تشرين أول 2008 العدد (7)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

October 2008 No (7)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية
تراثيات بيئية اصدارات بيئية - تنموية قراءة في كتاب البيئة والتنمية في صور الاتصال بنا الصفحة الرئيسية

 

دراسة:

التحرر من تحكم الاحتلال الإسرائيلي في عملية إطعامنا وتجويعنا

جورج كرزم

 

تظهر التقارير الفلسطينية الرسمية أن الأموال التي تدفقت من الممولين الأوروبيين والأميركيين والعرب الرسميين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، بلغت أكثر من 8 مليارات دولار أميركي، وذلك خلال الفترة (1994 – 2007)،  صرف منها على القطاعات الإنتاجية نحو 450 مليون دولار، أي نحو 5.6% من إجمالي أموال "المانحين"،  أما حصة القطاعات الخدماتية والاجتماعية والمؤسساتية والإغاثية فبلغت نحو 6 مليار دولار، أي حوالي 75%، والباقي (حوالي 1.55 مليار) صرف على البنية التحتية.

واللافت للنظر أن حصة القطاع الزراعي، خلال الفترة 2000-2003 لم تتجاوز 0.65% (أقل من 1%) من إجمالي أموال المانحين التي أنفقت ووزعت في الضفة والقطاع.  وفي العام 2006 لم تتلق وزارة الزراعة الفلسطينية سوى 0.9% (أقل من 1%) من إجمالي موازنة السلطة الفلسطينية.  وخلال الفترة 2003-2006 تراوحت حصة وزارة الزراعة بين 0.7-1% من إجمالي الموازنة السنوية (وزارة المالية، 2006).

إذن، من الواضح أن تدفق أموال "المانحين" يصب أساسا باتجاه تدعيم وترسيخ البنية الاستهلاكية والخدماتية للاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي تعميق حالة اللاتنمية، حيث إن الجدوى التنموية الحقيقية للمساعدات والاستثمارات الخارجية تقاس بمدى تنمية وتطوير القطاعات الإنتاجية، وتحديدا الزراعة والصناعة، وبالتالي ارتباط تنمية وتطوير هذه القطاعات بمدى تثبيت وتعزيز حالة الأمن الغذائي الفلسطيني.  إلا أن إحجام الدول "المانحة" عن الاستثمار الجدي في القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة، يعود لأسباب سياسية واستراتيجية، بالدرجة الأولى، حيث إن الزراعة مرتبطة بالأرض والمياه اللذين يقعان تحت السيطرة المطلقة للاحتلال، وهما يشكلان جوهر الصراع بين الشعب الفلسطيني والمحتل.  وحيث إن حركة الأموال المتدفقة إلى الضفة والقطاع، تمر عبر المؤسسة الإسرائيلية وبموافقتها، فلا يمكن، بالتالي، أن تسمح تلك المؤسسة بأن تستثمر الأموال الخارجية في التنمية الزراعية الشاملة والبيئية التي تعني توسعا أفقيا وعموديا في القطاع الزراعي، وتأهيل مساحات واسعة من الأراضي، وزيادة كمية ونوعية في الإنتاج والتسويق الداخلي والخارجي، فضلا عن زراعة الاحتياجات الغذائية الأساسية للشرائح الشعبية، وصولا إلى تحقيق الاستدامة والأمن الغذائيين.  وفي المحصلة، تثبيت السيادة الإنتاجية الفلسطينية على الأرض، الأمر الذي يتناقض تناحريا مع المشروع الصهيوني الهادف إلى تثبيت وتعميق "السيادة" الصهيونية على الأرض والموارد، وبالتالي تهويدهما. 

وهنا، يجب ألا يغيب عن بالنا، أن أهم سمة خطيرة مميزة للاقتصاد الفلسطيني، تتمثل في عملية تعميق متواصلة للبنية الاستهلاكية والطفيلية لهذا الاقتصاد.  وتتجسد هذه البنية في حقيقة أن مجتمعنا الفلسطيني ينتج حاليا أقل بكثير مما يستهلك، ولا توجد مؤشرات فعلية تدل على أن الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاستهلاك آخذة في التقلص.  وهذه الفجوة، فضلا عن العجز التجاري، تغطيهما إلى حد كبير التدفقات والتحويلات المالية الخارجية وليس التراكم الرأسمالي الداخلي في الضفة والقطاع.  وهذا الأمر واضح من تدني حصة الناتج المحلي الفلسطيني الإجمالي في الناتج القومي الفلسطيني الإجمالي.  كما يتضح هذا الأمر من مجرد نظرة سريعة إلى السلع الغذائية، "الطازجة" والمصنعة، المعروضة في سوقنا المحلي، حيث تبرز بشكل صارخ الحصة المتواضعة جدا للسلع "الفلسطينية" المحلية أو بشكل أدق حصة السلع الوطنية (أي التي تم إنتاجها من موارد وخامات محلية) من إجمالي أنواع وأصناف السلع الغذائية المعروضة في سوقنا المحلية.  ناهيك عن أن كميات كبيرة ومتنوعة من السلع "المحلية" ليست أكثر من سلع إسرائيلية تسوق في الضفة والقطاع بغطاء فلسطيني (ملصقات فلسطينية).   

إن حقيقة كوننا مجتمعا استهلاكيا، يشتري معظم طعامه من إسرائيل والخارج، ومنه الغذاء الاستراتيجي، تعني، تحديدا، أننا نفتقر إلى الأمن الغذائي.  وهنا بالذات يكمن السبب الأساسي في تبعيتنا للخارج.  وافتقارنا للأمن الغذائي يعني أيضا افتقارنا للأمن الوطني الذي لا يمكننا توفيره ما دامت إسرائيل والاقتصاديات الخارجية تتحكم في عملية إطعامنا أو تجويعنا.

لذا، لا غرابة أن يطبق الإسرائيليون ما طبقه النازي ضد اليهود العزل، إذ حولوا قطاع غزة من سجن كبير إلى فرن غاز كبير، ليس أمام أهله سوى خيارين:  إما الموت برصاص وقنابل الدبابات والمدفعية والطائرات الإسرائيلية، وإما الموت جوعا ومرضا بسبب انعدام لقمة العيش أو بسبب تدفق مياه المجاري، نظرا لانقطاع الكهرباء وتوقف محطات معالجتها.  

وفي الواقع، إن استمرار التدفق المالي الخارجي والمضارب، والذي ليس بمعظمه ذات طابع سياسي فقط، بل وينفق على الخدمات والاستهلاك، قد نَقَلَ الواقع الاقتصادي في الضفة والقطاع من نمط إنتاج كولونيالي – استيطاني صاغه الاحتلال عبر تحويلنا إلى مستوردين للسلع التي نستهلكها ومصدرين لقوة العمل، إلى نمط اقتصاد التسول الذي يُضخ بجرعات مالية متواصلة من الخارج تربط بها مزيدا من الناس غير المنتجين، وفي المحصلة، إعادة إنتاج البطالة والفقر.

وفيما يتعلق بالقطاع الزراعي الفلسطيني، كانت كميات المحاصيل الفائضة (عام 1993)، أي التي نسبة الاكتفاء الذاتي فيها (الإنتاج/الاستهلاك) تجاوزت  100%، تمثلت في الحمضيات وبعض أصناف الفواكه (213%)، والزيتون (190%) والخضروات الرئيسية، ومنها البطيخ والشمام (149%).  لكن النسب السابقة انخفضت عام 2003 / 2004 إلى نحو 150%، 128%، و140% ، لنفس ترتيب المحاصيل السابقة على التوالي، علما أن كميات الإنتاج في المحاصيل السابقة، فيما عدا الحمضيات والبطيخ والشمام، ارتفعت، بشكل عام، بالمقارنة مع أوائل التسعينيات.  لكن، الزيادة الكبيرة في معدلات الطلب على المنتجات الزراعية السابقة كانت أعلى من نسبة نمو الإنتاج الزراعي المحلي، ناهيك عن مصادرة الاحتلال الصهيوني لمساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وإغراقه الأسواق الفلسطينية بمنتجاته الزراعية المدعومة والمنافسة، وتفتيته أراضي الضفة الغربية إلى جزر معزولة بعضها عن بعض، وفرضه الحصار والإغلاق على مواقع الإنتاج، مما عاق حرية حركة المنتجات بين مواقع الإنتاج والاستهلاك.

إن جميع فروع الإنتاج الزراعي، وتحديدا الحبوب، الأعلاف، الإنتاج الحيواني (لحوم حمراء ولحوم دجاج وأسماك وبيض وحليب) لا يقتصر أمرها على  أنها عانت (عام 1993) من عجز كبير، حيث لم تتجاوز نسب الاكتفاء الذاتي في هذه الفروع 15%، 25% و47% على التوالي، بل انخفضت هذه النسب، عام 2003 / 2004، إلى ما دون 15% في كل من الفروع الثلاثة الأخيرة.

ونظرا لمشاكل التسويق والتخزين، فالمطلوب، ليس فقط زيادة كميات الإنتاجين النباتي والحيواني في الأصناف التي نعاني فيها من عجز كبير وبالتالي نضطر لاستيرادها من الخارج، إلا أن المطلوب أيضا توزيع كميات وأوقات الزراعة على مختلف فترات السنة، الأمر الذي يستلزم تطوير بنية تحتية وفنية لتخزين المنتجات الزراعية المحلية المختلفة وبالتالي توفيرها وتسويقها طيلة أيام السنة.

ومن الأهمية بمكان أيضا دعم وتطوير عملية تصنيع المنتجات الزراعية المحلية، بدل الهرولة إلى تصديرها للأسواق الخارجية التي تتحكم بحركتها وأسعارها وكمياتها وتفرض علينا أبخس الأسعار لنعود فيما بعد ونستورد نفس منتجاتنا مصنعة وبأعلى الأسعار من إسرائيل وأوروبا وأمريكا.  ذلك أن زيادة الطلب على السلع الغذائية المنتجة في مصانع فلسطينية بالضفة والقطاع وتراكم بعض الفائض الزراعي، يفترض أن يشجعا المزارعين الفلسطينيين على زراعة المزروعات القابلة للتصنيع؛ وبالتالي حث المستثمرين الفلسطينيين والعرب على الاستثمار في مجال التصنيع الزراعي الذي تشكل المحاصيل الزراعية العربية مواده الخام.

ومن نافل القول، أن الفرضية القائلة بأن الاتفاقات السياسية ستترجم إلى "حركة حرة" لقوة العمل والمنتجات بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية والخارج، والتي (أي الفرضية) على قاعدتها تمت  صياغة "الخطط" الاقتصادية الدولية والفلسطينية، ثبت ليس فقط خطؤها، بل إنها لم تستند أصلا إلى المعطيات والوقائع السياسية-الاقتصادية الحقيقية على الأرض، وبخاصة لأن "الحركة الحرة" تتمتع بها فعليا إسرائيل وحدها.

إن سيطرة إسرائيل التي تعمل على فرض إرادتها بالقوة علينا، واستمرار الخلل البنيوي العميق في العلاقة الاقتصادية الإسرائيلية-الفلسطينية والناتج أساسا من انعدام التكافؤ السيادي والسياسي والاقتصادي والتنموي بين الطرفين، سوف تبقى العائق الأساسي أمام أية تنمية حقيقية، وتحديدا التنمية الزراعية التي تضمن الأمن الغذائي للناس، وبالتالي استحالة القيام بعملية تغيير جذرية للواقع الاقتصادي - الاجتماعي الراهن؛.  لهذا فان ما نحتاجه هو بداية عملية تغيير داخلية تؤدي بالمحصلة إلى تغيير المعايير الراهنة.  الأمر الذي يتطلب أولا، هدم وإعادة بناء المؤسسات والبنى التي خلقها الاحتلال الذي يواصل من خلالها تحكمه في مواردنا وشؤوننا والعيث بالفساد بكافة أشكاله.

جذور الفقر:  نهب الأراضي والموارد

غالبا ما ينسى أو يتناسى البعض، حينما يناقش أو"يعالج" ظاهرتي البطالة والفقر وكيفية "محاربتهما"، أن السبب الأساسي والمباشر لإفقار معظم الفلاحين الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1967 أو تحولهم إلى عمال يخدمون الاقتصاد الصهيوني، بعيدا عن أماكن سكنهم، أو إلى أجراء في خدمة الاقتصاد الاستهلاكي بالمدن الفلسطينية، أو إلى عاطلين عن العمل، أن السبب بذلك هو نهب الاحتلال لأراضيهم ومواردهم الزراعية؛ وبالتالي تحطيم الزراعة الفلسطينية التي تميزت في الماضي غير البعيد بكونها معتمدة على الذات ومتنوعة ومتداخلة وبيئية.  بمعنى أن بروز فائض في اليد العاملة الفلسطينية الزراعية المستغنى عنها في الريف الفلسطيني لم يكن نتيجة بطالة عانت منها اليد العاملة الزراعية مما يؤدي غالبا إلى انسلاخها عن الزراعة وانتقالها للعمل كيد عاملة رخيصة في المدينة، كما هو الحال في العديد من بلدان "العالم الثالث"، بل إن هذا الفائض أفرزته بشكل مباشر عملية تهشيم مقومات الاقتصاد الريفي والزراعي الفلسطيني.  وقد لعبت هذه العملية الأخيرة دورا أساسيا في الولادة غير الطبيعية والمشوهة للعمال الفلسطينيين، وحددت طبيعة اليد العاملة الفلسطينية ودورها في خدمة الاقتصاد الإسرائيلي، في ظل غياب البديل الاقتصادي المحلي الذي كان يمكن أن يستوعب فائض اليد العاملة في الريف الفلسطيني. 

بالإضافة، ومنذ التوقيع على اتفاق واشنطن عام 1993 وحتى هذه اللحظة، تتواصل بكل قوة عملية تهشيم الاقتصاد الزراعي الفلسطيني من خلال آلة المصادرة والاستيطان الصهيونية التي لم تتوقف عن التوسع الاستيطاني، وتجريف وإغلاق ومصادرة مئات آلاف الدونمات التي بمعظمها أراض زراعية خصبة، وذلك بالتوازي مع اقتلاع وتخريب كميات ضخمة من المحاصيل الزراعية وملايين الأشتال والأشجار المثمرة، فضلا عن نهب وتدمير المياه والآبار الجوفية، الأمر الذي أجبر العديد من المزارعين على الانسلاخ نهائيا عن العمل الزراعي.

إزاء هذا الواقع الجيوسياسي والديمغرافي-الاستيطاني الذي يهدد، بشكل خاص، مجرد وجود واستمرارية من تبقى من فلاحينا ومزارعينا على أراضيهم، ويهدد بالتالي أهم مورد من موارد الأمن الغذائي الفلسطيني، فإن الطريق الوحيد أمامنا، باعتقادي، هو العمل باتجاه الاعتماد على الذات والتحرر من ذهنية ونفسية التبعية لمدخلات الإنتاج الخارجية، بالتوازي مع العمل على محاولة تجاوز الأزمة البنيوية في أنماط الإنتاج الفلسطينية السائدة، وذلك من خلال ما يلي:

أولا:  أن لا يكون أساس "النمو" الاقتصادي مجرد توسيع الأسواق الخارجية (زيادة الطلب الخارجي) لصالح زيادة أرباح حفنة من "رجال الأعمال"، بل إعادة توجيه الاستثمارات الفلسطينية والعربية إلى القطاعات المنتجة والبيئية وعلى رأسها الأرض والزراعة المتنوعة اللتين ليس من مصلحة "المانحين" الاستثمار بهما، لأن "إسرائيل" تمنعهم من ذلك، وذلك بهدف التركيز على إنتاج الاحتياجات الأساسية للناس في إطار اقتصاد الصمود الذي يركز على كثافة العمل بدلا من كثافة الرأسمال التي لا تضمن سوى تشغيل جزء هزيل من قوة العمل العاطلة، وتتسبب، في المحصلة، في مزيد من التدهور البيئي وتآكل التربة وتقلص التنوع الحيوي والوراثي.

ثانيا:  زيادة الإنتاجية من خلال زيادة الاستثمار في تنمية الموارد البشرية، عبر التثقيف والتدريب المستمرين في هذا الاتجاه.

ثالثا:  إنشاء وتطوير البنية التحتية التي تخدم الصناعة المعتمدة على الموارد المحلية، وبخاصة الزراعية، بالتوازي مع زيادة القدرات الإنتاجية في هذا المجال.  وهذا يعني إعادة تدوير الموارد والمخرجات المحلية في إطار نظام إنتاجي داخلي مستدام وبيئي.

رابعا:  قياس نجاح أو فشل أي نشاط تنموي بمدى قدرة هذا النشاط على تلبية الاحتياجات الأساسية للشرائح الشعبية، وفي نفس الوقت تسخير مؤشرات النمو الاقتصادي والتضخم والقدرة التنافسية لخدمة القياس السابق وليس لخدمة الأرباح الخاصة.

خامسا:  تقوية وتعزيز ودمقرطة البنى المؤسساتية الجماهيرية كالنقابات واتحادات الفلاحين والمزارعين والأطر والمنظمات الشعبية الفاعلة في مجالات الأرض والزراعة، بحيث تساهم هذه البنى في اتخاذ القرارات الاقتصادية – التنموية والزراعية والسياسية الفعالة على مستوى التخطيط والتنفيذ.

وبالإضافة، لا بد من تأسيس جمعيات لحماية المزارع وتوفير تأمين زراعي، فضلا عن تشكيل مجالس لمختلف أصناف الإنتاج الزراعي، كي تساهم في رسم السياسات والخطط الزراعية وبالتالي تحديد الأصناف التي يجب التركيز عليها ومواعيد الزراعة وكميات الإنتاج والفائض، حسب الحاجة الفعلية للسوق.

ولا بد أيضا من إنشاء مؤسسة إقراض أو أكثر للتنمية الزراعية، بحيث تمنح القروض الميسرة وبشروط مريحة حقا للمزارعين، بهدف تشجيع تنويع الإنتاج الزراعي والمشاريع الزراعية المعتمدة على الموارد الذاتية والمتحررة من التبعية المهلكة للمدخلات الخارجية، وبالتالي تشجيع المزارع على البقاء في أرضه وعدم هجرها، علما بأن الإستدانة الزراعية الهزيلة القائمة حاليا، تهدف أساسا إلى تكثيف الرأسمال في الزراعة بهدف التصدير، على قاعدة "المنافسة الحرة" التي لا ترحم الضعفاء؛ وبالتالي الوقوع في مصيدة الديون والزيادة المستمرة في مدخلات الإنتاج من الخارج والغرق في مزيد من القروض والديون لزراعة المحاصيل الأحادية، بدل التنويع الزراعي.  وفي المحصلة، الإدمان على الديون وتعميق التبعية للأسواق الخارجية وقوانينها اللئيمة.

وهنا، من المشروع أن نتساءل:  لماذا تعمل المؤسسات المالية الدولية والاتحاد الأوروبي ومن قبلهما إسرائيل، على دفع مزارعينا الفلسطينيين إلى ممارسات زراعية ثبت فشلها في بلدانهم، كالزراعة الأحادية مثلا وبالتالي تصدير فشلهم إلينا؟  فهناك في بلدانهم (أوروبا وأميركا الشمالية) يتحدثون ويعملون على تطوير الزراعات المستدامة والبيئية، فضلا عن التنويع الزراعي كضرورة للاستقرار المعيشي والاقتصادي وكبديل للزراعات الأحادية التي تتطلب تبعية كبيرة للمدخلات من خارج الوحدات الإنتاجية، كالمبيدات والأسمدة الكيماوية والبذور المهجنة والمياه والقروض المالية وغير ذلك.  ناهيك عما تسببه الزراعات الصناعية الأحادية من تلويث بيئي وإخلال في التوازن البيئي الطبيعي وتدمير لخصوبة التربة وهدر للمياه.  علما بأن مجتمعنا الريفي تميز تقليديا وتاريخيا بالتنويع الزراعي والاكتفاء الغذائي الذاتي.  فلماذا إذن الهرولة إلى تبني نظم وأنماط زراعية غريبة وقصيرة النظر ولا تهدف سوى تحقيق أرباح سهلة وعابرة وسريعة، على حساب أمننا الغذائي الحقيقي واحتياجاتنا الغذائية الحقيقية وبيئتنا ومياهنا وتربتنا وأجيالنا القادمة؟  علما بأن معظم هذه الأرباح تتدفق إلى جيوب الشركات الإسرائيلية والمستوردين والوكلاء والمسوقين في الأسواق الخارجية، بينما لا يبقى سوى الفتات للمزارع المحلي.

إن الزراعة على قاعدة "اقتصاد السوق" والمدخلات الخارجية الكبيرة، قد تم تطويرها في الغرب أصلا، لتتلاءم غالبا مع مناخات وأنماط زراعية مختلفة عن منطقتنا ولا علاقة لها بالحاجات الحقيقية لمزارعينا.  وبالتالي هناك غياب في التوجه نحو الموارد والإمكانيات المحلية وتغييب للممارسات والتجارب والمعارف الزراعية المحلية التي اكتسبها وطورها مزارعونا القدامى، فضلا عن عدم الاهتمام بالمحاصيل والبذور والحيوانات البلدية، علما بأن اهتمام البحث الزراعي الرسمي يركز غالبا على دعم المزارعين الميسورين والقادرين على شراء التقنيات والمستلزمات الزراعية "الحديثة"، وبالنتيجة لا يستطيع معظم المزارعين تطبيق هذه التقنيات التي هي أصلا غير مناسبة للزراعات البعلية وذات المدخلات الخارجية المنخفضة. 

 

تهليل فلسطيني لمنظمة التجارة العالمية

وافقت منظمة التجارة العالمية في حينه، عشية انعقاد مؤتمرها الوزاري السادس في هونغ كونغ (كانون الأول 2005)، على قبول مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني عضوا مراقبا في نفس المؤتمر.  وقد هلل أنصار تلك المنظمة من الفلسطينيين لذلك القرار معتبرين أنه سيؤدي إلى دمج الاقتصاد الفلسطيني في النظام الاقتصادي العالمي والإقليمي و"تقوية" موقعه، حيث سيحقق "الأرباح" من خلال جذبه الرساميل والاستثمارات الأجنبية.  كما أعلنت وزارة "الاقتصاد الوطني" الفلسطينية عن رغبتها في تلبية شروط العضوية للمنظمة علما بأن "تحرير التجارة" يقف على رأس تلك الشروط.  وفي القطاع الزراعي تحديدا، الذي يعد القطاع الفلسطيني الرئيسي، تشترط منظمة التجارة العالمية عموما اشتراطات كثيرة أهمها إلغاء الدعم عن المنتجات المحلية وإزالة كل أشكال الرقابة على الواردات الزراعية وتخفيض التعرفة الجمركية على المنتجات الزراعية إلى حدها الأدنى.

وعلى ضوء تصاعد التحرك الشعبي والمؤسسي غير الحكومي العالمي المناهض لمنظمة التجارة العالمية ونظام العولمة الذي تمثله، وبخاصة في أثناء انعقاد المؤتمر الأخير، اندلعت التظاهرات الحاشدة والمواجهات العنيفة التي بادر إليها المزارعون الأسيويون الذين يعدون أول وأكثر المتضررين من تحرير التجارة، وقبل ذلك المظاهرات الواسعة ضد العولمة ومؤتمر المنظمة المنعقد في كانوكون (المكسيك) عام 2003. على ضوء ذلك كله لا بد أن نتساءل:  هل تعي الرموز الفلسطينية المتنفذة حقا مخاطر وعواقب "حماستها" لضم مناطق السلطة إلى منظمة التجارة العالمية بعد أن تم دمج تلك المناطق رسميا من خلال اتفاقات أوسلو الكولونيالية، في منظومة الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي حولها إلى مجرد محمية إسرائيلية تفتقر إلى أي شكل من أشكال السيادة السياسية والجغرافية؟  لصالح من هذا الانخراط في المنظمة العالمية ومن سيكون المستفيد الحقيقي منه؟  فإذا كانت الشرائح الشعبية الفقيرة والمنتجة في الدول ذات "السيادة" بآسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا تنتفض ضد العولمة والمنظمة التي تمثلها، باعتبار أن الاتفاقات والأنظمة والقيود التجارية والاقتصادية والسياسية والسيادية التي تفرضها الأخيرة قسرا على تلك الشعوب تزيدها إفقارا وجوعا، فماذا سيكون المصير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني التي يراد لها الاندماج في منظمة التجارة العالمية، وهي تعاني أصلا من الفقر المدقع وتقع تحت الهيمنة والسيادة الكاملتين للاحتلال الذي يستبيح أرضها ومواردها وإنسانها استباحة مطلقة؟

 

طلقة الرحمة على ما تبقى من الإنتاج الفلسطيني

يصور البعض "تحرير التجارة" في أراضي الضفة والقطاع، في إطار نظام العولمة، بأنه سيشكل دعما كبيرا للإنتاج الفلسطيني الذي سيحلق عاليا في الأسواق الأوروبية والأميركية.  إلا أن تواصل تجزئة الضفة الغربية إلى أرخبيل من الجزر المتناثرة التي يتحكم بها تماما الاحتلال الإسرائيلي، وتواصل الحصار والإغلاق اللذين يعزلان اقتصاد الضفة واقتصاد القطاع كليا بعضهما عن بعض، ويتسببان في خسائر فادحة للتجارة الخارجية ويسحقان القدرة التنافسية للمشاريع الإنتاجية المحلية الموجهة للتصدير‘ويخفضان كثيرا من فاعلية الاستثمار.، كل ذلك حطم الآمال والأحلام، وعاق بل منع، غالبا، التجار والمنتجين الفلسطينيين من الوصول مباشرة إلى الأسواق العالمية.  كما أن المخاطر الناتجة عن الحصار والإغلاق تجعل المشاريع والاستثمارات عالية الحساسية، الأمر الذي يعرضها إلى تآكل كبير ومتواصل في مردودها الداخلي وبالتالي يقلل كثيرا من جدواها الاقتصادية.

وأمام هذا المشهد الكولونيالي الصارخ، كيف يجرؤ البعض على الترويج لاتفاقات "التجارة الحرة" أو "تحرير التجارة"، في الوقت الذي تحتاج المنتجات الفلسطينية إلى تصريح من إسرائيل لتصديرها إلى الأسواق الدولية، وفي الوقت الذي تتدفق فيه السلع الإسرائيلية بخاصة والأجنبية الأخرى بعامة، إلى الضفة والقطاع دون قيود.  وبديهي أن "تحرير التجارة" وبالتالي اتفاقات التجارة الحرة بين مناطق الضفة والقطاع وسائر دول  العالم، وفقا لأنظمة وقواعد منظمة التجارة العالمية، تتطلب "حرية التنقل" وتفترض التكافؤ بين طرفي الاتفاق في التبادل والمنافسة.  وهذا "التكافؤ" تحديدا، في حالتنا الفلسطينية مفقود تماما، لأن "حرية التنقل" تتمتع بها الأطراف الخارجية فقط (أوروبا وأميركا الشمالية وغيرهما)، ناهيك عن "الحركة الحرة" التي تتمتع بها السلع الإسرائيلية في الضفة والقطاع، علما أن الاقتصاد الفلسطيني يفتقر إلى أهم عوامل المنافسة مع المنتجات الغربية من ناحية بنيته الإنتاجية الضعيفة وغير المتكافئة مع البنية الإنتاجية الأوروبية والأميركية كثيفة الرأسمال والتكنولوجيا، وانخفاض الإنتاجية، فضلا عن محدودية السلع التي يمكننا تصديرها أصلا.  أضف إلى ذلك، أن تدني المستوى التقني للإنتاج المحلي قياسا مع معايير الأسواق الغربية، والأسعار الاحتكارية التي تفرضها الدول المصنعة على منتجاتها الزراعية والصناعية وبالتالي قدرة هذه المنتجات على منافسة مثيلاتها في الدول "المتخلفة"، كل ذلك يقلل كثيرا من آفاق بناء اقتصاد تصديري منافس.  كما يجب ألا يغيب عن بالنا أن إسرائيل شكلت وستبقى تشكل في المدى المنظور المصدر الأهم لمعظم مدخلات القطاع الزراعي والمدخلات اللازمة للصناعة الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى ارتباط بعض الشرائح الاجتماعية الفلسطينية بالاقتصاد الإسرائيلي الذي أصبح "ضروريا" لتسيير عمليات الإنتاج في الضفة والقطاع.  فضلا عن اندماج مختلف قطاعات الاقتصاد الفلسطيني في الاقتصاد الرأسمالي الإسرائيلي، بدلا من تكاملها مع بعضها مع بعض.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل نفسها، وهي المهيمنة على الاقتصاد الفلسطيني، توفر الحماية لسلعها وبخاصة الزراعية والغذائية، في مواجهة نظيراتها من السلع المستوردة من أميركا وغيرها، فكيف لنا نحن الفلسطينيين أن نعمل على جعل سوقنا المحلية مباحة للسلع الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية؟  لدرجة أن العديد من الاقتصاديين والسياسيين الفلسطينيين يعارضون بشدة حماية الاستثمار الوطني، بادعاء أن هذه الحماية "لا تشكل تشجيعا للاستثمار الأجنبي".

كما أن توجه السلطة الفلسطينية إلى البنك الدولي و"المانحين" للحصول على سيل متواصل من القروض و"المساعدات" نابع أساسا من كون اقتصاد الضفة والقطاع هزيل وفقير، وبالتالي ليس باستطاعته أصلا منافسة المنتوجات الأجنبية الغزيرة المتدفقة أو التي قد تتدفق علينا.

إذن، الادعاء القائل بقدرة منتوجاتنا المحلية على "منافسة" المنتوجات الأميركية والأوروبية في السوقين المحلية والعالمية ليس أكثر من مجرد وهم. وبخاصة لأن "تحرير التجارة"، فلسطينيا، لن يستند إلى التكافؤ التبادلي والتنافسي، بل سيأتي تجاوبا مع مطالب أميركية وأوروبية، تماما كمطلب الاتحاد الأوروبي الذي يشترط على دول "المتوسط" التي تطالب بمساعدات مالية واقتصادية "تحرير اقتصادها وفتح أسواقها أمام المنتوجات الأوروبية عبر إلغاء تدابير الحماية".  ناهيك عن التجاوب مع مطلب واشنطن المتمثل بفتح أسواق الضفة والقطاع وإلغاء كافة القيود أمام السلع الأميركية.  وهذا سيفرض تشريع قوانين فلسطينية لا تتجاوب مع الاحتياجات والمصالح الفلسطينية الوطنية الحقيقية، بل تتجاوب أساسا مع مطالب أطراف العولمة المهيمنة، ناهيك عن مطالب اتفاق باريس الاقتصادي الموقع مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1994.  وفي النهاية، سيتم تثبيت وتعميق الاحتكار الأجنبي والإسرائيلي للسوق الفلسطينية بخاصة فيما يتصل بتسويق المنتجات الزراعية والغذائية، مما يعني اجتثاث المزارعين الفلسطينيين من السوق المحلية ومن أراضيهم، وإطلاق طلقة الرحمة على ما تبقى من الإنتاج الزراعي الفلسطيني وسحق المزارعين ومنتجي الغذاء الفلسطينيين، بعد أن عمل الاحتلال، بشكل منهجي، طيلة عقود، على مصادرة ونهب أخصب الأراضي الزراعية.  كما أن انهيار الإنتاج الزراعي المحلي سيجعل الضفة والقطاع تابعين تبعية مطلقة للأسعار الاحتكارية المتقلبة، وسيضعهما تحت رحمة استيراد الغذاء من الخارج.  

 

استنتاجات وتوصيات

أولا:  من خلال المنظمات التجارية والمالية الدولية، يهدف كل من الاتحاد الأوروبي وأميركا من وراء "تحرير التجارة" في المناطق الفلسطينية، كما في سائر الأقطار العربية، إلى توسيع أسواق الدول الصناعية الغنية وإسرائيل في الوطن العربي وامتصاص فائض السيولة النقدية العربية وبالتالي تقليص الفجوة الضخمة بين العرض (الفائض) الأميركي والأوروبي والإسرائيلي، من جهة، والطلب العربي الضعيف نسبيا على هذا الفائض، من جهة أخرى.  كما أن الرأسمال الأجنبي والإسرائيلي ووكلاءه الفلسطينيين، في الضفة والقطاع، يفتشون باستمرار عن آفاق استثمارية سهلة وذات نسبة أرباح مرتفعة يتم تحقيقها من خلال استنزاف طاقة الاستهلاك الفلسطينية.  ومعنى ذلك إضعاف كبير للقدرة التنافسية لدى المبادرين الفلسطينيين والعرب المنتجين المحتملين، وسحق قدرتهم على المبادرة في تأسيس مشاريع إنتاجية وشبكات تسويق خاصة بهم.  كما أن استباحة احتكارات الغذاء الإسرائيلية والأجنبية للسوق الفلسطينية ستتسبب في آثار بيئية وصحية مدمرة، من ناحية التنوع الحيوي والصحة العامة للمجتمع الفلسطيني بسبب إغراق السوق الفلسطينية بالمحاصيل المعدلة وراثيا، وبخاصة المنتجات الغذائية الأساسية، كالقمح والذرة وغيرهما في ظل غياب الرقابة الفلسطينية الرسمية، علما أن السلطة الفلسطينية تفتقر تماما إلى السيادة على الواردات التي تتدفق إلى السوق الفلسطينية من خلال القنوات والموانئ الإسرائيلية.

ثانيا:  في ظل الواقع الاستعماري الاستيطاني الذي تريدنا فيه إسرائيل شعبا متسولا "يتعَيَّش" على منح وصدقات "المجتمع الدولي" لتوفير الطعام والدواء والطاقة والكهرباء، فإن الاقتصاد الفلسطيني الوحيد الممكن والواقعي، هو الاقتصاد الوطني الشعبي المقاوم الذي يوفر مقومات الصمود الاقتصادي والمعيشي الضروري لمواجهة الاحتلال.  ويستند نموذج اقتصاد المقاومة على تدعيم البنية الإنتاجية الزراعية والصناعية الوطنية الشعبية المتمحورة داخليا في السوق المحلية والتي تنتج الاحتياجات الأساسية للشرائح الشعبية، وبالتالي تحررنا من التحكم الصهيوني في عملية إطعامنا وتجويعنا؛ وذلك من خلال إطلاق العنان للحريات والمبادرات الشعبية المعتمدة على الذات والمشاريع الإنتاجية العامة والتكامل القطاعي، والنشاطات الزراعية غير الرسمية التي تتميز بالتنوع الإنتاجي والتي توفر الأمن الغذائي للناس.  وعمليا، يشكل هذا التوجه مدخلا واقعيا وممكنا لفك الارتباط بين الاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي.  وفي المحصلة، يعني اقتصاد المقاومة تشجيع وتنمية ثقافة الإنتاج والادخار بديلا لثقافة الاستهلاك والإلحاق.

ثالثا:  بسبب التداخل والتشابك العضويين في الارتباطات والمصالح التجارية والمالية بين الرأسماليين والتجار الإسرائيليين الكبار وبين شريحة محدودة من التجار والوكلاء الفلسطينيين، فقد تبلور انطباع لدى صانعي القرار الإسرائيلي بأن السلطة لا ترغب في فك الارتباط، وبخاصة لأن العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية لأولئك الوكلاء والتجار  مع إسرائيل، أدت إلى مراكمتهم ثروة مالية متضخمة.  وبالطبع، ستكون هذه الشريحة هي المستفيدة الأساسية من دمج مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني في منظمة التجارة العالمية وما تمثله من "عولمة"؛ وذلك بحكم كونها وكيلة للسلع المتنوعة والمنتجات الغذائية والخدمات الإسرائيلية والأجنبية الأخرى.  وفي نفس إطار شريحة الوكلاء والتجار المنتفعين من العلاقات مع إسرائيل، يندرج أيضا ما اصطلح على تسميته بالاحتكارات الفلسطينية، وهي ليست قطاعا عاما أو حكوميا، كما أنها ليست قطاعا خاصا بالمفهوم المتعارف عليه للقطاع الخاص، بل هي احتكارات لصالح النخبة الحاكمة.  وهذه "الاحتكارات" تختلف عن التعريف الاقتصادي للاحتكارات والقائل بأن الاحتكارات عبارة عن تجمع من الرأسماليين الذين يركزون بأيديهم إنتاج وتوزيع كمية كبيرة من السلع والخدمات، الأمر الذي يتيح لهم تحديد الأسعار في السوق، بحيث تدر عليهم أرباحا كبيرة جدا.  أما في الحالة الفلسطينية، فإن ما يسمى بالاحتكارات هو عبارة عن "احتكارات" استيراد وتسويق للسلع والمواد التي أنتجها الإسرائيليون وغيرهم من الرأسماليين.  وبالرغم من أن "الاحتكارات"  الأخيرة تتناقض، ظاهريا، مع سياسات البنك الدولي والدول "المانحة" التي تؤمن بالتوجه الرأسمالي الداعم للقطاع الخاص والسوق الحرة والرافض لأي تدخل حكومي مباشر في الاقتصاد أو في السوق، إلا أن البنك الدولي والدول "المانحة" تسمح بهذا التدخل السلطوي وهذه "الاحتكارات"، لأنها (أي البنك والدول المانحة) تحصل بالمقابل من السلطة على مكاسب سياسية.  لذا، فإن الحديث عن فك الارتباط، يتطلب بالدرجة الأولى تفكيك المصالح والارتباطات الممتدة والمتشعبة بين شرائح فلسطينية محددة والاحتلال الإسرائيلي.

 للأعلىé

 

 

التعليقات

 
 

البريد الالكتروني: amerinihad@gmail.com

الموضوع: رئيسي 1-العدد 7

التعليق:

شكرا على هذه الدراسة المتميزة والجريئة في التحليل والمحترمة لعقول القراء. وقد أمسكت الدراسة ببيت القصيد والمتمثل في حقيقة كوننا مجتمعا استهلاكيا، يشتري معظم طعامه من إسرائيل والخارج، ومنه الغذاء الاستراتيجي، وهذا يعني بأن المحتل سيبقى يتحكم بمصائرنا الاقتصادية والسياسية.  ولا مجال للحديث عن تنمية مستدامة ومتحررة من التبعية الغذائية والاقتصادية للاحتلال إلا عندما نصل إلى وضع نأكل فيه مما نزرع ونلبس مما نصنع، وإلا الويل الويل لنا.

نهاد العامري


البريد الالكتروني: ighanem@yahoo.com

الموضوع: رئيسي 1-العدد 7

التعليق:

هذا المقال من أقوى وأعمق التحليلات التي قرأتها عن الأمن الغذائي الفلسطيني وأنا أتفق مع كل كلمة وردت فيه.

عماد غانم


البريد الالكتروني: remonnassar@hotmail.com

الموضوع: رئيسي 1 -العدد 7

التعليق:

أعتقد أن مسألة إفقار الفلاحين الفلسطينيين وتجريدهم من أهم وسيلة إنتاج تشكلل مبرر  وجودهم، ألا وهي الأرض، هي لب الصراع مع الاحتلال الصهيوني. لذا، فإن النجاح في إنجاز هذا الهدف يعد قتلا لجوهر قضيتنا وصراعنا ومبرر وجودنا.  السؤال المطروح:  لماذا تهمش السلطة والممولين من ورائهم مسألة الأرض التي يجب أن يستثمر فيها وفي العاملين بها حصة الأسد؟  هل هو تواطؤ لتفريغ الصراع من مضمونه وليتحول إلى مجرد خلاف على حجم المعونات اللازمة لضمان سكوت غالبية الموظفين والمثقفين الفلسطينيين المتعيشين على التسول الخارجي؟


 

 
 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.