مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
آذار 2012 العدد-42
 
Untitled Document  

نحو صيانة وتوثيق الأشجار التراثية المعمرة في فلسطين

أم شجر الزيتون المعمر في الولجة ببيت لحم يقدر عمرها بأكثر من 3000 سنة

ج. ك.
خاص بآفاق البيئة والتنمية

ما هي الشجرة الأكثر تعميرا في فلسطين التاريخية؟  ربما هي الشجرة الملقبة "أم الشجر المعمر" في منطقة الولجة ببيت لحم، والتي يزيد عمرها عن 3000 سنة.  وكما هذه الشجرة، تنتشر في فلسطين العديد من الأشجار المعمرة، وبخاصة أشجار الزيتون الرومي المعمر التي يتجاوز عمرها الألف سنة؛ بما يمثل أصدق تجسيد للذاكرة الفلسطينية الجمعية وتاريخ الأمة العريق.  وبالرغم من ذلك، كثرت في السنوات الأخيرة عمليات اقتلاع الأشجار الفلسطينية المعمرة في الضفة الغربية، وبخاصة الزيتون، بواسطة سماسرة محليين يبيعونها لشركات ومشاتل إسرائيلية تتولى بدورها تسويقها وبيعها لأغنياء يهود في تل أبيب وهرتسيليا وغيرهما، مقابل مبالغ  تتراوح من 30 ألف إلى 100 ألف شيقل للشجرة الواحدة.  ويعمد السماسرة إلى إغراء أصحاب الأشجار لاقتلاعها وبيعها للإسرائيليين بأثمان بخسة، ليعاد تسويقها بأسعار ضخمة.  وغالبا ما يتجاوز عمر هذه الأشجار المائة عام، بل قد يصل عمر بعضها ألف سنة.

بجوار تجريفات بلدية رام الله انتصبت شامخة زيتونة رومية في أرض المحامي الكهل المرحوم عيسى قندح والتي قدر عمرها بأكثر من خمسمائة عام، ومع ذلك فقد تم اقتلاعها

ليس هذا فقط، بل إن بعض البلديات الفلسطينية دأبت في السنوات الأخيرة على اجتثاث وتخريب الأشجار المعمرة بذريعة ضرورة توسيع الشوارع القائمة أو شق شوارع جديدة.  هذا ما حصل في رام الله، على سبيل المثال لا الحصر. إذ تسببت عملية شق شارع جديد في منطقة الطيرة برام الله في تخريب أرض زراعية لصاحبها المحامي المرحوم عيسى خليل قندح؛ إذ تم استئصال نحو 17 شجرة زيتون رومي معمر في ذات الأرض، يتجاوز عمر بعضها الخمسمائة سنة.     
كذلك الأمر، في شارع "طلعة العماره" وسط مدينة الخليل، والذي كان يعرف بشارع الأشجار؛ إذ تميز سابقا بكونه غابة خضراء اصطفت على جانبيه نحو أربعين شجرة صنوبر جميلة تجاوز عمرها المئة عام. ولكن هذه اللوحة الطبيعية الجميلة تلاشت عندما اقتلعت البلدية تلك الأشجار بذريعة توسيع الشارع.  وينسحب هذا العبث بالمساحات الخضراء عل أحياء أخرى مثل عين ساره والحاووز وشارع السلام وغيرها.  فالمشهد الغالب الآن في رام الله والخليل وغيرهما من المدن الفلسطينية هو الزحف الاسمنتي وانتشار المنشآت التجارية والصناعية على المساحات الخضراء والأراضي الزراعية، وبالتالي انكماش كبير ومخيف في تلك المساحات والأراضي.

بلدية الخليل تدمر وتجتث أشجارا معمرة من وسط المدينة

والحقيقة التي ربما يعرفها جميعنا، أن فوائد الأشجار ليست فقط جمالية، بل بكونها تصون بيئتنا من التلوث، وبالتالي تحافظ على الصحة العامة للناس.  فهي، من خلال جذورها، تثبت التربة، ما يقلل كثيرا انبعاث الغبار، وبالتالي تقينا الأشجار من أمراض الجهاز التنفسي.  كما أنها تقلل كثيرا الإشعاع الضوئي، ما يتسبب في تخفيف حدة الإشعاع الشمسي وتقليل حركة الرياح وهبوط درجات الحرارة ورفع نسبة الرطوبة الجوية.  وتمتص الأشجار صوت الضجيج الناتج عن حركة المركبات.  والأهم من كل ذلك، أنها ترفع نسبة الأكسجين في الهواء، مما يجعل الأخير نظيفا وصحيًا.
وفي بلد صغير كبلدنا، معالمه العامة أقرب إلى الأرياف الزراعية منها إلى المدن الصناعية المتقدمة الكبيرة، لا نحتاج إلى الشوارع الواسعة، فنحن لسنا في باريس أو نيويورك أو طوكيو.  بل ما نحتاجه هو الحفاظ على القليل جدا مما تبقى من ثروتنا الخضراء والشجرية الآخذة بالتلاشي، وبخاصة في مدننا، علما بأن الجزء الأكبر من هذه الثروة دمرها الاحتلال، سواء بالتجريف والاقتلاع، أم بالتوسع الاستيطاني وشق الطرق الالتفافية وبناء الجدران العنصرية العازلة، أم بالانتشار العشوائي للكسارات الإسرائيلية في مختلف أنحاء الضفة.  فلماذا إذن، نحن الفلسطينيون، نمعن في ترسيخ وتعميق التشوه الخطير الذي أحدثه الاحتلال لمشهدنا البيئي الأخضر الجميل؟  ألا يمكننا استيعاب الزيادة السكانية وارتفاع عدد المركبات سوى من خلال شق الشوارع العريضة على الأراضي الزراعية والخضراء، والبناء العشوائي للكتل الإسمنتية البائسة التي تفتقر إلى البعد المعماري البيئي التراثي والجمالي، ولا تتفاعل مع البيئة، بل، ولدى تصميمها، لم يؤخذ بالاعتبار اتجاهات الموقع الأربعة؟

شجرة خروب معمرة يزيد عمرها عن قرنين في قرية العقبة الفلسطينية حيث يجتمع أعضاء المجلس القروي في ظلها بسبب منعهم من قبل الاحتلال الاجتماع في مبنى حجري

باعتقادي، الضرورة البيئية والوطنية القصوى تدفعنا نحو التحرك السريع، في مستوى الهيئات المحلية والمنظمات الأهلية الفاعلة في المجالات البيئية والزراعية- التحرك لصيانة وتوثيق الأشجار التراثية في مختلف المناطق الفلسطينية.  وبهدف إنهاء حالة الفوضى والاستباحة التي تجتاح المساحات الخضراء والشجرية، والسيطرة عليها وفرملتها ووضع حد لها، لا بد من العمل المنظم والمنهجي، من خلال تنفيذ عملية مسح، تهدف إلى بلورة قائمة بالأشجار الفلسطينية المعمرة والمميزة التي يجب الحفاظ عليها في أماكن تواجدها.  وذلك وفقا لمعايير معينة، مثل عمر الحد الأدنى (60 سنة على سبيل المثال)، ووجود قصة خاصة ومثيرة تحيط بتلك الأشجار.  وفي ختام عملية المسح، تقدم للهيئات المحلية والمحافظات قائمة بالأشجار المعمرة المتواجدة في مناطق نفوذها، لدمجها في برامج الحفاظ على الثروة الشجرية، وبخاصة المعمرة منها، وأخذ هذه المسألة بالاعتبار في مشاريع تطوير المدن والقرى وعمليات البناء، فضلا عن تشجيع الناس على إكثارها.  وقد يطلب من الناس تزويد القائمين على هكذا مشروع، بالقصص الجذابة والمثيرة حول أشجار معمرة يعرفونها، في مختلف الأنحاء الفلسطينية التاريخية.  ومن بين تلك الأشجار النادرة والتاريخية المهددة بالانقراض، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، أشجار القيقب، والتوت، والبطم، والحور، والخروب، والزعرور، والسدر، والبلوط، والصفصاف، والغار وغيرها.

شجرة قيقب معمرة في قرية عين قينيا قرب رام الله
التعليقات
الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية