l نبش النفايات في غزة حصاد حلوه مُر... ومُرّه علقم !!
 
 
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
أيـــــار 2011 العدد-35
 

مردود مالي كبير يجنيه التجار، والنباشون نصيبهم القليل
نبش النفايات في غزة حصاد حلوه مُر... ومُرّه علقم !!

نباش النفايات في غزة

سمر شاهين / غزة
خاص بآفاق البيئة والتنمية

لم تترك الأوساخ مكاناً على جسد الطفل "عبد الله " إلا واستوطنته خلال نبشه للقمامة في مكب نفايات اليرموك، وسط مدينة غزة، بحثا عن البلاستيك، سواء أكان عبارة عن عبوات فارغة، أو أوانٍ وغيرها...، "عبد الله" الذي فقد والده إحدى ساقيه بفعل القذائف الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على غزة، يعمل خلال ساعات الصباح في عملية النبش في مكب اليرموك، ثم ينتقل إلى تجمعات القمامة المتواجدة في الطرقات الرئيسية، قبل أن تتوجه سيارات البلدية لنقلها إلى مكان آخر.
يسرد الطفل عبد الله ابن "11" عاما، قصته مع هذا العمل، والذي بدأ يمارسه منذ سنتين، فمع كل صباح جديد، يتوجه عبد الله قبل الساعة الخامسة فجراً إلى مكب النفايات ويعمل على البحث عن البلاستيك، سيما وان هناك من يقوم بشراء هذه المواد من جموع الأطفال العاملين في عملية النبش، لافتا إلى انه وخلال اليوم، يتمكن من بيع ما قيمته "30" شيكلاً فقط لا غير.
ويشير الصغير "عبد الله" إلى انه وبعد أن ينتهي من مكب النفايات ويبيع ما بحوزته، يتنقل في الشوارع الرئيسية بحثا عن البلاستيك والألمنيوم وكذلك الحديد وما شابه، ويقول أن هذه العملية – أي النبش- قد ازدادت مع اشتداد الحصار على قطاع غزة، ومحاولة أصحاب المصانع إيجاد بدائل تمكنهم من تشغيل مصانعهم ولو بالحد الأدنى.
كما أن المئات من الأطفال وكبار السن ينتشرون في كل صباح على تجمعات القمامة، للبحث عن الأدوات الكهربائية التي ألقى بها أصحابها هناك، إضافةً إلى البحث عن البلاستيك، كما يفتش آخرون على الحديد، بينما يبحث البعض الآخر عن كل شيء فتجد في جعبته الكثير من المواد والمعدات.
وهناك آخرون امتهنوا النبش ولكن بطريقة أخرى، عبر استخدامهم سيارة يعتليها مكبر للصوت بحثا عن النحاس والألمنيوم إضافة إلى الأدوات الكهربائية المستخدمة، والتي يتم شراؤها بثمن بخس حيث لا يزيد عن شواكل عشرة .
ويزداد المشهد وضوحاً الساعة السابعة صباحاً، حيث جموع الأطفال تعتلي تلال القمامة في مكب النفايات، فكلٌ يبحث لكي يملأ "شوالاً" بحوزته قبل مجيء سيارات البلدية ونقل هذه القمامة إلى مكب جحر الديك وسط القطاع، وذلك في ظل غياب خطة لإعادة تدوير النفايات في غزة، حيث ينتج القطاع كميات هائلة من النفايات الصلبة، تصل لنحو 480 ألف طن سنوياً لعدد من السكان يصل إلى 1.6 مليون نسمة.
ويبلغ إنتاج الفرد اليومي من النفايات 1 كغم، وتزداد الكميات بزيادة عدد السكان، ومن المتوقع أن يزداد العدد بحلول عام 2020 إلى 2.2 مليون نسمة، ما يتطلب عاجلاً أم آجلاً إلى إعادة تدوير مخلفات النفايات، بدلاً من تركها تتراكم لتشكل جبالاً لا يمكن إزالتها بعد ذلك.

نباشو النفايات الأطفال في غزة

مشروع البلاستيك
يؤكد مدير عام إدارة الصحة والبيئة في بلدية غزة عبد الرحيم أبو القمبز، أن تدوير النفايات يهدف إلى الاستفادة من عناصر النفايات المختلفة، المادة العضوية، الورق، الكرتون، البلاستيك، الحديد والزجاج.
ويلفت إلى أن بلدية غزة أنهت مؤخراً مشروعاً لتجميع البلاستيك والاستفادة منه، حيث استمر المشروع أربعة شهور، وتم خلاله تجميع طنين يومياً من البلاستيك، حيث بيع الكيلو الواحد بـ" 1.5 " شيقل، والمشروع بحسب – أبو القمبز- عبارة عن تجربة، تم تمويلها من مؤسسة "كوبي" الإيطالية.
ويشير إلى أن بعض الأطراف في القطاع الخاص، كانت تقوم بجمع الحديد ومن ثم بيعه، أما المواد الأخرى، فتسعى البلدية لجلب مشاريع جديدة للاستفادة من مخلفات النفايات، حيث تعمل جاهدةً للحصول على مشروع لإنتاج السماد العضوي (الدبال).
كما تشجع البلدية – وفق أبو القمبز- القطاع الخاص للاستثمار في مجال إعادة تدوير النفايات، خاصةً الأفراد ممن ليس لهم وظيفة، فهناك شريحة من العاطلين عن العمل يمكن أن تعمل في هذا المجال.

نباشون ولكن!!
وينوه أبو القمبز إلى أن هؤلاء يطلق عليهم لقب "النباشون" حيث يقومون بالتقاط البلاستيك والحديد والأوراق وكل ما يصلح لإعادة تدويره، ويمثل هذا العمل مصدر رزق لهم في ظل ظروف البطالة المرتفعة وقلة فرص العمل، مشيراً إلى عدم وجود مسؤول عن هؤلاء النباشين.
ويلفت إلى أن من يعمل في جمع النفايات لإعادة تدويرها، يمكن أن يحقق ربحاً يصل لخمسين شيقلاً في اليوم الواحد، وذلك من جمع البلاستيك فقط، أما الحديد فيقوم النباشون بجمعه وبيعه للشركات أو المتعهدين والمقاولين ويتم كبسه لتصغير حجمه، وبعدها يتم بيعه لـ (إسرائيل) ومصر.
ويؤكد أنه لأهمية العمل في هذا القطاع، تسعى البلدية في المستقبل لتنظيم العمل فيه من خلال عمل مشاريع أو إقامة مصانع لإنتاج المواد الخام من النفايات مثل البلاستيك والدبال، موضحاً أن العمل في هذا القطاع قد يوفر وظائفَ عملٍ لكثير من أفراد المجتمع.
ويعد تجميع النفايات الصلبة والتخلص منها، من المهام والمشاكل الجمة التي تواجه سلطات البلديات على صعيد دول العالم، وبزيادة المساحة وكثافة السكان في كثير من مدن وبلدان العالم، تبرز حجم المشكلة في كيفية تأمين المكان المناسب للتخلص من تلك النفايات الصلبة، وقد لا تستطيع البلديات توفير الخدمات في هذا المجال حسب المواصفات السليمة وذلك بسبب قلة الموارد والإمكانيات، وهو ما تعاني منه مناطق السلطة الفلسطينية، لا سيما في قطاع غزة، وذلك بحسب تأكيدات مختصين في مجال البيئة.

هموم غزة !!
ويوضح منسق برامج التوعية البيئية في سلطة جودة البيئة م. محمد مصلح، أن التخلص من النفايات الصلبة بشكل سليم وآمن يعتبر من أكثر الهموم والمشاكل التي يواجهها قطاع غزة، نظرا للكثافة السكانية وسرعة النمو السكاني وتغير العادات الاستهلاكية وقلة الوعي البيئي.
ويضيف أن الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها قطاع غزة، قد دفعت بالعديد من سكانه للاتجاه إلى صناعة التدوير كمخرج مؤقت للأزمة التي يعيشها، مشيراً إلى أن تدوير النفايات في غزة يتعلق بأكثر من نوع، ومنها تدوير نفايات الهدم والبناء التي ظهرت بعد الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة جراء شح المواد الأساسية للبناء، ويمكن القول أن عملية إعادة استخدام هذا النوع من النفايات، فاقت 90% من أصل نفايات البناء، خاصة أن الأخيرة خلفت حوالي 1.5 مليون طن.
كما يوجد إعادة تدوير للمواد المعدنية، يقول مصلح، ويضيف بأن أغلب مخلفات الحديد التي تقدر بمئات الآلاف من الأطنان، تُجمع وتُرسل إلى أماكن التجميع وتكبس في مكابس خاصة، ويتم تصديرها إلى دولة الاحتلال أو إلى مصر، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالنحاس والألمنيوم.
ويشير مصلح إلى أنه وبعد إعادة تدوير النفايات البلاستيكية التي ترسل لمحطات المعالجة، يتم معالجتها لتحول إلى مواد أولية يستفاد منها بعد ذلك في الصناعات البلاستيكية وتدوير النفايات الورقية، التي تحوّل إلى مواد أولية، ولكن هذا النوع من التدوير، لا يزال في مراحله الأولية لأنه يحتاج لخبرات في هذا المجال، ومعدات غير متوفرة حتى الآن.

غياب الأرقام
ويؤكد مصلح غياب النسب والأرقام الحقيقية عن كميات ونسب المواد المعاد تدويرها في قطاع غزة، لعدم وجود جهة مشرفة واحدة على عمليات التدوير يمكن أن تملك كامل الإحصائيات، ولكن العملية غير مترابطة وكل جهة تعمل في مجالها بمعزل عن الأخرى.
ويشير إلى أن العائد المادي لأصحاب مصانع تدوير النفايات مجدٍ وكبير، خاصةً في حال توفر أيدي عاملة ووسائل نقل وآلات معالجة، بالإضافة إلى كثير من الجهد والمال، ويقول :" إن لتدوير النفايات فوائد كبيرة".
وبين أن من أهم هذه الفوائد، هي المحافظة على البيئة والحد من استنزاف الموارد الطبيعية، والتقليل من نسبة التلوث الناتجة عن حرق النفايات أو طمرها، عدا عن توفير استهلاك الطاقة لأن عمليات الإنتاج تتطلب قدرا كبيرا من الطاقة، كما أن كمية النفايات المتزايدة تشوه المنظر العام وتحتاج لمساحات شاسعة.
ويوضح مصلح أن مشاريع إعادة التدوير تكون ذات قيمة اقتصادية عالية ومربحة، فهي تعتمد على الكم وتوافر المواد الخام، حتى يكون العائد الاقتصادي كافٍ لتغطية مصاريف التشغيل، ويقول: " توجد كميات كبيرة من هذه المواد، بل وأطنان من المخلفات التي لا يُعرف كيفية التصرف بها في قطاع غزة".
والعامل الثاني – بحسب مصلح- هو توفر الأيدي العاملة التي قد تفيض عن الحاجة، لأن هذا العمل لا يحتاج إلى تخصص معين أو مهارة معينة، ولا ينفرد فيه الذكور دون الإناث، فالجميع يمكن أن يشارك فيه.
أما العامل الثالث فهو حساب التكاليف، وقد وجد وفق معظم الأبحاث التي أجريت، أن تكاليف تطبيق تكنولوجيا إعادة التدوير، متباينة فمنها ما يندرج تحت فئة المشاريع العملاقة، مثل إعادة تدوير مكونات الصرف الصحي للمدن، ومنها المتوسطة الحجم، مثل إعادة تدوير المخلفات الجافة والطرية والسائلة، ومنها المشروعات صغيرة الحجم والتي تأتى على مستوى الأفراد، وفى الغالب هي مشروعات محدودة الحجم مثل إعادة  تدوير البلاستيك أو الزجاج، أو مخلفات الطعام والنباتات لإنتاج السماد العضوي.
ويقول إن الأمر المشجع والجيد أن تكنولوجيا إعادة التدوير قد تقدمت خلال الثلاثة عقود الماضية، الأمر الذي أدى إلى تطور وتنوع الأدوات والآلات والبرامج، والتي تشكل أهم العناصر التي تدعم تطبيقات هذه التكنولوجيا، وتجعلها في متناول فئات المشاريع الثلاثة سابقة الذكر.

مخاطر وإصابات
وحول الآثار الصحية على العاملين في جمع النفايات، قال مصلح: "إن جمع النفايات و فرزها في غزة يعتمد بالدرجة الأولى على الاحتكاك المباشر بهذه النفايات، التي قد تسبب مجموعة من المخاطر منها الإصابات والحوادث و الجروح".
وتابع قوله حول إمكانية التسبب ببعض الأمراض، مثل التهاب الكبد الناتج عن الوخز بالإبر، والإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وأمراض العيون والجلد نتيجة انتشار الجراثيم في المنطقة، ولكن "ليس بتلك الخطورة" إذا اتبع جامعو النفايات طرقاً آمنة في عمليات الجمع، وكانوا أكثر حرصاً على سلامة أنفسهم.
وختم مصلح بأن عملية إعادة تدوير البلاستيك، تؤدى إلى التقليل من استهلاك الوقود الذي يعتبر مادة غير قابلة للتدوير، كما يؤدى إلى تقليل التلوث البيئي، بالإضافة إلى أن إعادة تصنيع كل علبة بلاستيك بعد استخدامها، يحافظ على مليارين من الأطنان، بعيداً عن مكب النفايات على مستوى العالم.

 

التعليقات

كل الاحترام والتقدير يا أستاذة سمر.  فقد عودتينا دائما على الكشف النزيه والمهني للزوايا البيئية والإنسانية المعتمة في مجتمعنا والتي يتجاهلها الآخرون ...
باركك الله ..
آدم حلبي

 

ألا توجدجهة رسمية تهتم وترعى النباشين الأطفال وتحميهم من غائلة الانحراف والجريمة؟
محمود البس

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

  مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية