l "فلسفة" الكذب التجاري وغش المستهلك
 
 
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
أيلول 2011 العدد-38
 

"فلسفة" الكذب التجاري وغش المستهلك
قراءة في المدرسة التي تبرر تحويل أجسامنا إلى مكبات للأوساخ الكيماوية
الزراعة االعضوية المتداخلة والمتنوعة هي المقدمة الضرورية لاقتصاد المقاومة والسيادة على الغذاء

جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية

لا يبذل العديد من الناس أي جهد إضافي للحصول على خضار وفاكهة نظيفة وغير معالجة أو مرشوشة بالمبيدات الكيماوية؛ فيواصلون ممارسة العادة الاستهلاكية الشائعة المتمثلة بشراء المنتجات الزراعية الملوثة بالكيماويات المؤذية لأجسامنا، علما بأن المستفيد الفعلي الوحيد من هذه المنتجات هم المتربحون الفلسطينيون وتجار المبيدات ووكلاء الشركات وبعض المنتفعين من عملهم المأجور ومتلقي العمولات الذين تتطلب مصلحتهم الشخصية مواصلة الترويج للأوساخ الكيماوية التي يصرون، وبعجرفة غبية غير مفهومة، على إطعامنا إياها.  ولا يكتفي الأخيرون بذلك، بل يعمدون إلى التشكيك بالزراعات البلدية أو العضوية النظيفة.  وفي المقابل، نجد أن الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ومعظم الدول الغربية قد أدركوا بأن الزراعة العضوية تشكل مصلحة وطنية وعالمية.  لذا؛ فهم يعكفون، منذ زمن، على حظر استعمال معظم المبيدات الكيماوية والتقليل إلى الحد الأدنى من استعمال ما تبقى من مبيدات سامة وخطرة لا تزال تباع في الأسواق المحلية، بالرغم من ضررها الواضح على صحة الإنسان والبيئة.  كما تمنع العديد من الدول الغربية استخدام السماد الكيماوي الملوث للمياه الجوفية والمدمر للتربة الآخذة بالتآكل، فضلا عن دورها في زيادة انبعاث غازات الدفيئة.
لذا؛ تعمد العديد من الدول الغربية إلى تشجيع الزراعات العضوية ودعمها بسخاء.  ويتركز الدعم الأساسي في المرحلة الأصعب المتمثلة في عمل المزارع على الانتقال من الزراعة الكيماوية إلى الزراعة العضوية؛ حيث يفترض بالأخير أن يتعلم طرق عمل وتقنيات جديدة وأن يدفع للفحوصات المخبرية وللشركة المشرفة على زراعته.  ورغم تحوله إلى الزراعة العضوية، يواصل المزارع، في المرحلة الأولى الممتدة حتى تتطهر التربة من السموم الكيماوية- يواصل تسويق إنتاجه بأسعار عادية.  وكي يجتاز هذه المرحلة الصعبة، يحتاج المزارع إلى مساندة يحصل عليها بسهولة في معظم الدول الغربية؛ بينما في الضفة الغربية لا يلقى المزارع من العديد من الجهات، وبخاصة الرسمية منها، سوى التشكيك والثرثرة التي لا رصيد لها على الأرض، وفي أحسن الأحوال قد نسمع التصريحات والكلمات الجميلة حول أهمية الزراعة الصديقة للبيئة.
وللتدليل على المحفزات التي يتلقاها المزارعون العضويون في مختلف أنحاء العالم، نذكر على سبيل المثال لا الحصر بأن وزارة الزراعة الأميركية  تمول المزارعين لغاية 75% من تكلفة الرقابة على الزراعة العضوية.  وفي بلجيكا يحصل المزارعون على دعم حكومي يصل حتى 40% من تكلفة عملية التحول إلى الزراعة العضوية.  وتمنح فرنسا تسعين دولارا للدونم سنويا لصاحب كرم الزيتون العادي الذي يعمل على التحول إلى الزراعة العضوية، وذلك لمدة ثلاث سنوات.  أما هولندا فتمنح منتج الخضار الذي يمر في مرحلة انتقالية نحو التحول إلى الزراعة العضوية 810 دولار سنويا للدونم الواحد، بينما يحصل أصحاب البساتين العضوية على 1300 دولار، شريطة أن يوقعوا على تعهد بالزراعة العضوية لمدة خمس سنوات على الأقل.  كما أن الدعم الخاص للزراعة العضوية في تشيكوسلوفاكيا منصوص عليه في القانون منذ عام 1999.
وحاليا، لم تعد الزراعة العضوية ظاهرة مميزة للدول المتقدمة، بل إنها تمارس لأغراض تجارية في نحو 120 دولة وبمساحة نحو 350 مليون دونم من الأراضي المزروعة بالمحاصيل والمراعي المعترف بها رسميا باعتبارها زراعات عضوية.  وتمثل هذه الزراعة أكثر من 1% من إجمالي الأراضي الزراعية في العالم، وأكثر من 5% من الأراضي الزراعية في الاتحاد الأوروبي.  يضاف إلى ذلك أكثر من 620 مليون دونم من الأراضي البرية المعترف بها لجني المحاصيل بطرق عضوية؛ مثل الخيزران والتوت البري والمشروم (الفطر) بأصنافه البرية المختلفة والجوز.  وفي عام 2006، قدرت القيمة السوقية العالمية للمحاصيل العضوية بأكثر من أربعين مليار دولار أميركي.  أما القيمة السوقية في الدول المتقدمة فقدرت بأكثر من 2% من إجمالي مبيعات التجزئة (المفرَّق) الغذائية في تلك الدول(FAO. Organic Agriculture and Food Security, Italy, 2007 ).
وبالرغم من صعوبة التقدير الكمي لأنظمة الزراعة العضوية غير المعترف بها رسميا في العديد من المناطق في العالم، مثل أنماط الزراعة المحلية التقليدية المتوارثة والتي تنسجم، عمدا أو بالفطرة المتوارثة، مع مبادئ الزراعة العضوية؛ إلا أن بضع ملايين من المزارعين الصغار الذين يزاولونها يمثلون مساهمة محترمة لا يستهان بها تضاف إلى الزراعات العضوية المسجلة رسميا، وبخاصة في الزراعات الأساسية بالدول النامية (المصدر السابق).   
وخلافا لادعاء البعض بأن إنتاجية الزراعات العضوية أقل من الزراعات الكيماوية التي تتطلب مدخلات خارجية مرتفعة؛ أثبتت الوقائع العالمية بأن العكس هو الصحيح.  إذ أن المناطق التي ظروف الإنتاج فيها متوسطة واستعمال المدخلات الخارجية فيها معتدل، تصل قيمة إنتاجيتها من الزراعات العضوية، بالمقارنة مع الزراعات الكيماوية، إلى 92%.  بل وفي أنماط الزراعات التي تلبي الاحتياجات المعيشية الأساسية، فإن إنتاجية المحاصيل تزداد كثيرا لتصل إلى 180%.  وفي حال أصبحت الزراعات العضوية هي المهيمنة عالميا، فإن المعدل العالمي لإجمالي المحاصيل العضوية في العالم يقدر بأن يصل إلى 132% أكثر من مستويات الإنتاج الغذائي الحالي (المصدر السابق). 

حديقة عضوية تمتاز بالتربة الخصبة والتنوع النباتي وتدوير المخلفات الزراعية إلى سماد طبيعي

خزعبلات
في اليوم الأول أو الثاني لمشكلة التسمم التي أثارت ضجة كبيرة في ألمانيا وسائر الدول الأوروبية في حزيران الماضي، سارعت بعض الجهات التجارية والرسمية الأوروبية إلى الادعاء بأن سبب التسمم بالجرثومة المعروفة بـِ E. Coli هو الخيار العضوي!  ويدخل هذا الادعاء الذي ثبت لاحقا بطلانه المطلق، في سياق الخزعبلات التي تقول بأن في الزراعات العضوية يكمن خطر جرثومي ينتظر اللحظة المناسبة كي ينفجر.  ومنذ مشكلة التسمم، بات الجميع يدرك بأن سببها ليست اسبانيا، أو المحاصيل العضوية أو الخيار. 
ومع ذلك، استغلت شركات الكيماويات الزراعية ووكلاؤها والمرتبطون مصلحيا بهم هذه الأجواء الكاذبة، وادعوا بأن "الجراثيم الخطرة يمكنها أن تنمو في الزراعات العضوية، لأن الأخيرة لا تستخدم المبيدات الكيماوية"!.  لقد تناسى أولئك بأن المبيدات الكيماوية تهدف أساسا إلى مكافحة الحشرات والفطريات والبكتيريا التي تصيب النباتات، ولا يوجد لها أي علاقة أو تأثير بمسببات الأمراض مثل E. Coli التي تصيب الإنسان والحيوان تحديدا.  لذا، لا علاقة لهذه المبيدات إطلاقا بقدرة هذه الجراثيم على النمو في الخضار.
كما ادعت ذات الأوساط بأن "سبب التسمم الذي حصل في أوروبا هو الري بالمياه العادمة التي تستعمل في الزراعات العضوية فقط"!  وهنا نجد كذبة أخرى؛ إذ أن الزراعات العضوية والزراعات الكيماوية تستعمل ذات المياه تماما.  كما أن الري بمياه المجاري محظور في كلا الزراعات العضوية والكيماوية في جميع أنحاء العالم؛ وإذا ما وجد مزارع يخالف هذا الحظر فهو يعد منتهكا للقانون، دون أية علاقة لنوع الزراعة التي يعمل بها.        
ولم يتوان تجار السموم الزراعية الكيماوية عن الادعاء بأن "الزراعات العضوية تستخدم الكمبوست الذي قد يحوي جراثيم خطيرة"!  الكذب واضح هنا أيضا.  إذ أن كلا نمطي الزراعات تستعمل الكمبوست.  وإذا ما وجد اختلاف فهو لصالح الزراعة العضوية.  إذ يسمح في الزراعة الكيماوية التسميد بواسطة الحمأة المعالجة (الحمأة عبارة عن النفايات الصلبة الناجمة عن معالجة مياه المجاري)، علما بأن هناك احتمال كبير بأن تحوي الحمأة المعالجة متبقيات جراثيم الأمراض وبيوض الديدان المعوية الضارة.  وتبين الأدبيات بعض حالات التسمم الناتجة من استعمال الحمأة المعالجة.  وفي جميع الأحوال، يمنع في الزراعة العضوية استخدام الحمأة لأغراض التسميد.  ومن المعروف أن الكمبوست يتم إنتاجه أساسا من الروث الحيواني، فضلا عن المخلفات النباتية.  وقد تتواصل عملية التخمير أكثر من ثلاثة أشهر؛ وخلال شهر واحد من هذه الفترة ترتفع درجة حرارة الكمبوست إلى ما لا يقل عن 55 درجة؛ الأمر الذي لا يترك مجالا للبكتيريا بأن تبقى على قيد الحياة.

مبيدات فسفورية عضوية محظورة لا تزال شائعة الاستخدام في الزراعة الفلسطينية

انحراف كبير عن إنتاج الغذاء المتنوع النظيف
ينطبق العديد من مفاهيم الزراعة العضوية، في جوهرها، إلى حد كبير، على العديد من تقاليد وممارسات وتجارب الزراعات الفلسطينية البلدية البعلية والموسمية التي تميزت تقليديا بالتداخل والتنوع.  وبالتالي فإن جزءاً كبيرا من هذه المفاهيم، لا يشكل "نبتة غريبة وطائشة" أو "متهورة" لا يمكن لمزارعينا التعامل معها، كما يدعي بعض أنصار الزراعات الكيماوية الفلسطينيين "الملكيين أكثر من الملك".  بل إن هذه المفاهيم شكلت ولا تزال في بعض الحالات تشكل مكونا أساسيا من الزراعات الفلسطينية البعلية والبلدية الموسمية.  وربما ما يربك البعض هو التسمية الحديثة (زراعة عضوية) التي يمكننا اعتبارها إغناء وتطويرا للزراعة البلدية.  وما يعتبره البعض "معيقات" تحول دون تطبيق الزراعة العضوية، فإنها في الواقع نشأت، تحديدا، بسبب الزراعات الكيماوية المكثفة في مناطق مثل جنين وطولكرم والأغوار وقطاع غزة، وليس لأن هذه المعيقات كانت موجودة في أراضينا الزراعية بشكل طبيعي ومنذ الأزل.  وعلى سبيل المثال، من ضمن "المعيقات" التي يدعيها البعض أن "ترب بلادنا شديدة الفقر بالعناصر الغذائية وذات محتوى جد متدن من المواد العضوية".  الغريب أن هذا الادعاء يتجاهل تماما بأن أحد الأسباب الهامة لظاهرة فقر الترب وجفافها وتصحرها، يكمن تحديدا في استعمال الأسمدة الكيماوية، علما بأن المخصبات الكيماوية زادت الطين بلة؛ إذ إنها زادت الأذى الذي لحق بالتربة بسبب العوامل المناخية وفاقم تدهورها.  ذلك أن الأسمدة الكيماوية تعمل على قتل ما تبقى من كائنات حية موجودة في التربة المتصحرة، والتي، أي تلك الكائنات تعد مكونا أساسيا من مكونات التربة وضرورية جدا لتحليل المادة العضوية فيها.  وفي المحصلة،  ازدادت عملية استنزاف المادة العضوية في التربة، وبالتالي تراجعت قدرتها على امتصاص الماء، بسبب القضاء على المادة العضوية فيها، وبالتالي القضاء على ما تبقى من خصوبتها.  والنتيجة الحتمية هي أن التربة أصبحت عالية الحساسية للأمراض وبالتالي غير صالحة للزراعة.  لذا فإن المخصبات والأسمدة الكيماوية لا تعد جزءا من الحل للجفاف والتصحر، بل هي جزء من المشكلة.  والحل البيئي يكمن في توزيع الأسمدة العضوية على المزارعين، حيث إنها تمد التربة الفقيرة غذائيا والجافة بالمادة العضوية وبالكائنات الدقيقة التي تفتقر إليها بسبب حالة الجفاف والتصحر التي تعاني منها، وفي المحصلة ستتحسن خواص التربة وخصوبتها.
لقد كانت مقومات الزراعة العضوية، جوهريا، ولا تزال إلى حد ما في بعض المناطق، موجودة ومميزة لأراضينا الزراعية.  فالتربة الغنية بالعناصر الغذائية والمواد العضوية، والغطاء النباتي الواقي، وتربية الحيوانات والدواجن، والدورة الزراعية، والتسميد الطبيعي (لبلدي) المتوازن، والزراعة المتداخلة والمترافقة، واستخدام بعض المستخلصات الطبيعية لمكافحة الآفات، كانت تعد من الظواهر والممارسات والتقاليد الزراعية الفلسطينية تاريخيا وحديثا.  إلا أنه، ومنذ احتلال عام 1967، حدث في المجتمع الفلسطيني بالضفة والقطاع، انحراف كبير عن إنتاج الغذاء المتنوع والمكتفي ذاتيا في الريف الفلسطيني، إلى التبعية الاقتصادية والغذائية للدولة اليهودية.  لقد كانت معظم الأسر الريفية، ما قبل الاحتلال، تمتلك أرضا خصبة غنية بالخضروات ومشجرة بالأشجار المثمرة والزيتون، فضلا عن بعض الدواجن والأغنام أو الماشية.  وتميزت أنماط الإنتاج الزراعي، آنذاك، بالتنوع الكبير والتداخل الذي عنى إقامة علاقات مفيدة بين مكونات وحدة الإنتاج الزراعي والتقليل إلى الحد الأدنى من المدخلات الخارجية والمخلفات الضائعة دون استعمال، حيث استخدمت بقايا المحاصيل لتغذية الحيوانات، واستعمل أهل الريف روث الحيوانات لتسميد حقولهم، وعملوا على تحضير الزبل العربي أو ما يعرف حديثا بالدبال (الكمبوست) من خليط الروث والمخلفات العضوية الأخرى.  كما أتاح العديد من المزارعين للرعاة بأن يرعوا ماشيتهم في الحقول التي تم حصادها، وبالتالي تسميدها.  وشاعت أيضا ممارسة تعاقب المحاصيل (الدورة الزراعية) وتداخلها التكافلي في ذات قطعة الأرض، وبخاصة تلك المحيطة مباشرة بالمنزل.  فضلا عن امتداد التنوع الزراعي ليشمل المناخات المحلية وأصناف التربة والمحاصيل المختلفة في إطار مترابط وتكاملي، الأمر الذي قلل كثيرا من احتمالات الخسارة، ووفر للمزارعين دخلا وأمنا غذائيا مضمونين.
وفيما عدا بعض المناطق، كالأغوار، تميزت الزراعة الفلسطينية بكونها بعلية وقليلة المدخلات الخارجية، ووفرت اكتفاء غذائيا ذاتيا للأسر الريفية، بل وأنتجت بعض الفائض للتصدير (كالقمح مثلا).  كما أن المَزارع لم تنتج تلوثا، لأن كل أو معظم مخلفات ومخرجات المزرعة كان يعاد تدويرها في نطاق المزرعة نفسها.
والحقيقة أن الزراعة البعلية لدى العديد من مزارعينا في بعض قرى نابلس وسلفيت ورام الله، لا تزال، جزئيا، تنسجم مع اتباع النمط الزراعي الطبيعي (التقليدي) الذي يعني بأن تبعية أولئك المزارعين لمدخلات الإنتاج الخارجية والتكنولوجيا الزراعية "الحديثة"، من ناحية الصيانة وقطع الغيار والكيماويات وغير ذلك، ليست كبيرة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن المزارعين الذين لا يزالون يتبعون النمط الزراعي التقليدي والطبيعي لم ينزلقوا إلى استخدام الكيماويات المكثفة في الزراعة.  كما أن تدوير أو إعادة استخدام المخلفات الزراعية وروث الحيوانات كسماد طبيعي للتربة أو كوقود للطوابين لا يزال يشكل ممارسة شائعة لدى أولئك المزارعين وغيرهم.
وعلى ضوء ما ورد، أين نصنف الممارسات والتقاليد الزراعية الطبيعية والبيئية السابقة؟  من الواضح أننا نتحدث عن زراعات طبيعية أو بيئية أو بيولوجية أو عضوية أو سمها ما شئت.  وفي كل الأحوال، لا نتحدث هنا عن اختراع من اختراعات الغرب الاستعماري، أو، كما يدعي البعض، عن "حلم طوباوي...ووهم ينضم إلى مجموعة كبيرة من الأوهام التي تسوقها لنا أل NGOs الفلسطينية"!
لقد تضافرت بضعة عوامل، في ذات الوقت، على تهشيم الممارسات الزراعية التقليدية والغنية السابقة، وتمثلت هذه العوامل أساسا في الاحتلال وما تلاه من مصادرات واسعة للأراضي ونهب لمصادر المياه، والتحول نحو العمل المأجور الرخيص في سوق العمل الإسرائيلي، والانزلاق باتجاه الزراعات الأحادية المكثفة وذات المدخلات الخارجية الكبيرة.
كما تآكلت، لدى الأجيال الفلسطينية الشابة، المعارف الخاصة بالممارسات الزراعية التقليدية.  وفي ذات الوقت، تسببت الزراعات الكيماوية الأحادية والمدخلات الخارجية المرتفعة (وبخاصة في المناطق المروية) وأصناف البذور الغريبة (المهجنة) التي حلت مكان البذور البلدية، في تآكل التنوع والتداخل اللذين سادا أنماط الإنتاج السابقة، وبالتالي اختلت ميكانيزمات السيطرة البيولوجية والإيكولوجية الطبيعية على الآقات، الأمر الذي أدى إلى هجوم آفات زراعية جديدة وكثيرة لم نعرفها قبل سنوات قليلة خلت، وتفاقم استخدام الكيماويات الزراعية وتلاشت تقريبا طرق تخصيب التربة التقليدية الناجحة.
إن احترامنا للمعارف المحلية والتقليدية، يشعر المزارعين بالاعتزاز بالنفس ويجعلهم أنداد للعاملين في المجالين الإرشادي والبحثي.  ويجب عدم تقزيم حقيقة أن العديد من المزارعين الفلسطينيين، وبخاصة المجربين والقدامى منهم، يمتلكون معارف وخبرات وممارسات زراعية غنية، نشأت وتطورت محليا، وغُرِسَت بعمق في السياق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي المحلي.  وبخلاف المعارف "العلمية" و"الأكاديمية" التي تعد غالبا معارف مجردة، فإن معارف العديد من المزارعين تعد محسوسة وملموسة وتعتمد بشكل أساسي على حدس الأخيرين وخبراتهم التاريخية ومشاهداتهم الحسية.
وتكمن المشكلة لدى العديد من "خبرائنا" و"مهندسينا" الزراعيين، في تأثرهم الشديد بالمناهج التعليمية والكتب الجامعية الغربية التي درستهم الزراعة على قاعدة "اقتصاد السوق"، والمدخلات الخارجية الكبيرة (من كيماويات وبذور مهجنة ومياه ري وغيرها)، والتي (أي المناهج والكتب) طُوِّرَت أصلا لتتلاءم غالبا مع مناخات وأنماط زراعية مختلفة عن مناطقنا ولا علاقة لها بالحاجات الحقيقية لمزارعينا.  وإجمالا، هناك غياب في التوجه نحو استخدام الموارد والإمكانيات المحلية وتغييب للممارسات والتجارب والمعارف الزراعية المحلية التي اكتسبها وطورها مزارعونا القدامى، فضلا عن عدم الاهتمام بالمحاصيل والبذور البلدية.  إن تطوير العملية الزراعية استنادا إلى الموارد والإمكانيات والممارسات والتجارب والمعارف الزراعية المحلية، يعد لب مفهوم الزراعة العضوية.  واعتبار الزراعة العضوية بأنها "زراعة التقنيات العالية" كما كتب بعضهم، يعد مغالطة علمية، لأن تمام العكس هو الصحيح.  حيث أن الزراعة المستندة إلى الكيماويات تحديدا، هي التي تعد ذات كثافة رأسمالية مرتفعة.  بينما تقنيات واستراتيجيات المكافحة غير الكيماوية للآفات والأمراض الزراعية، تحتاج إلى المعرفة الواسعة والعمالة والمهارة والخبرة البشرية، أكثر من حاجتها إلى الرأسمال والتقنيات العالية، بمعنى أنها كثيفة المعرفة والعمل.

مبيدات فسفورية عضوية

أجسامنا مكب للأوساخ الكيماوية
يعمد بعض المسؤولين والعاملين الرسميين في الحقل الزراعي، وعن سبق عمد وإصرار، إلى الترويج لاستعمال المبيدات الكيماوية الممرضة والقاتلة للإنسان والبيئة وتبرير استخدامها.  وعلى سبيل المثال لا الحصر، يبرر بعضهم استعمال غاز "مثيل بروميد" لتعقيم التربة، بالرغم من منع تداوله في معظم دول العالم، وذلك بادعاء أنه يسيطر بفعالية على أمراض التربة.  وهذا الادعاء، على أي حال، تُكَذِّبُه الشواهد العملية.  إذ أن "الفعالية" التي يتحدثون عنها، لا تعدو كونها "فعالية" على المدى القصير، لأن استعمال الغازات الكيماوية في تعقيم التربة، يؤدي على المدى الطويل، إلى هبوط واضح في إنتاجية التربة؛ ذلك أن هذه الغازات، كما الأسمدة الكيماوية، تقتل الكائنات الحية والجزيئات الحيوية النافعة للتربة والضرورية لتخصيبها وتحليل المواد العضوية فيها، وبالتالي تؤدي الكيماويات إلى تراجع كبير في جودة التربة.  وإلاّ، لماذا أصبح العديد من الأراضي في مناطق أريحا وقلقيلية وغيرها عقيمة وغير صالحة للزراعة، مما يرغم المزارعين باستمرار على تغيير أماكن الدفيئات البلاستيكية؟  كما أن الاستخدام المكثف للمبيدات الكيماوية إجمالا، يتسبب، على المدى الطويل، في خسائر بالمحصول.  ولهذه الظاهرة علاقة بما يعرف "دوامة الآفات"، حيث تتزايد الآفات مع تزايد استخدام المبيدات، بسبب قتل الأخيرة للأعداء الطبيعية الذين يتحكمون بالآفات ويتركونها تحت سيطرتهم.  بمعنى أن استعمال المبيدات الكيماوية لمكافحة الآفات والحشرات التي تنافسنا على الغذاء والشراب، يعد، بكل المقاييس، حربا كيماوية خاسرة، نظرا لكون الحشرات سريعة التكيف.
ثم كيف يجرؤ بعضهم على تبرير استعمال "مثيل بروميد" والترويج له، علما بأن استخدامه محظور في معظم دول العالم!.  ولا تكمن خطورة هذا الغاز في أن قدرته على تدمير الأوزون تفوق بأكثر من خمسين مرة قدرة الكلور المنبعث من مركبات "الكلوروفلوروكربون" المدمرة لطبقة الأوزون، بل في أنه يتلف الجهاز العصبي المركزي وجهاز التنفس، فضلا عن تسببه بعمليات مؤذية وخطيرة للدماغ والأعصاب والرئتين والعينين والحلق والجلد، وفي بعض الحالات القصوى قد يحدث تلفا في الكلى والكبد وعجز جسمي أو عقلي شامل ودائم أو حتى الوفاة.

غش المستهلك
بالرغم من أن العديد من "خبراء" الزراعة الفلسطينيين يتحدثون عن المنتجات العضوية والبلدية باعتبارها نظيفة وخالية من الكيماويات، وقد قطعت بعض الدول الأوروبية شوطا متقدما في إنتاجها، إلا أنهم يستكثرونها علينا، علما أن بإمكاننا إنتاجها استنادا إلى تقاليدنا وتراثنا الزراعي البلدي والطبيعي المتنوع والمتداخل، بمعنى العمل على مراكمة وإغناء وتطوير التجارب والمعارف الزراعية المحلية الحكيمة والغنية.  إن الانتماء إلى مدرسة الزراعة الكيماوية أمر مفهوم وواضح، أما ما هو غير مفهوم الانتماء إلى المدرسة الفكرية التي تبرر تحويل أجسامنا "المتخلفة" إلى مكبات للأوساخ الكيماوية الإسرائيلية والأوروبية والأميريكة، حتى لو كانت تلك الأوساخ مُمْرِضَة ومحظورة في دول الاتحاد الأوروبي وأميركا والدولة اليهودية. 
علاوة على ذلك، يبرر بعضهم، ربما دون قصد، عملية غش المستهلك، وذلك بقوله إن المنتجات العضوية سريعة العطب، نظرا لعدم استعمال الكيماويات.  أي أن أولئك "الخبراء" يشجعون ضمنا إضافة مركبات كيماوية للمنتجات الزراعية، تعمل على إطالة عمرها.  وتتمثل الفلسفة الأساسية الكامنة خلف إضافة المضافات الكيماوية (التي ليس لها أي قيمة غذائية) إلى الخضار والفاكهة وسائر الأطعمة المصنعة، في تحويل المنتجات المتدنية والرخيصة إلى ما يبدو ظاهريا بأنها منتجات طازجة وأغلى ثمنا وأفضل نوعية.  ولمنع تلف الخضار والفاكهة الكيماوية المخزنة في مخازن التجار والمسوقين على مدار العام، وبالتالي تمديد فترة صلاحيتها، يتم رشها بمبيدات فطرية كيماوية، وقد يضاف لها أيضا مضادات الأكسدة ومواد حافظة، للإيحاء بأننا نتناول طعاما طازجا.
وبشكل عام، تعد المنتجات الزراعية والغذائية المصنعة كيماويا فقيرة بمحتواها الغذائي، حيث أن المنتجات الني نشتريها، لا تعدو كونها سوى منتجات مشهية بمظهرها ولكنها تفتقر إلى المغذيات الحقيقية.  ألا يعد كل هذا العمل الزراعي الكيماوي والتجاري غشاً للمستهلك؟  من الواضح أن شركات الكيماويات الزراعية، الإسرائيلية وغيرها، إلى جانب وكلائها المحليين، يهدفون بالدرجة الأولى إلى مراكمة أكبر قدر ممكن من الأرباح، ولو على جثث المواطنين المستهلكين البسطاء.
ومن المعروف، أنه في حالة منع الحكومات الغربية بعض المبيدات في بلدانها، يلجأ منتجو هذه المبيدات إلى تصديرها لدول "الجنوب" الفقيرة.  وكما هو معلوم، تقدر منظمة الصحة العالمية عدد وفيات المزارعين (المسجلة) في العالم، بسبب المبيدات، بمئات الآلاف سنويا، علما أن 99% من هذه الوفيات تحدث في دول "الجنوب" ليس فقط للمزارعين الذين يتعاطون مباشرة مع المبيدات، بل أيضا لأفراد عائلاتهم أو للأفراد الذين يقطنون في المناطق المحيطة أو المجاورة للأراضي التي استخدمت فيها المبيدات، ناهيك عما تسببه المبيدات الكيماوية من تلوث في المياه وتآكل التربة وتوليد مناعة لدى الآفات الحشرية، وتدمير متواصل لحياة وتنوع النباتات والحيوانات.
والسؤال المطروح:  لماذا دأبت المؤسسات المالية الدولية وبعض الدول الأوروبية، ومن قبلهم الدولة اليهودية، على دفع مزارعينا إلى ممارسات زراعية ثبت فشلها في بلدانها، كالزراعة الكيماوية الأحادية المكثفة، وبالتالي تصدير فشلهم إلينا؟  في بلدانهم (أوروبا وأميركا الشمالية) يتحدثون عن الزراعات البيئية والعضوية والبيولوجية والتنويع الزراعي، ويزداد باطراد عدد المزارعين الأوروبيين الذين يمارسون هذه الزراعات، كضرورة صحية ولضمان الاستقرار المعيشي والاقتصادي وكبديل للزراعات الأحادية التي تتطلب تبعية كبيرة للمدخلات من خارج الوحدات الإنتاجية، كالمبيدات والأسمدة الكيماوية والبذور المهجنة والمياه والقروض المالية وغير ذلك، ناهيك عما تسببه الزراعات الصناعية الأحادية من تلويث وإخلال في التوازن البيئي الطبيعي وتدمير لخصوبة التربة وهدر للمياه.

بطاطا مشوهة

اقتصاد إنتاجي متمحور داخليا
التعامل مع مفاهيم الزراعة العضوية في السياق الاقتصادي-السياسي الفلسطيني، لا بد أن يكون مبنيا على تجاربنا ومعارفنا وتقاليدنا الزراعية الطبيعية والبلدية غير الكيماوية، بحيث نراكم على هذه التجارب والمعارف ونطورها ونعممها.
ومن منظور تنموي استراتيجي، يبقى الاستثمار في مشاريع إنتاجية زراعية بيئية ومتحررة من الأوساخ الكيماوية، ومقللة من تبعيتنا للأجنبي، ومعززة لاعتمادنا على الذات، ولو بشكل جزئي، أفضل ألف مرة من التشبث بالطروحات والسياسات الاقتصادية والزراعية التي سادت وطغت قبل انتفاضة الأقصى وثبت إفلاسها، حيث عملت ولا تزال تعمل على تشويه الاقتصاد الفلسطيني وتثبيت وتعميق عملية إلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي.
وقد ثبت أنه في بلد كبلدنا، "متخلف" تنمويا ورازح تحت الاحتلال الاستيطاني وفقير بالموارد الطبيعية، لا مجال ولا مستقبل للحديث عن تنمية اقتصادية زراعية سوى في إطار اقتصاد إنتاجي متمحور داخليا ومتحرر من التبعية للمدخلات الخارجية الإسرائيلية، اقتصاد مقاوم للاحتلال.  وهذا ما نعنيه بالضبط، في السياق الفلسطيني، بالزراعة العضوية (البلدية) المتداخلة والمتنوعة والبيئية التي توفر الاحتياجات الغذائية الأساسية النظيفة للناس، بحيث نتحرر من رحمة الاقتصاد والسوق الإسرائيليين، وبالتالي نحقق السيادة الغذائية للناس، الأمر الذي يعد شكلا أساسيا من أشكال السيادة السياسية.
وخلاصة القول، إن البديل للسياسات والممارسات الاقتصادية-الزراعية المهيمنة حاليا، والتي لا تعمل إلا على تعميق تبعيتنا وانعدام أمننا الغذائي، يتمثل في اتباع استراتيجية إنتاجية تستند إلى مواردنا وتجاربنا وتقاليدنا الإنتاجية المحلية الغنية وتطويرها أولا، وإنتاجنا الغذاء بهدف استهلاكه محليا (وبخاصة مع التزايد السكاني المتواصل) ثانياً، وإعادة التدوير المحلي للرأسمال ثالثاً.  وبالتأكيد، لا يمكن، من خلال الزراعة الكيماوية، أن تتحقق مثل هذه الاستراتيجية الإنتاجية.

التعليقات

إذا كانت النتيجة الأساسية المحتملة لاستخدام المبيدات الكيماوية هي الأمراض، فمن الواضح أن استمرار التصريح باستعمالها يعني أن المستفيدين الوحيدين هم التجار والوكلاء والشركات الإسرائيلية (أي الاحتلال) والذين يصرحون باستعمالها(أي السلطة والحكومة)، وهؤلاء جميعهم هدفهم الوحيد هو تجاري ربحي، وآخر ما يفكرون به هو صحة المواطنين أو البيئة ...

نهى محاجنة

 

تحليل علمي شامل وجدلي يعتمد على المعطيات والوقائع...والأهم أنه يكشف حقيقة نفاق ودجل تجار ومسوقي الكيماويات الزراعية ...

عاطف الصرفندي

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

  مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية