l التوجه العمراني الأخضر في الضفة والقطاع يعزز الاقتصاد المحلي ويفتح أسواقاً ويوفر فرص عمل جديدة
 
 
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
تشرين ثاني 2012 العدد-49
 
Untitled Document  

التوجه العمراني الأخضر في الضفة والقطاع يعزز الاقتصاد المحلي ويفتح أسواقاً ويوفر فرص عمل جديدة
مشهد الطاقة السوداوي يفرض اتخاذ إجراءات بيئية خضراء لتقليص وترشيد استهلاك الطاقة والكهرباء وتخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل المواطنين

مبنى أخضر

جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية

تصاعدت في الأشهر الأخيرة، الحركات الاحتجاجية والنضالات المطلبية بالضفة الغربية، احتجاجا على ارتفاع الأسعار، وبخاصة الوقود والمحروقات، ناهيك عن تأخر الحكومة الفلسطينية المتكرر في دفع رواتب موظفيها؛ وتحديدها لاحقا، راتب حد أدنى (1450 شيقل) تجويعي معيب وغير إنساني ولا يلبي الحد الأدنى من احتياجات المأكل والمشرب لأسر العمال والموظفين، دون ذكر التعليم والصحة والمسكن.  ومن الواضح أن الحكومة فشلت مرارا في بلورة وتنفيذ سياسة مالية متوازنة وعادلة وخالية من نفقات البذخ والتبذير للمسؤولين والموظفين الكبار.  وبالرغم من الارتفاع الكبير في تسعيرة الكهرباء الفلسطينية المستوردة أساسا من إسرائيل، بالمقارنة مع سعرها في إسرائيل؛ فقد شاهدنا مؤخرا تفاقم العجز المالي والديون الكبيرة المتراكمة لدى شركة كهرباء محافظة القدس وسائر شركات توزيع الكهرباء الفلسطينية، لصالح شركة الكهرباء الإسرائيلية (نحو 700 مليون شيقل، منها أكثر من 420 مليون ديون متراكمة على شركة كهرباء القدس).  وقد هددت شركة الكهرباء الإسرائيلية المزودة للكهرباء، في الصيف الأخير، بقطع التيار الكهربائي عن مناطق امتياز شركة القدس، أي القدس، رام الله والبيرة، بيت لحم وأريحا؛ ما يعني إدخال أنحاء واسعة من الضفة الغربية في ظلمة حالكة لفترات طويلة، وبالتالي شل عجلة الإنتاج وجوانب معيشية وصحية حساسة.
إزاء مشهد الطاقة السوداوي في الضفة وغزة، حيث يستخدم الاحتلال الإسرائيلي الكهرباء والوقود والمحروقات ككماشة ضغط ذات أبعاد سياسية، يصبح أكثر من ضروري الشروع في إجراءات بيئية عملية خضراء، لتقليص وترشيد استهلاك الطاقة والكهرباء، وبالتالي تخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل أهلنا.
وبالإضافة للبعد البيئي - المناخي الكامن في ترشيد استهلاك الكهرباء، أو التحول نحو استخدام مصادر الطاقة المتجددة، يتضمن هذا الترشيد وهذا الاستخدام أيضا، في الحالة الفلسطينية، بعدا تنمويا وطنيا، حيث سيقلل من الاعتماد على الطاقة الأحفورية (الكهرباء، البنزين، السولار، الغاز والمحروقات بشكل عام) ومصدرها الوحيد دولة إسرائيل التي تتحكم بعملية تسويقها أو حجبها، فضلا عن التحكم بنوعيتها وجودتها.  وفي المحصلة، ستنخفض كثيرا النفقات الفلسطينية على الكهرباء والطاقة النفطية الإسرائيلية، وستتعزز بالمقابل عملية إعادة تدوير الرأسمال المحلي في السوق الفلسطيني.
وبالرغم من وجود بعض البرامج التوعوية والتحفيزية لدى سلطة الطاقة الفلسطينية وجهات أهلية، تهدف إلى تشجيع المواطنين على ترشيد وتقليص استهلاكهم للكهرباء، ورفع كفاءة الطاقة؛ إلا أن مثل هذه النشاطات تبقى محصورة في نطاق رؤية قصير الأمد تلقي مسؤولية التغيير على كاهل المواطنين، وتتردد في تنفيذ إجراءات بعيدة المدى وضرورية لأي تغيير حقيقي في حجم استهلاك الكهرباء تحديدا.
الارتفاع الكبير الحاصل في استهلاك الفلسطينيين للكهرباء ناتج أساسا عن الزيادة السكانية وارتفاع مستوى معيشة الشرائح الاجتماعية المتوسطة والعليا، فضلا عن التضخم البيروقراطي الحكومي وما نتج عنه من تضخم في النفقات. 
ومن الزاوية البيئية البحتة، يمكننا القول بأن طرق إنتاج إسرائيل للكهرباء ملوثة جدا للبيئة الفلسطينية، وبخاصة أنها تعتمد إلى حد كبير على حرق الفحم الذي يعتبر ملوثا جدا للغلاف الجوي ومن أخطر العوامل المسببة للاحتباس الحراري، ناهيك عن تسببه بأمراض خطيرة.  كما أن الاستخدام الإسرائيلي للغاز الطبيعي في عملية توليد الكهرباء، ليس أقل تلويثا بكثير من الفحم. 
إذن، الضرورة البيئية-الاقتصادية والوطنية تحتم إحداث تغيير جوهري شامل في أنماط سلوكنا وتعاملنا مع مسألتي الطاقة والكهرباء، ومع التحديات الإيكولوجية الحالية.  وفي سياق الحديث عن التحديات البيئية، لا بد من التركيز بشكل خاص، على الاستخدام الحكيم للمواد الخام، ومن منظور مستدام يهدف إلى تقليص التبعية للمُدْخَلات الإسرائيلية، وتقليل الأذى الواقع على البيئة الفلسطينية إلى أدنى حد ممكن.
في المستوى الفلسطيني، الأزمات الاقتصادية والمالية المحلية والعالمية تشكل فرصة مناسبة لبلورة وتنفيذ مفهوم "النمو الأخضر"، أو الاقتصاد الأخضر الذي يعني فكرا وممارسة اجتماعيين-اقتصاديين متجددين يدمجان بين الحاجة إلى مواصلة "التطوير" الاقتصادي، من جانب، وتقليل الأضرار البيئية، من جانب آخر. 
إن تصحيح وتحسين قيم "النمو" الاقتصادي القائمة، ومواءمتها مع الحاجات البيئية والحفاظ على نوعية حياة المواطنين، تفرز فوائد إضافية، أبرزها ممارسات مبتكرة وصديقة للبيئة تشكل محركا لنمو اقتصادي مستقل.

مبنى طبقت فيه مبادئ العمارة الخضراء

مهمة وطنية من الدرجة الأولى
ويشكل مواجهة تحدي قطاع الإنشاءات والعواقب البيئية المرافقة له، أحد الأسس الهامة في نمط التفكير الاقتصادي الجديد، علما أن هذا القطاع يعتبر رئيسيا في الاقتصاد الفلسطيني وفي توليد "النمو" الاقتصادي؛ وتمثلت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني 9.2% لعام 2010، حيث سجل هذا القطاع ارتفاعا متواصلا منذ بضع سنوات، إذ بلغت حصته 6.4% عام 2008، فارتفعت إلى 7.4% عام 2009 (كتاب فلسطين الإحصائي السنوي 2011).
ويثير مدى التأثير السلبي لقطاع البناء على البيئة قلقا جديا لدى الخبراء.  فبحسب معطيات بحث جرى في الولايات المتحدة، تبين أن لقطاع البناء أكبر تأثير على انبعاث غازات الدفيئة في العالم، بل أكثر من قطاع المواصلات أو حتى الصناعة.  فالمباني تستهلك نحو 30%-50% من الطاقة والمواد الخام في العالم، وحوالي 25% من اجتثاث الغابات في العالم، ونحو 20% من الاستهلاك العالمي لمياه الشرب.  ويمكننا القول إن المباني في الضفة الغربية وقطاع غزة مسؤولة عن ما لا يقل عن 50% من إجمالي الانبعاثات الفلسطينية، فضلا عن إنتاجها أكثر من مليوني طن نفايات سنويا، وذلك بالمقارنة مع نحو مليون ونصف المليون طن نفايات منزلية مختلطة.
البديل المطلوب لهذه المعطيات المقلقة يتجسد في البناء الأخضر، أي العمارة الصديقة للبيئة ولقاطنيها؛ حيث أنها تتضمن توفيرا في الموارد وتحسينا في كفاءة استعمالها، أثناء عملية البناء، وخلال فترة استعمال المبنى.  ويشمل المبنى الأخضر جوانب عديدة أهمها موقع المبنى في الفضاء، وتصميم غلافه الخارجي وفتحاته بحسب الظروف المناخية، مواد البناء ومكونات أخرى منسجمة مع البيئة؛ وذلك من خلال استخدام بنى تحتية وتقنيات موفرة للطاقة، إلى جانب مكونات قيمية، اجتماعية وثقافية.
وعمليا، يقدم لنا البناء الأخضر طريقا بديلا لمواجهة عملية تدمير الموارد الطبيعية، القائمة أصلا في مجرد عملية البناء ذاتها، وفي استعمال المبنى طيلة فترة عمره.  كما يتيح توليد محركات جديدة للنمو الاقتصادي، من خلال الحفاظ على الرأسمال الطبيعي والبيئة وحمايتهما، وتحسين جودة الحياة.
وللأسف، لا يعي العديد من الناس في المجتمع الفلسطيني مدى ملحاحية تطوير وتنفيذ مشروع وطني للاقتصاد الأخضر، وأهمية تطوير البناء الأخضر في إطاره، وبالتالي، مساهمته الكبيرة في توليد "النمو".     
ويتطلب التوجه العمراني الأخضر، تنظيم قطاع العمارة الخضراء، وتقديم حلول شاملة بعيدة المدى، وتحديد مواصفات ومقاييس رفيعة موحدة لتلك العمارة؛ بحيث يشارك في هذه العملية جميع الأطراف المعنية، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص أو الأهلي، وبحيث يتم وضع هذا التوجه في طليعة الأولويات الحكومية والأهلية، وبحيث تخصص لها موارد مالية محترمة؛ إذا ما أردنا حقا إحداث التغيير الحقيقي المنشود.
وبالطبع، مجرد تحديد مواصفات ومقاييس للعمارة الخضراء غير كاف، بحد ذاته، لإحداث التغيير الجوهري المنشود في التوجه المعماري.  كما يفترض ألا يكون الاهتمام محصورا في المباني الجديدة فقط، وبالتالي، إهمال المباني القائمة.  وينسحب هذا الأمر على المواصفات والمقاييس، علما أن الإمكانيات الكبيرة للنشاط الذي يعود بالنفع الحقيقي على البيئة ويؤدي إلى توفير جدي في الطاقة، تكمن أساسا في المباني القائمة؛ بما لا يقل عن المباني التي قد تبنى مستقبلا.
وبما أن التوجه المعماري الأخضر يتضمن بعدا تنمويا وطنيا هاما، إضافة إلى البعد البيئي-المناخي؛ فيفترض بنا التعامل معه باعتباره مهمة وطنية من الدرجة الأولى، تشمل أيضا العمل على إحداث تغييرات "خضراء" في المباني القائمة، من خلال أعمال صيانة ذكية فيها.  هكذا، على سبيل المثال، ينفذ في ألمانيا، حاليا، مشروع ضخم لرفع كفاءة الطاقة في المباني القائمة، وتقوية العزل فيها.  أما في تركيا، فقد سُنَّ قانون يفرض على كل من يرغب إجراء أعمال ترميم وصيانة لأي مبنى قائم، أن يقدم برنامجا تفصيليا لتحسين وضع الطاقة في المبنى، وغير ذلك.
وهنا، يبرز دور الحكومة التي تقع عليها مسؤولية تنظيم هذه المسألة وإشهارها، فضلا عن تحفيز السوق على العمل وفقا للمحفزات المعروضة والمواصفات المعتمدة، والعمل على تطوير المواصفات وإغنائها.
ويعتبر التشريع إجراءً هاما لتجسيد مسألة العمارة الخضراء واقعا على الأرض؛ إلى جانب توفير المحفزات.  وهنا من المفيد الاستفادة من تجارب بعض الدول التي قطعت شوطا في هذا المجال؛ حيث يمكننا طرح المحفزات التالية:  دعم شراء السلع الخضراء، تشجيع مسار الإنشاءات الخضراء، إعفاءات على ضريبة الأملاك، دعم قروض الإسكان ومنح تسهيلات إقراضية، تخفيض ضريبة القيمة المضافة لمن يشتري شققا أو منتجات خضراء، وغير ذلك.  وفي حال تخصيص الموارد الكافية فيمكننا أيضا توفير حلول فورية لمشاكل وذيول عمليات البناء؛ مثل معالجة مخلفات البناء وتدويرها، وتشجيع تطوير تقنيات حديثة في قطاع العمارة الخضراء، وإدخالها إلى المباني القائمة والجديدة.
ولا بد أيضا من التعامل مع البعد التربوي لمسألة العمارة الخضراء.  إذ يفترض بالقائمين على العملية التعليمية التعامل مع هذه المسألة باعتبارها أولوية بيئية-تربوية من الدرجة الأولى، تساهم في تثقيف جيل المستقبل على فهم أفضل وأشمل للفضاء المبني بالكتل الإسمنتية، وفي بيئة تعليمية صحية خضراء.   
ويفترض أيضا بالقطاع الخاص الاستفادة من المزايا الاقتصادية الكامنة في تطبيق مبادئ العمارة الخضراء.  فبإمكان شركات البناء والهندسة المعمارية إحداث تغيير استراتيجي في طريقة عملها المعماري؛ لتتحول نحو البناء الأخضر، بما يعززها اقتصاديا وماليا أيضا، وليس فقط بيئيا. 
التوجه المعماري الأخضر يركز على كفاءة الطاقة والتوفير في استهلاكها؛ فضلا عن إقامة أنظمة لجمع مياه الأمطار وتدوير المياه الرمادية ومياه المكيفات.  كما يستخدم في المبنى الأخضر الزجاج المخفض للأشعة، ويصمم بحيث توفر فيه التهوية والإضاءة الطبيعيتين؛ ناهيك عن أنظمة متقدمة للتحكم في الإضاءة وتكييف الهواء.  يضاف إلى ذلك إنشاء البساتين ومواقف الدراجات وغير ذلك.
المبنى الأخضر يوفر كثيرا في إجمالي النفقات على إدارة وعمل المبنى، بالمقارنة مع المبنى العادي.  فعلى سبيل المثال، قد تصل نسبة التوفير السنوية في استهلاك الكهرباء 33% أو أكثر، وفي المياه نحو 70%.   
وفي أماكن العمل، تشكل بيئة العمل الخضراء في المؤسسات والمنشآت، وسيلة للتوفير في التكاليف والنفقات، إضافة إلى تحسين جودة بيئة العمل وزيادة الإنتاجية.
صحيح أن تكلفة البناء الأخضر أعلى قليلا من تكلفة البناء العادي، لأنها تتطلب مستوى أعلى من المعرفة والتكنولوجيا والتعقيد، مما هو قائم في عمليات البناء العادية.  إلا أن العمارة الخضراء، بعد إنجازها، تعد نوعية، موفرة للنفقات، وتوفر بيئة سكنية صحية وممتعة.  ويتوقع أن يُسْتَرَد الاستثمار (العائد على الاستثمار/ROI ) في إعادة تأهيل وتصميم المباني القائمة، كي تصبح خضراء، خلال فترة ثلاث سنوات فقط، نظرا للتوفير المتوقع بنحو 40% في الاستهلاك السنوي للطاقة.  أما المبنى الأخضر الجديد، فيعيد الاستثمار المالي المباشر في المدى المتوسط الممتد حتى عشر سنوات؛ بالإضافة للفوائد الواضحة المتمثلة في توفير الموارد الطبيعية وانبعاث غازات الدفيئة والملوثات الأخرى.  وبالطبع، كلما ازداد عدد المبادرين إلى هذا النمط من البناء كلما انخفضت تكلفة البناء.
التوجه العمراني الأخضر يعتبر محركا لتوليد فعل تنموي قادر على فتح أسواق ونماذج أعمال جديدة، وتعزيز الاقتصاد المحلي؛ من خلال ترشيد استعمال الموارد الطبيعية المحلية وتوفيرها، وتقليل التكلفة البيئية، وتوفير فرص عمل جديدة، إضافة إلى خلق أماكن عمل مهنية متخصصة جديدة.  يضاف إلى ذلك إنشاء مبانٍ صحية في بيئة سليمة، وتحفيز الابتكارات التكنولوجية وتطوير مستوى البحث والمعرفة.
أخيرا نقول، إذا أردنا حقا منع كوارث مستقبلية في مجال الطاقة والكهرباء؛ فيفترض بنا تطبيق الحلول البسيطة المقترحة والمتاحة أمامنا.  ومن الضرورة بمكان دمج مفهوم النمو الأخضر في الاقتصاد المتوازن، من خلال تجسيد مبادئ العمارة الخضراء واقعا فعليا على الأرض.

التعليقات

حقا، المباني الموفرة للطاقة المترافقة مع عمليات تدوير النفايات وتوليد الكهرباء من الطاقات المتجددة، كفيل أن يحررنا إلى حد بعيد من التبعية في الطاقة للاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى البعد البيئي .

كفاح ديراوي

 

كل الاحترام والتقدير يا أستاذ جورج على هذا الطرح الإبداعي والمبتكر والقابل للتطبيق بسهولة، في حال توفرت البصيرة وبعد الرؤية .

محمد كاتبة

 

المسألة الأساسية في الموضوع الاقتصادي في العمارة الخضراء أن العائد على الاستثمار سريع ولا يتجاوز خمس إلى ست سنوات ...

قاسم عيتاوي

 

الشكر الجزيل علي المعلومات القيمة

وليد فاروق

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية