مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
حزيران 2011 العدد-36
 

من سيتحمل مسؤولية الأذى الصحي الذي قد يثبت مستقبلاً حول أبراج الخلوي ؟؟
لتقليل الخطر الإشعاعي: المطلوب إجراء تحقيق في أماكن انتشار هوائيات الخلوي
وشدة الإشعاعات المنبعثة و"توحيد البنى التحتية" للشركات

ما هو الاستعمال الحيوي لتقنية الخلوي وما هو الاستعمال الترفي الذي يمكننا الاستغناء عنه؟ 

الأبراج الخلوية وسط الأحياء السكنية

جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية

كثيرا ما تقدم لنا شركات الخلوي تنزيلات وعروض أسعار مغرية، وتعمل على "دلالنا" تكنولوجياً.  لكن، الحقيقة تقول بأنه كلما زادت تلك المغريات وكلما زاد "تدليل" الشركات لنا، كلما اضطررنا أن ندفع أكثر في مكان آخر، وتحديداً في نقطة التقاطع بين صناعة الخلوي المزدهرة وجودة البيئة وصحتنا.  فلازدهار الخلويات وجهان:  الأول مرئي، والآخر غير مرئي.  الهوائيات وأجهزة البث هي الوجه المرئي.  إذ تنتشر حالياً في الضفة والقطاع آلاف هوائيات الخلوي للشركات العاملة، علما بأن الشركة الوطنية التي دخلت حديثا على الخط؛ وبعد سنين طويلة من تفرد شركة جوال بالسوق، "اضطرت" و"تضطر" حاليا، العمل على نصب مئات أبراج الخلوي الجديدة، كي تغطي جيدا كافة مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني؛ بالإضافة لآلاف أبراج شركة جوال التي نصبت سابقا.  وهذا يعني مزيدا من العشوائية والفوضى والتلوث الإشعاعي؛ وارتفاعا أكبر في أعداد الناس الذين تحولوا أو سيتحولون إلى ضحايا تعيش تحت رحمة الإشعاعات وما تدعيه الشركات من التزامها بالمعايير العالمية والمستويات الإشعاعية المسموح بها.  وذلك، في ظل غياب كامل للرقابة العلمية المهنية والصحية الجدية والموثوق بها على هوائيات الخلوي. 
ومن اللافت، حاليا، وجود تعتيم مريب حول كل ما يتعلق بالإشعاعات المنبعثة من حولنا وتأثيراتها وعواقبها الصحية؛ إذ إننا لا نعرف أين تتواجد جميع الأبراج، كما لا نستطيع الحصول على معلومات كاملة وموثوقة عن الأبراج الجديدة التي تنصب باستمرار هنا وهناك، ولا نعرف أيضا تأثيرات الإشعاعات على صحتنا، وحتى في حال معرفتنا، فلا نستطيع، في الغالب، أن نعارض نصب الأبراج بمحاذاة منازلنا.
كما هناك غياب تام لأي جسم علمي مهني محايد، يدقق في هذه الظاهرة ويفحص مدى التأثير الإشعاعي ومخاطره الصحية - البيئية على الناس.  بل إننا محرومون حاليا من حقنا الأساسي في الحصول على المعلومات والبيانات الحقيقية الكاملة المتعلقة بشدة الإشعاعات المنبعثة من كل برج على حدة، ومستويات التعرض لهذه الإشعاعات المؤثرة على صحتنا جميعا وصحة أطفالنا.  كما لا يوجد حاليا في سلطة جودة البيئة قوة بشرية علمية مؤهلة ومختصة بالتلوث الإشعاعي ومجهزة بأجهزة القياس الحديثة والدقيقة، لمراقبة ومتابعة آلاف الأبراج العاملة في الضفة وغزة، والانبعاثات الإشعاعية الراديوية غير المؤينة الصادرة عنها. 
والأخطر من ذلك، أن القياسات لا تُجْرى من قبل جهة علمية  محايدة لا تربطها أية علاقة اقتصادية أو مصلحية بالشركة، بل تجرى من الشركات ذاتها (بحسب ادعاء الشركات)، مما يثير تناقضا في المصالح، وبالتالي، فالنتائج والقياسات غير علمية وغير موضوعية وغير صادقة.  كما أن أجهزة القياس يجب أن تكون مُعَيَّرَة من مختبرات مؤهلة ومعتمدة لتعيير مثل هذه الأجهزة، حسب المواصفات المخبرية المتبعة عالمياً، وهذا غير متوافر لدينا، وبالتالي، فالقياسات المتوفرة لدى شركاتنا غير موثوق بها.
وحاليا، تستخدم أرواح الناس كحقل تجارب لتلك الشركات، فلماذا يجب أن نبقى بمثابة "فئران" لهم ولتجاربهم، ومن سيتحمل مسؤولية الأذى الصحي الذي قد يثبت مستقبلاً أن الأبراج تسببت به للناس؟؟  علما بأن منظمة الصحة العالمية (WHO ) أعلنت موقفها القائل إن هناك حاجة للمزيد من البحوث قبل الجزم بوجود ضرر، وهذا يعني احتمالية أن يثبت الضرر بعد فترة من الزمن.

"توحيد البنى التحتية" لشركات الخلوي
الحقيقة أننا لا نعرف كل احتمالات تسبب الأبراج بأذى لصحة الناس، وذلك بسبب حجب الشركات لمعظم البيانات المتعلقة بالصحة والسلامة.  وما دام هناك غموض وإخفاء للمعلومات، أفلا يجدر بنا، من باب الحيطة والحذر، أن نقلل ونحد، قدر الإمكان، من انتشار تلك الأبراج وإبعادها عن المناطق السكانية الحساسة؟  فالمطلوب أن تعمل هيئة علمية خارجية محايدة على إعادة فحص أماكن انتشار هذه الأبراج وشدة الإشعاعات الصادرة عنها من قبل جهات علمية خارجية محايدة، ومنع نصبها في المناطق السكنية والمؤسسات الحساسة أو بمحاذاتها (مشافي، مدارس، روضات، جامعات، بيوت المسنين...)، وإعادة نشرها في أماكن بعيدة.  بل، وعلى المدى الأبعد، المطلوب تشغيل الهواتف النقالة عبر الأقمار الصناعية، علما بأن الشركات لن توافق على مثل هذا الحل الفني النظيف بيئياً وصحياً، لأنه مكلف جدا.  
وفي سياق العمل على إعادة تنظيم البنية التحتية الخلوية، لا بد من العمل على "توحيد البنى التحتية" للشركات؛ إذ يعد تنفيذ هذا "التوحيد" مصلحة عامة للجمهور.  ففي المكان الذي يوجد به برج خلوي، يمكن نصب بضع هوائيات عليه للشركات القائمة (أربع أو خمس هوائيات، بدلا من هوائية واحدة).  أو يمكن العمل على التشارك في الهوائيات ذاتها؛ الأمر الذي سيقلل عدد الأماكن المناسبة التي تنصب فيها آلاف الهوائيات.  ولتبسيط الصورة، فلنسأل أنفسنا السؤال التالي:  عندما تتواجد بضع شركات للحافلات أو السيارات العمومية، فهل يتم شق شوارع خاصة منفصلة لكل شركة من الشركات؛ أم أن البنية التحتية للشوارع تكون مشتركة لحافلات جميع الشركات وسائر المركبات الخاصة والعمومية وتخدمها جميعا؟  الجواب واضح.     
وقد يكون أكثر سهولة تنفيذ عملية توحيد البنية التحتية لهوائيات الخلوي خارج المدن؛ حيث لا يهم الناس كثيرا نصب بضع هوائيات على البرج الواحد المقام على قمة تل بعيد عن الحي السكني.  لكن الأمر أكثر تعقيدا في المناطق السكنية التي يفترض منع نصب أبراج الخلوي فيها أصلا.

أسئلة مركبة
يتمثل الوجه غير المرئي "لثورة" الخلويات في الإشعاعات المنبعثة منها.  ومن الناحية الفيزيائية، تعد الأشعة دالة لكمية استعمال الهواتف الخلوية ولنوعية الاستعمال.  فلو بقي حجم الاستعمال الحالي كما هو، وتَوَزَّع على الشركات الموجودة أو التي قد تتواجد مستقبلا؛ فإن محصلة مجموع الأشعة المنبعثة من الهوائيات يبقى كما هو.  إلا أن واقع المنافسة الحالية في السوق والذي يؤدي إلى خفض الأسعار؛ يجعلنا نشك كثيرا في حدوث هذا الأمر (أي بقاء مجموع الإشعاعات ثابت).  إذ أن هبوط الأسعار يؤدي إلى ارتفاع مدى استخدام الخلوي وبالتالي ارتفاع كمية الإشعاعات؛ تماما كما أن خفض أو رفع سعر الوقود يؤثران فورا على تلوث الهواء.
من المؤكد أن الارتفاع سيكون أساسا في الاستعمالات المتقدمة للخلوي؛ مثل الكمبترة الخلوية التي هي بالذات تؤدي إلى أن تبذل الهوائيات جهداً أكبر، وبالتالي تتضخم الأشعة المنبعثة منها.     
إذن، ما العمل؟  في المستويين الشخصي والاجتماعي، لابد أن نسأل أنفسنا أسئلة مركبة تتعلق بترتيب الأولويات؛ مثل:  ما هو الاستعمال الحيوي والضروري لتقنية الخلوي، وما هو الاستعمال الكمالي والترفي الذي يمكننا الاستغناء عنه؟  علماً بأن الكثيرين يعتقدون بأن الاقتصاد المعاصر لا يمكنه البقاء والاستمرار دون مكالمات خلوية.  هذا أمر مفهوم.  لكن، ما هي مبررات الارتفاع  الكبير المتوقع مستقبلا في كميات الإشعاع؛ بسبب إنزال الأفلام إلى الخلوي الذكي، أو بسبب لعب أطفالنا بأجهزة الخلوي في المدارس، بهدف التسلية، أو بهدف تخفيف مللهم أثناء الحصص المدرسية؟
لقد علمتنا التجربة بأنه من الصعوبة بمكان وقف ما درج على تسميته "تقدماً"؛ إلا أن التجربة علمتنا أيضا بأنه لدى تجاوزنا خطاً معينا، فيصبح "التقدم" آنذاك تراجعا كبيرا إلى الخلف.     

المسافة بين الخلوي والجسم
تتناسب شدة الأشعة الراديوية غير المؤينة (أو بشكل أدق:  كثافة القدرة) عكسيا مع مربع المسافة.  وبالتعبير الرياضي، لو فرضنا أن المسافة بين الخلوي والجسم هي r ، وكثافة القدرة σ، فإن:

                                                    
بمعنى، كلما تقلصت المسافة بمقدار r ، ازدادت كثافة القدرة بشكل حاد، بمقدار عكس مربع r .  وبالعكس، كلما كبرت المسافة بمقدار r ، هبطت كثافة القدرة بشكل حاد، بمقدار عكس مربع r .
إذن، للحفاظ على مسافة معينة بين الخلوي والجسم أهمية كبيرة في تقليل مقدار كبير من الأشعة الضارة التي يمتصها الجسم.
ويفضل الحديث بواسطة سماعة سلكية، وليس "بلو توث" التي تنقل الأشعة مباشرة إلى الدماغ.  كما يمكننا الحديث بواسطة سماعة لا سلكية بعيدة عن الجسم.  
وفي حال كون الاستقبال في منطقة ما ضعيفاً، فيجب عندئذ الامتناع عن الحديث أو تقليله إلى الحد الأدنى؛ ذلك أن ضعف الاستقبال (ربما بسبب غياب محطة بث خلوي في تلك المنطقة) يعني بأن الجهاز الخلوي سيعمل بجهد أكبر بكثير، وبالتالي سيصدر أشعة أكثر.  وأهم من كل ذلك، أنه يجب منع الأطفال من استعمال الأجهزة الخلوية، أو على الأقل، السماح لهم باستعماله في الحالات الضرورية والملحة، ولفترات قصيرة جدا؛ ذلك أن خلايا الأطفال التي لا تزال في طور النمو، وبخاصة خلايا الدماغ، تعد أكثر حساسية بكثير للأشعة من خلايا الكبار.
كما يجب تجنب وضع الخلوي في جيب السروال، لأن الأبحاث أثبتت بأن أشعة الخلوي قد تتلف الجهاز التناسلي.

أبراج الخلوي تنتشر على أسطح المباني السكنية في كل زاوية وحي وزقاق في رام الله والبيرة

 

التعليقات

كل الاحترام لك يا أستاذ جورج على سعة اضطلاعك ومعرفتك العلمية ومثابرتك على كشف ألاعيب الشركات التجارية التي من أولى أولوياتها ومبررات وجودها الربح ولا شيء غير الربح ...

وهاب ياسر

 

الاستعمالات الترفية للهاتف الخلوي أكثر بكثير من الاستعمالات الحيوية وبالتالي يمكننا تقليص أكثر من نصف الفترة الزمنية اليومية التي نتحدث فيها بالهاتف الخلوي

نائلة حسنى

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية