مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
أيلول 2011 العدد-38
 

يتمنى تعميم ثقافة إعادة التدوير من خلال "حديقة البلاستيك"
المقدسي عبد الجليل الرازم  يطوّع مخلفات البلاستيك لصنع زينة جميلة في رمضان

الفنان عبد الجليل الرازم

حاورته: ربى عنبتاوي
خاص بآفاق البيئة والتنمية

موهبته الفنية وعمل والده في تجارة الخردوات، شكلا لديه الذخيرة لإبداع الفن من مخلفات الأشياء الصلبة التي يسارع المعظم لإلقائها في الحاويات بعد استهلاكها، دون إدراك ضررها الكبير على البيئة، فتحولت من منظوره كفنان من عبء  ثقيل إلى أدوات للفن، رصّت وتشكلت لتصبح فوانيساً وزينة تعلق على مداخل الحرم الشريف في القدس وتحديداً باب حطة، فتلفت إليها الأنظار لغرابة فكرتها وتستوقف الكثيرين فيتساءلون عن صانعها "مختلف التفكير".

الرازم يشير إلى زينة رمضان المصنوعة من البلاستيك المعاد تدويره

يبتسم الرازم وهو يذكر لمجلة آفاق البيئة والتنمية -التي زارت منزله المطل على قبة الصخرة الذهبية في باب حطة- أحد التعليقات المضحكة المبكية التي نُقلت له: " لا يمكن لصانع تلك الفوانيس البلاستيكية إلا ان يكون "حشاشاً" صنع تلك الأمور وهو في ذروة التعاطي".
قصة الرازم مع الفن كما يلخصها، بدأت حين كان طالباً بالصف الثالث في مدرسة العمرية، حيث شاهده في أحد الأيام أستاذ الرياضيات يرسم على دفتر الحساب رسمة فنية، فقام بسحب الدفتر منه متأملاً ما خطته أصابعه. يكمل الرازم ما جرى: "في تلك اللحظة شعرت بنوبة خوف شديدة من عقاب المعلم... لم تهدأ إلا حين ابتسم الأستاذ قائلاً لي: أنت فنان... سأتحدث عنك لأستاذ الفن".
وفعلاً أوفى أستاذ الرياضيات بما وعد، وعرض الرسمة على أستاذ الفن الذي بدوره أثنى على موهبة الرازم، ووجهه لتعلم الفنون في المكان المتاح آنذاك وهو قسم الشبيبة والمجتمع في المتحف الإسرائيلي، حيث تلقى الرازم دروساً في أصول الرسم والنحت والخزف، لحين أنهى تعليمه الثانوي من مدرسة الرشيدية، واتجه للأردن لتعلم البكالوريوس في معهد الفنون الجميلة. وبعد تخرجه عام 1982، عمل أستاذاً للفن في مركز بيلي للفنون في القدس، ثم انضم إلى سلك التعليم أواسط التسعينيات، حيث يعمل منذ ذلك الحين وحتى اليوم  أستاذاً للتربية الفنية في مدرسة شعفاط الإعدادية للبنات.

الرازم يصنع فانوسا

صفاء الطفولة يصنع الإبداع
الرازم الذي يجلس يومياً في باحة سطح منزله في قلب المدينة العتيقة، يمارس هوايته في تدوير البلاستيك لأغراض الفن، يستحضر العديد من ذكريات الطفولة الغنية بالتجارب بالرغم من بساطتها وشظف العيش، حيث كان يتحايل مع الصبية على دمى السوق المستوردة عبر صناعة السيارات من علب السردين الفارغة وأغطية القناني، بحيث تحرك الأخيرة (العجلات) العلبة المعدنية، كما ابتكروا من الأسلاك مجسمات طائرات وحافلات صغيرة، وفي رمضان كانوا يثقبون العبوات المعدنية الاسطوانية ثم يضعون الشمع فيها، فتنساب خيوط الضوء من الثقوب التي تملأ العلبة، لتشكل مع ظلمة الليل فوانيساً  يجول بها الأطفال أزقة القدس مبتهجين بالشهر الفضيل.
"من خردوات والدي كالأسلاك وأجزاء المحركات والقطع الصغيرة، استطعت صناعة أول لوحة فنية ثلاثية الأبعاد تعبر عن المدينة المحتلة". استذكر الرازم لوحةً من أيام الشباب.

الرازم على سطح منزله

فوانيس غريبة وحديثة
ويعترف الرازم بأن  قصته مع "إعادة التدوير" كانت من خلال ورشة مدرسية قبل عشر سنوات حول "الفن وجودة البيئة"، ظلت فكرتها محصورة داخل الصفوف حيث علم الرازم طالباته ان الفن ليس مكلفاً، بل يمكن الحصول على خاماته من مخلفات المنزل، فكانت الطالبات تتهافتن على إحضار بقايا الاستهلاك المنزلي من مواد صلبة لتصنعن منه بإشراف أستاذهن قطعاً فنية وزينة بيتية. ولكن في رمضان الأخير قرر الرازم تعميم الفكرة للجميع،  فكانت الزينة والفوانيس التي شاهدها زوار الحرم القدسي "غريبة وحديثة" في فكرتها.
في مشغل الرازم على سطح منزله، توجد عشرات الكؤوس البلاستيكية والقناني وعلب الفاكهة الفارغة التي جمعها من قاعات الأفراح ومخلفات الإفطارت الجماعية في رمضان، حيث يصنع منها ثريّات معلقة وفوانيساً وأشكال زينة يضع في منتصفها ضوء إنارة لتشع ليلاً بمختلف الألوان وتعكس روح فوانيس رمضان.
يناقش الرازم دائماً آراء المستغربين من الناس حول أعماله من مخلفات البلاستيك، بأنها عمل فني سريالي في حداثة فكرته يقلّل الضرر على البيئة، لافتاً إلى تساؤل البعض حول شرائه البلاستيك من السوق أو جمعه المستعمل منه؟ فيجيبهم: "ان فعلت الخيار الأول، فما الفائدة البيئية مما أصنع".

فانوس كبير صنع من علب الفاكهة

تعميم الفكرة لمصلحة البيئة
ومع أن الفانوس من مخلفات البلاستيك هو ابتكار حصري للرازم، قد جذب بسببه العديد من المهتمين والإعلاميين، إلا انه يتمنى تعميمه للجميع من خلال تعليق الزينة نفسها أو عبر الورشات في المراكز المجتمعية الموجودة  في القدس واستهداف فئة الأطفال والشباب. " لا أريد حقوق ملكية أو اعترافا بما صنعت، أريد فقط تعميم الفكرة وتقليل الضرر على البيئة".
يتمنى الرازم نشر ثقافة إعادة التدوير للجميع وتحديداً بين ربات البيوت، فالمرأة فنانة بالفطرة، وعليها البحث عن مكامن الفن لديها، فتضيف لمساتها على بيتها فتتحول من مستهلكة إلى مبدعة.

فوانيس جميلة صنعها الرازم تنير ظلمة الليل في البلدة القديمة بالقدس المحتلة

منزلي هو مرآتي
في غرفة الضيافة في بيت الرازم، توجد لوحات فنية وخزفية من صنعه، بالإضافة إلى مقتنيات قديمة حيث يحتفظ بما ورثه عن آبائه كراديو قديم ومدفأة معدنية وفانوس حديدي. كما يهوى زراعة نبات الصبر المنتشر في أصص عدة على حواف السطح، حيث يرى فيه تشابهاً مع صفات الإنسان الناجح والصبور، ويصف منزله قائلاً :"إنه بالنسبة لي معرض فني أضخ فيه إحساسي".
يقول الرازم وهو يشير إلى منضدة خشبية صنعها من ألواح الخضار ولونها باللون التركوازي الجميل:" بإمكاني ان اشتري واحدة من صنع الصين واضعها في بيتي وانتهى الأمر، ولكن هل ستكون بالنسبة لي جميلة كالتي صنعتها ووضعت فيها تعبي وإحساسي؟... الجواب طبعاً لا".
كما يهوى كل أنواع الفنون على تنوعها فيعزف العود والإيقاعات ببراعة، كما تتميز عائلته "الممتدة" بفرقتها للزفات الشعبية والأعراس التي تحمل اسم العائلة، وفرقة  بيت المقدس للإنشاد الديني.

لوحة فنية معدنية على جدار منزل الرازم

يؤكد الرازم أن زينته البلاستيكية قادرة على احتلال أسقف اكبر الصالات في الوطن، وعلى المدى القريب فينوي تدريب مجموعة من الأطفال على فكرة الفن وجودة البيئة تمهيداً لعمل معارض فنية، أما حلمه الأكبر فهو بناء حديقة بلاستيكية  من المخلفات تتضمن كل منتجات البلاستيك وعجلات السيارات، بحيث تستقبل الزوار وتنشر ثقافة إعادة التدوير.

منضدة خشبية صنعها الرازم من ألواح الخضار ولونها باللون التركوازي
 
فانوس من بلاستيك أعيد تدويره في باب حطة
 
التعليقات

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية