l فصل الشتاء الأخير في القدس-رام الله يعد الأكثر جفافا منذ عام 1998
 
 

كميات الأمطار في المناطق الجبلية بنابلس ورام الله والقدس لم تتجاوز 60% من المعدل السنوي
فصل الشتاء الأخير في القدس-رام الله يعد الأكثر جفافا منذ عام 1998
بسبب شح الأمطار والاستنزاف الإسرائيلي للمياه:  منسوب الحوضين الغربي والساحلي يقترب من الخطوط السوداء
الضخ الإسرائيلي المفرط لمياه الآبار الجوفية يهدد وجودها

المطر في المناطق الفلسطينية الوسطى والجنوبية أصبح عملة نادرة

جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية

مع انتهاء فصل الشتاء لهذا العام، أجرت مجلة آفاق البيئة والتنمية عملية جرد مكثفة لحصيلة الأمطار في فلسطين؛ وتبين بأن المعطيات الأكثر سوءا كانت، تحديدا، في المناطق الوسطى، وبخاصة منطقة القدس–رام الله، بالإضافة إلى المناطق الجنوبية.  ففي الوقت الذي هطلت في المناطق الشمالية كمية أمطار اقتربت من المعدل السنوي، بل تجاوزته في بعض المواقع؛ فإن فصل الشتاء الأخير في القدس-رام الله وجبال المناطق الوسطى يعتبر الأكثر جفافا منذ عام 1998، وبلغت كمية الأمطار فيها حتى 27 آذار الأخير نحو 300 مليمترا، أي أقل من 60% من المعدل الطبيعي حتى هذه الفترة.
وبخلاف منطقة القدس-رام الله والمناطق الجنوبية؛ فقد هطلت في أواخر شباط، بشمال فلسطين، كميات غزيرة من الأمطار؛ لدرجة أن كمية الأمطار في بعض المناطق الشمالية، بلغت، خلال يوم واحد (في 26 شباط الماضي)، أكثر من 45 مليمترا.  وفي ذات اليوم، لم تنهمر قطرة واحدة في المناطق الوسطى والجنوبية.  وقد تكررت هذه الظاهرة طيلة فصل الشتاء الأخير (2010-2011)؛ بمعنى أن فلسطين انشطرت، من الناحية المطرية، إلى شطرين:  المناطق الشمالية التي هطلت فيها كميات مُرْضِيَة من الأمطار وقريبة من المعدل السنوي، والمناطق الوسطى والجنوبية؛ وبخاصة تلك الواقعة جنوب خط طولكرم حيث يعد الوضع المطري فيها سيئا والميزانية المائية متردية.
وخلال الفترة 9-12 آذار الماضي هطلت في شمال فلسطين، وبخاصة في الجليل الأعلى نحو 140 مليمتراً من الأمطار؛ وهي أكبر كمية منذ بدء فصل الشتاء.  أما في المناطق الوسطى والجنوبية فقد هطلت، في ذات الفترة، كميات أقل بكثير.  ففي القدس – رام الله هطل نحو 30 مليمتر (خلال الفترة 9-12 آذار).
وخلال شهر آذار، لم تهطل في المناطق الجنوبية كميات تذكر من الأمطار.  وإجمالا، لا يزال العجز المطري كبيرا في الوسط والجنوب.
ويعد الوضع المطري في منطقة القدس-رام الله خطيرا، علما بأن خبراء المناخ توقعوا بأن يتحسن الوضع في تلك المنطقة خلال شهري كانون ثاني-شباط؛ إلا أن أي تحسن لم يطرأ  في تلك المنطقة، بل طرأ التحسن تحديدا في المناطق الشمالية.  وحتى 27 آذار بلغت كمية الأمطار الإجمالية في منطقة القدس-رام الله نحو 300 مليمترا، علما بأنه في السنوات العادية تصل كمية الأمطار، حتى ذات الفترة، إلى أكثر من 550 مليمترا.  بمعنى أن كمية الأمطار في تلك المنطقة، حتى 27 آذار الأخير، أقل من 60% من المعدل الطبيعي خلال فصل الشتاء حتى أواخر آذار.
وبالرغم من كمية الأمطار المتوسطة التي هطلت في المنطقة الوسطى خلال الفترة 9-12 آذار، وفيما بعد خلال الفترة 21-23 أذار، إلا أن منسوب الحوض الغربي لا يزال متدنيا.   
الجدير بالذكر أن السنة الأخيرة التي سُجِلَت فيها أمطار شحيحة جدا بمنطقة القدس كانت عام 1998، حيث انتهى فصل الشتاء آنذاك في تلك المنطقة بمقدار 250 مليمتراً؛ أي أن فصل الشتاء الأخير في منطقة القدس-رام الله يعتبر الأكثر انحباسا بالأمطار منذ عام 1998.
وحتى 27 آذار الماضي لم تتجاوز كميات الأمطار في المناطق الجبلية بنابلس ورام الله والقدس 60% من المعدل السنوي المعتاد حتى ذات الفترة، و55% من المعدل السنوي الكلي.   

عملية نهب كبرى
وتكتسب كميات الأمطار التي تهطل في المناطق الوسطى أهمية كبيرة باعتبارها تشكل المغذي الأساسي لاحتياطي المياه في فلسطين.  وذلك خلافا للأمطار في المناطق الساحلية الوسطى والجنوبية (بما في ذلك قطاع غزة) والتي يتدفق معظمها إلى البحر؛ أو تضيع سدى في المناطق المبنية بكثافة.  بينما تغذي أمطار جبال القدس والمناطق الوسطى بالضفة الغربية الحوض الجوفي الغربي الذي يحوي أضخم احتياطي من المياه يمكن أن تعتمد عليه أي "دولة فلسطينية مستقبلية".  ولا تسمح إسرائيل للفلسطينيين بحفر أي بئر في الحوض الغربي؛ بل تسمح بالحفر فقط في الحوض الشرقي الذي يمتد من المناطق الجبلية وصولا إلى أريحا، ويحتاج حفر البئر في هذا الحوض إلى 600 – 700 متر، مما يعني تكلفة ضخمة، ناهيك أن جودة المياه في الحوض الشرقي متدنية، بالمقارنة مع تلك التي في الحوض الغربي.   
يضاف إلى ذلك، أن منسوب المياه الجوفية في منطقة الخليل وصل إلى أدنى حد لم يسبق له مثيل، علما بأن المنسوب المنخفض قد يؤدي إلى ارتفاع ملوحة المياه وبالتالي التسبب في تدني خطير لجودتها.
وتمارس إسرائيل عملية نهب كبرى من خلال شبكة طويلة من الآبار حفرت خصيصا على امتداد الحوض الغربي الذي يعد أغنى الأحواض المائية الفلسطينية ويمتد على طول المناطق الوسطى من زمارين (جنوب حيفا) شمالا وحتى بئر السبع جنوبا.  ويغذي هذا الحوض، بشكل أساسي، مياه الأمطار في جبال الضفة الغربية والقدس.  وتمتد الآبار الإسرائيلية على طول حدود الضفة الغربية من منطقة سالم في جنين شمالا وحتى جنوب قلقيلية، ويزيد عددها على 500 بئر.  وتغطي كميات المياه المنهوبة من هذا الحوض ثلث الاستهلاك الإسرائيلي للمياه.  وتعد هذه الآبار جزءا مما يسمى بالنظام القطري الإسرائيلي الذي يصل مختلف الخطوط المائية بعضها ببعض.  وقد تحدد مسار الجدار الكولونيالي على طول هذا الحوض والآبار التي تمتص مياهه، تحديدا.  كما يتم نهب المياه من جبال الضفة الغربية وربطها بنفس الخطوط.  وتضخ مياه طبرية أيضا على هذه الخطوط الرئيسية. 

تراجع متواصل في المياه الجوفية
ومع تواصل انحباس الأمطار وشح المياه وتفاقم الأزمة المائية في فلسطين، تعمل سلطة المياه الإسرائيلية على نهب المزيد من المياه الجوفية في المناطق الجبلية، وبخاصة في الضفة الغربية، فضلا عن منطقة الساحل؛ وذلك بالرغم من أن الوضع المائي في هذه الأماكن سيئ، إذ أن مستويات المياه في مصادر المياه الثلاثة (الجبلية، الساحل وطبريا) تقع تحت الخطوط الحمراء السفلية، وهي قريبة جدا من الخطوط السوداء.  بل إن منسوب المياه الذي تم قياسه في أوائل شباط هذا العام في المناطق المختلفة للحوض الغربي أقل بنحو 10-40 سم بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع في ذات الفترة من عام 2010.  وهذا يعني استمرار الوضع المائي السيئ وتواصل التراجع في المياه الجوفية الفلسطينية بسبب شح الأمطار والاستنزاف الإسرائيلي للآبار الجوفية؛ وذلك إثر سبع سنوات من فصول الشتاء الجافة وانحباس متكرر للأمطار.   
وما يقلق خبراء المياه أيضا هو الوضع المائي للمنطقة الساحلية الجنوبية؛ بما في ذلك منطقة قطاع غزة، حيث تواصل إسرائيل ضخ المياه الجوفية برغم اقتراب منسوبها من الخط الأسود، بل وأحيانا تجاوزه.  ويعتبر الخط الأسود خطا هيدرولوجيا، بمعنى أنه في حال هبوط مستوى المياه إلى ما دون الخط الأسود، فستنشأ عندئذ عمليات بيولوجية تتسبب في تدني جودة المياه، وفي حدوث ضرر غير قابل للإصلاح بمصدر المياه.  وفي حال الوصول إلى الخط الأسود، يجب التوقف عن ضخ المياه.
وتكمن الأزمة في أن الضخ الإسرائيلي المفرط للمياه من الآبار الجوفية يهدد وجودها.  فالضخ الزائد للمياه من الآبار الجوفية الساحلية يؤدي إلى تملحها، بسبب تسرب مياه البحر المالحة.  أما خطورة ضخ المياه من الآبار الجوفية الجبلية إلى ما دون الخط الأسود فتكمن في حدوث ضرر بيولوجي للمياه وتلوثها بشكل غير قابل للإصلاح.  وما يزيد الوضع سوءا هو الشحّ الشديد في المياه الطبيعية المتمثلة في الأمطار.
ويقدر الخبراء أنه في السنوات الثماني عشرة الأخيرة بلغ العجز المائي نحو 200 مليون متر مكعب سنويا، أي أن كمية المياه في كل سنة كانت تهبط بنحو مئتي مليون متر مكعب بالمقارنة مع السنة السابقة.  وتعد ظاهرة الاحتباس الحراري (ارتفاع حرارة الأرض) من أهم أسباب شح الأمطار.  ويقدر العلماء أن الدول الفقيرة في المياه ستعاني تحديدا من الجفاف وستحصل على كميات مياه أقل.  بينما ستعاني الدول الغنية بالمياه من فائض مائي يتمثل في الفيضانات الكبيرة والفجائية. 

الجدار وتخليد السيطرة على الموارد المائية
مع إقامة الجدار الكولونيالي، ضمت إسرائيل المستوطنات الواقعة فوق المناطق الغنية بالمياه إلى غرب الجدار.  وحيث أن هذه المناطق تحديدا تحوي أضخم احتياطي من المياه يمكن أن تعتمد عليه أي "دولة فلسطينية مستقبلية"، فإن سلخ هذه المناطق لصالح إسرائيل، يعني منع الفلسطينيين من تطوير مصادرهم المائية في الحوض الغربي، وبالتالي فإن مثل هذه الدولة ستكون دون مخزون استراتيجي من المياه. 
ومن الملفت للنظر، أن إسرائيل لا تمتلك كميات كبيرة من الموارد المائية في نطاق حدود الأرض المحتلة عام 1948، وإنما تعتمد على مصادر مائية خارج هذه الحدود، وتحديدا في الضفة الغربية وحوض نهر الأردن ولبنان وسوريا.  ويقدر حجم المياه المنهوبة إسرائيليا من مصادر تقع خارج نطاق الأرض المحتلة عام 1948 بنحو 1103 مليون متر مكعب سنويا، منها حوالي 453 مليون متر مكعب من أحواض الضفة الغربية، والباقي، أي نحو 650 مليون متر مكعب، من حوض نهر الأردن.  وتعادل هذه الكميات ما يقارب 57% من مجمل الاستهلاك الإسرائيلي.
وحاليا تنهب إسرائيل نحو 80% (453 مليون متر مكعب سنويا) من المياه الجوفية في الضفة الغربية، لتغطية نحو 25% من استعمالات المياه في إسرائيل، تاركة 20% فقط (118 مليون متر مكعب سنويا) لتلبية جميع الاحتياجات المائية الفلسطينية.  وبالطبع، يحرم الفلسطينيون من حقهم في استخدام ثروتهم المائية المتمثلة في نهر الأردن والتي كانوا يستخدمونها جزئيا قبل حزيران عام 1967.

التعليقات

معطيات مائية مثيرة وخطيرة نشكر موقعكم على كشفها ...
قاسم شعبان

 

أمام هذا الوضع المائي الخطير ماذا عساها سلطة المياه الفلسطينية فاعلة؟  ما هي استراتيجيتها لمواجهة ليس فقط شح الأمطار والجفاف في المناطق الفلسطينية الجنوبية والوسطى بل أيضامواجهة النهب الإسرئيلي للمياه؟
كاظم ديراوي

 

أستطيع أن أطمئنك يا أخ كاظم، بأنه لا يوجد لدى سلطة المياه أي استراتيجية حقيقية لمواجهة شح الأمطار والنهب الإسرائيلي للمياه الفلسطينية لأنها لا تملك أصلا أي سلطة أو سيادة فعلية على مصادر المياه الفلسطينية
عاطف قاووق

 

سواء أكانت عملية النهب الإسرائيلية للمياه كبرى أم صغرى، فإن أسلو هي التي منحت \"الشرعية\" للنهب الإسرائيلي بكافة أشكاله ...
سعيد حلبي

 

الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 

  مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية