مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
تشرين ثاني 2011 العدد-40
الحضور البيئي في الاحتجاجات والانتفاضات الاجتماعية
ج. ك. خاص بآفاق البيئة والتنمية
يمكننا القول بأن الفقر والبطالة والقمع والظلم الاجتماعي والطبقي ونهب المال العام يعد، بشكل عام، أبرز العوامل المفجرة للانتفاضات الشعبية العربية ضد الأنظمة المستبدة. وبالتوازي مع هذه الانتفاضات، أخذ يتبلور في الأونة الأخيرة، حراك شعبي غربي في بعض الدول الأوروبية، وبخاصة في اليونان واسبانيا والبرتغال، بسبب انعدام الاستقرار الاقتصادي. وأخذت، في العديد من المجتمعات الأوروبية، ترتفع الأصوات الشعبية والأهلية المنادية بالتغيير الاجتماعي-الاقتصادي الجذري الذي يوفر للشباب، وبخاصة المهمش منهم، فرصاً للعيش الكريم، وحداً أدنى من الرفاه الاجتماعي.
والملاحظ، أن المجال البيئي لم يغب عن الاحتجاجات الاجتماعية الغربية والعالمية إجمالا، بل تجسد هذا الأمر في العمليات الانتخابية، كما رأينا في ألمانيا حيث ارتفع بشكل مثير الوزن السياسي لحزب الخضر.
وفي السنوات الأخيرة، ازداد الوعي العالمي بأن الاقتصاد السليم والمستقر يتطلب سياسات وسلوكيات بيئية صحية ومتوازنة، بحيث تستخدم الموارد الطبيعية استخداما مسؤولا، وبحيث يتم ترشيد استخدام الطاقة، ورفع كفاءتها، مما يؤدي إلى التوفير الاقتصادي وخفض التلوث وزيادة فرص العيش في بيئة خضراء نظيفة، وتقليص الإنفاق في القطاع الصحي.
وحاليا، تقع مسؤولية الشركات الكبيرة في زيادة وتطوير نشاطاتها الصديقة للبيئة وفي خفض بصمتها الكربونية، ضمن أولويات الأجندات الشعبية في العديد من الدول الغربية.
وفي المقابل، ثبت بأن الاستثمارات في القطاع البيئي يمكنها أن تولد نموا اقتصاديا يستند إلى تنمية حقيقية تعمل على تطوير تكنولوجيات بيئية وخلق فرص عمل "خضراء" كثيرة.
وللأسف، تحتل التنمية المرتكزة إلى النشاطات البيئية والاستثمارات "الخضراء" مكانة هامشية في الواقعين الفلسطيني والعربي، علما بأنه في بلد كبلدنا، "متخلف" تنمويا ورازح تحت الاحتلال الاستيطاني وفقير بالموارد الطبيعية، لا مجال ولا مستقبل للحديث عن تنمية اقتصادية سوى في إطار اقتصاد إنتاجي بيئي يتميز بالتمحور الداخلي والتحرر من التبعية للمدخلات الخارجية الإسرائيلية؛ أي اقتصاد بيئي مقاوم للاحتلال يرتكز على الموارد المحلية وفي مقدمتها الأرض والانتاج الزراعي. وهذا ما نعنيه على سبيل المثال، في السياق الفلسطيني، بالزراعة العضوية (البلدية) المتداخلة والمتنوعة والبيئية التي توفر الاحتياجات الغذائية الأساسية النظيفة للناس، بحيث نتحرر من رحمة الاقتصاد والسوق الإسرائيليين، وبالتالي نحقق السيادة الغذائية للناس، الأمر الذي يعد شكلا أساسيا من أشكال السيادة السياسية.
وتصر ثلة من الاقتصاديين و"التنمويين" الفلسطينيين على تجاهل العلاقة الجدلية القوية بين قطاعات الحياة المختلفة، وعدم الربط بين الرفاه الاجتماعي وجودة الحياة، من ناحية، والمزايا الاقتصادية الكامنة في العيش ببيئة نظيفة ومتوازنة، من ناحية أخرى. إن مثل هذه المنظور الذي يعزل المجتمع عن البيئة يعد خطأ قد ندفع ثمنه غاليا؛ وبخاصة أن قطار التغيير البيئي-الاجتماعي-الاقتصادي قد انطلق عالميا، ولا نعرف تحديدا متى سيتوقف.
إذن، لا بد من التحرك باتجاه إحداث تغيير جدي في علاقتنا وتعاملنا مع البيئة الفلسطينية؛ وإلا فإن الفرص المتاحة أمامنا ستضمحل مع الزمن، وسيُلْقى بحقلنا البيئي إلى المواقع الخلفية في أجندتنا الوطنية.
وبما أن القطاع البيئي، والمناخي تحديدا، أخذ يحتل أهمية متعاظمة في الأجندات الاقتصادية العالمية، الرأسمالية منها والاشتراكية (فلنتأمل الاقتصاد الكوبي على سبيل المثال)، فلا بد من العمل باتجاه تغيير بعض مفاهيمنا الاقتصادية والتنموية التقليدية التي ثبت احتواؤها على ثغرات وعيوب كثيرة. فإلى جانب القضايا الاجتماعية المتصلة اتصالا وثيقا بالأيدولوجيا البيئية؛ مثل المواصلات العامة الفعالة، وتوفير فرص عمل "خضراء"، يوصي بعض الاقتصاديين البيئيين باستبدال مؤشرات النمو الاقتصادي التقليدية المتعارف عليها، مثل إجمالي الناتج المحلي (GDP ) وإجمالي الناتج القومي (GNP )، بمؤشر جديد يمكن تسميته بـِ "مؤشر التقدم الصحيح". ويتضمن هذا المؤشر الذي انبثق في أعقاب النقاشات النقدية في الأمم المتحدة حول المؤشرات التقليدية القائمة التي لا تأخذ بالاعتبار الجوانب الاجتماعية والبيئية- يتضمن متغيرات إضافية، مثل انعدام المساواة الاقتصادية، الجريمة، انبعاث الملوثات، تقلص المساحات الزراعية، وغير ذلك.
ومن الأهمية بمكان إدراك أن القضايا الاجتماعية والبيئية مترابطة بشكل وثيق؛ إذ لا يمكن أن يسود العدل الاجتماعي دون الدفاع عن حق الإنسان في العيش ببيئة صحية. ويقع على عاتقنا جميعا العمل من أجل تعميق معرفتنا البيئية، لنتمكن من التأثير على مدراء وأصحاب الشركات والمصالح التجارية وراسمي السياسات ومتخذي القرارات الرسميين، وبالتالي إحداث تغيير نوعي في مفاهيمهم وفلسفتهم التنموية والبيئية القائمة. ويجب ألا نتوقع بأن يتغير المستوى التنفيذي الحكومي أو التجاري لصالح القضايا البيئية، طوعا ومن تلقاء ذاته، دون تشكيل لوبي إعلامي بيئي وطني ضاغط ومؤثر على راسمي السياسات وأصحاب القرار.
التعليقات
مجلة افاق البيئة و التنمية
الصفــحة الرئيسيـــة
لماذا آفاق البيئة والتنمية
منبر البيئة والتنمية
الراصد البيئي
مشاهد بيئية
أخبار البيئة والتنمية
أصدقاء البيئة
أريد حلا
مبادرات بيئية
تراثيات بيئية
قراءة في كتاب
سياحة بيئية وأثرية
البيئة والتنمية في صور
أسرة افاق البيئة و التنمية
أعداد سابقة / الارشيف
كُتَابُنا
رسائل القراء
للاشتراك
الاتصال بنا
روابط
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية
يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.)أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء). ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة. الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
نلفت انتباه قرائنا الأعزاءإلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء منالمجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكرالمصدر .
توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة