ عينات من المبيدات والمزروعات وفحصها في كل مراحل الإنتاج ومراقبة حسن التقيد بالمواصفات والمعايير والتعليمات، وإلزام المزارعين بوضع أسمائهم على منتجاتهم (ليشاركوا في تحمل المسؤولية) بعد ترشيدهم على أفضل الطرق لحماية أنفسهم والمنتجات وسلامة التربة، وبعد تشجيعهم على تبني خطط مرحلية وبعيدة المدى، للتخفيف من الضغط على الأرض وإراحتها (عبر إراحتها وتشميسها) واعتماد المبيدات الأقل سمية... إلى أن يتم الاستغناء نهائيا عن الأدوية الكيميائية واعتماد الأدوية البيولوجية. 
فهل يمنح وزير الزراعة الجديد هذا الموضوع الاهتمام الذي يستحق، لكي لا ترسب القضية وتتراكم كما هي حالها دائما؟

 

النفط فوق الشعب!!

محمود الفطافطة

النفط هو أغلى مصدر طاقة في العالم. وبفعل الطلب المرتفع عليه صار يُعَد سلعة استراتيجية، لا يستطيع أي مجتمع صناعي متطور الاستمرار من دونه.  ويجب ضمان توفيره،  ولو بالقوة العسكرية إن اقتضى الأمر.الدليل على هذا القول ما ذكره الخبير الإستراتيجي (ميشيل كلير):  "بين جميع الموارد ...ما من شيء أكثر إثارة للصراع بين الدول في القرن الحادي والعشرين من النفط".
عنوان هذا المقال ينقلنا للتركيز على الولايات المتحدة الأميركية،  تلك الدولة التي تستهلك أكثر من ثلث نفط العالم. هذا المورد الثمين الذي كان،  وما يزال، أهم محدد لأنماط سلوك السياسة الأميركية الخارجية خلال السنوات الثمانين الماضية، وأكثره تكراراً في الاهتمام الأميركي الدائم بالشؤون الجيو ـ سياسية النفطية والتورط فيها.  والمفارقة الغريبة أنه رغم أن عمر الولايات المتحدة لم يتجاوز 232 سنة (من  إعلان الاستقلال) إلا أنها أشعلت 243 حرباً ( مباشرة أو غير مباشرة)،  منها 92 حرباً وتدخلاً دوافعها الأساسية اقتصادية، وبالطبع الاستحواذ على مواطن وموارد النفط تأتي في المقدمة.
ويرجع العطش الأميركي إلى النفط إلى القرارات الحاسمة التي اتخذها القادة السياسيون، وقادة الشركات في النصف الأول من القرن العشرين،   عندما اختارت أميركا تصنيع مدنها. هذا الخيار ظهر أنه متأثر إلى حد بعيد بكبريات شركات صناعة السيارات وشركات النفط. وعليه،   باتت صناعة السيارات وتكرير النفط في أواسط الستينيات تشكل قلب الاقتصاد الأميركي،   وازداد الاعتماد على الواردات النفطية من الشرق الأوسط .

والهيمنة اللافتة التي باتت تتمتع بها السيارة على الاقتصاد والمجتمع الأميركي، والاعتماد المتزايد للبلد على إمدادات النفط الأجنبية،   والتحذيرات من وقوع أزمة كبرى وشيكة في أسعار النفط إذا واصل منتجو النفط الخليجيون الكبار صد الاستثمارات الأجنبية في مجال النفط،  والرغبة الجامحة لشركات النفط الاميركية في الوصول إلى احتياطيات النفط المربحة للغاية هناك،  تتضافر كلها معاً لتشكل قوة ضاغطة على "العطش النفطي" لم يسبق لشدتها مثيل،  علماً بأن كل هذه
العوامل كانت أهم العوامل التي قادت واشنطن إلى غزو وإحتلال أفغانستان ومن ثم العراق.
وحتى لا نذهب بعيداً في الحديث عن قضايا النفط وأميركا،  فإننا سنركز على مدى "الهوس الأميركي" بالنفط،  وتحديداً النفط العربي الذي قاد واشنطن إلى إحتلال العراق. فهنالك مئات الملايين حول العالم يعتقدون أن النفط  كان ـ بالفعل ـ العامل الأهم في تفسير غزو واحتلال أميركا للعراق.  بكلمات أخرى: النفط هو مفتاح غزو العراق.
فالأفراد الذين قاموا بتحريك الاحداث المؤدية إلى الحرب الأميركية على العراق ( بوش الابن،  ونائبه تشيني ووزيرة خارجيته رايس) كانوا يمثلون محور النفط في الإدارة الأميركية،  وهم الأشخاص الثلاثة الأكثر ارتباطا في الصميم بمصالح النفط،  والطاقة الأميركية،  والأهداف التجارية لشركاتها الكبرى، وهي ذاتها الأهداف التي تربعت على الاجندة الجيو استراتيجية لتلك الإدارة على طوال فترتين من الحكم.
وبهذا،   ففي مستهل القرن الحادي والعشرين،  انتخبت إدارة أميركية تعتبر أكثر الإدارات الاميركية خضوعا لسيطرة النفط في تاريخ الولايات المتحدة .  ومع انتخاب بوش الابن أصبحت الرأسمالية النفطية في قلب السلطة الأميركية، وسرعان ما وضعت هذه المسألة على  قمة أجندة النظام الجديد. أضف إلى ذلك، أنه في ظل الوضع السياسي الحالي، كانت سوق النفط العالمية تشهد تغيرا كبيرا. فبعد بضع سنوات من انخفاض أسعار النفط، بدأ الطلب العالمي على النفط يتسارع.  وفي هذه الظروف، بدأ الفاصل بين مصالح شركات النفط الكبرى،  والشركات المستقلة يتلاشى أكثر فأكثر؛ وذلك لأن الأمل بتحقيق أسعار مرتفعة للنفط جعل هذه الاخيرة أقل خشية من صادرات النفط الأجنبية الرخيصة.وبدلاً من ذلك انتقل الخوف إلى المستهلك الأميركي للنفط،  الخوف من أن يعتمد البلد بسرعة على النفط الأجنبي،  وبشكل خاص على مصادر النفط الكبرى التي بقيت خارج سيطرة شركات النفط الأميركية،  الكبيرة والصغيرة.
وهكذا وصل بوش إلى السلطة في وقت كانت فيه مصالح شركات النفط الاميركية ومستهلكي النفط الاميركيين تتلاقى بسرعة. في هذه الظروف أملى الكفاح المرير لضمان أمن الطاقة تركيزا استراتيجيا جديدا على الشرق الأوسط،  تركيزا يمكن أن يشمل مصلحتي الفريقين معا: الشركات لضمان سبيل سالك لها إلى احتياطيات نفطية جديدة عالية الربحية،  والمستهلكون لضمان إمدادات نفطية بأسعار معتدلة لهم. وهذان هما هدفا الراسمالية النفطية .
وإذا اردنا أن نحلل ونعلل حقيقة واقع الانتاج النفطي الاميركي وما له من ارتباطات وثيقة بالعطش لنفط الآخرين،  وبخاصة نفط الخليج والعراق،  فإننا نجد أنه في النصف الثاني من الثمانينيات،  بدأ ميزان النفط الأميركي يميل من جديد. لم ينم الاستهلاك بقوة وحسب،  بل بدأ إنتاج النفط يسير إلى الانحدار بشكل مطرد. وفي العام 1998،  ولأول مرة في تاريخها،  كان أكثر من 50% من احتياجات الولايات المتحدة النفطية يؤمن من بلدان أخرى منتجة للنفط. ومع حلول عام 2001 كان هذا الرقم قد ارتفع إلى أكثر من 53% . وكان الأكثر مدعاة للخوف أن نسبة إجمالي امدادات النفط الاميركية (المحلية والاجنبية معاً) التي كانت ترد اليها من الخليج العربي وهي  14%  ـ أصبحت الأعلى في تاريخ البلاد.
وبسبب هذا المشهد حاولت واشنطن تنويع مصادر الإمداد النفطي بعيدا عن الخليج العربي. وكان
الهدف هو الاستعاضة عن امدادات نفط الخليج بنفط مستمد من مصادر محلية،  أو مستورد من المنتجين المجاورين في "نصف الكرة" الغربي ـ وهي كندا،  فنزويلا،  والمكسيك ـ ومن منطقة بحر قزوين من الاتحاد السوفيتي السابق. لكن تبين كم كانت محدودة فرص نجاح هذه السياسة وكيف أن أميركا رُدت،  مرة أخرى،  إلى مزيدٍ من الإعتماد على نفط الخليج العربي.
هذا الاعتماد هو الذي كان بمثابة المسبب الرئيس لغزو اميركا بلاد الرافدين واحتلاله . والهدف الرئيس في كل ذلك يتمثل في إقامة "محمية بترولية" صديقة مطواعة في تلك المنطقة المضطربة. وها هي أميركا تفعل كما تشاء في نفط العراق،  وقد كانت لها اليد الطولى في صياغة قانون النفط،  وتمريره في البرلمان وفق رؤيتها الاستعمارية وهيمنتها المنظمة والممنهجة على موارد العراق وخيراته وفي مقدمتها ثروة النفط.
خلاصة القول: الحرب على العراق لم تكن حرباً لأجل "الحرية" أو "الديموقراطية" بل كانت محاولة لإنشاء محمية نفطية موثوقة ومتفهمة في الشرق الأوسط تتعهد بتأمين طلب المستهلكين الأميركيين المتصاعد للنفط. ونجحت واشنطن ـ إلى حدٍ ما ـ في السيطرة والتحكم بهذه الثروة الغالية الثمن،  ولكنها لن تنجح مستقبلاً،  ذلك لأن المقاومة في العراق تحتد وتمتد يوماً بعد آخر،  ووضع "الإمبراطورية الأميركية" في بلاد الرافدين لن يبقى مريحاً أو قائماً. فالتاريخ يخبرنا أن العراق،  كغيره من كثير من دول العالم وشعوبه تلفظ الاحتلال وتزهق الاستعمار ولو بعد حين
.

مجلة افاق البيئة و التنمية
 
في هذا العدد


كوبنهاجن القصة وما فيها


لكي لا "ترسب" قضية المبيدات


!!!النفط فوق الشعب

المعاول الإسرائيلية المدمرة للنظام البيئي الفلسطيني

رسالة سوريا حول الكوكا كولا

في غزة .. عام بيئي ملوث

فريق بحثي بجامعة الإمارات ينجح باستخلاص وقود الديزل الحيوي من الطحالب

كوبنهاغن القمة التي لم تقم بواجبها

!عاد الرؤساء من كوبنهاغن وبقي أبطال المناخ داخل السجن

"اينوك" توّفر خدمات صديقة للبيئة

أزهار الزينة تخفض كثيرا مستوى تلوث الهواء داخل المنازل وأماكن العمل

الفيلم الذي دَوَّى في رؤوس المشاركين بمؤتمر تغير المناخ في كوبنهاجن

من منظور بيئي سياسي جغرافي طبيعي شامل للمكان:الحد الفاصل بين الواقعي والأسطوري في جبال القدس

أزهار الزينة تخفض كثيرا مستوى تلوث الهواء داخل المنازل وأماكن العمل

زيادة كفاءة الطاقة وترشيد الاستهلاك يشكلان أهم الأدوات لتعميم الطاقة النظيفة

ما بين الزمان والمكان في الريف والبادية المقدسية

مع الطّير والحيوان في الشعر العربي

زهرة من أرض من بلادي الزعرور

الزراعة والتسويق المدعومان شعبيا

حيفا وجبل الكرمل

إسرائيل في الزراعة المصرية: اختراق خطير وتخريب أسود

أنور خلف: زرعنا 30 ألف شجرة في جبل صخري ونحلم بإطلاق محمية طبيعية ضخمة

 

 
:دعوة للمساهمة
دعوة للمساهمة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية"
يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (نماذج زراعية صديقة للبيئة...) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 23 كانون ثاني 2010.
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
     
التعليقات
   
الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
   
 

 

   
  | الصفحة الرئيسية | افاق البيئة والتنمية |الارشيف |