تعاني الاستيطان والحفريات والأنفاق
سلوان...من رابية خضراء إلى مكرهة صحية مهددة بالزوال
 |
بؤر استعمارية تحاصر سلوان |
. ر . ع
خاص بآفاق البيئة والتنمية
من روابي خضراء تمتع الناظر وتأخذه تأملاً لفضاءات من الهدوء والسكينة، ومن استراحة وديعة تحت ظل زيتونة تنساب عبرها خيوط من الشمس تتقاطع مع هدير عين سلوان العذبة. كانت سلوان الأمس، لوحة طبيعية آسرة تتكامل مع أيقونة التاريخ والجمال "القدس" أو مملكة السماء التي لطالما أغرت الغزاة والمحتلين. ولكن اليوم ونتيجة لأكثر من أربعين سنة، تشوهت الصورة بشكل دراماتيكي، فسلوان اليوم أسوأ من مخيم، تمزقها البؤر الاستيطانية والحفريات والأنفاق الإسرائيلية. فأضحت كآبةً للناظر وشاهداً على قبح الاحتلال.
د. جمال عمرو المختص في شؤون القدس تحدث عن سلوان التي أضحت "أسوأ من مخيم" على حد تعبيره، فهي مقارنة بالماضي (عودةً للصور التاريخية القديمة) كانت مع القدس تشكلان تحفة معمارية، ولكن مع قدوم الاحتلال عام 67 تحولت البلدة من روابٍ خضراء إلى كتل من البيوت المتراصة بنيتها التحتية متهالكة، كما تكاد تختفي منها المساحات الخضراء إلاّ من داخل البؤر الاستيطانية أو ما ندر من الأماكن، وقال عمرو: " بعد أن كانت سلوان كجزءٍ من القدس مكاناً للتأمل أصبحت مكانا للتألم".
 |
جواد صيام مدير مركز معلومات وادي حلوة |
من خلف أسوار الاستيطان المرفهة...قمة في البؤس
وأشار د.عمرو إلى كون الاحتلال لا يأبه إلا بالجزء الذي يخصه، فترى البؤرة الاستيطانية مسورة بجدار عالٍ، نظيفة ومنظمة ومزدانة بالشجر وعلى مقربة منها النفايات والبؤس، مشيراً إلى أن خدمات المستوطنين منفصلة ومميزة من كهرباء وهاتف ومياه، حتى أنهم يتميزون بأرصفة خاصة بهم، وبالمقابل تمارس العنصرية من قبل البلدية ضد الأحياء العربية، على الرغم من أن المواطن العربي يدفع ضرائباً مثل الإسرائيلي. ويضيف د.عمرو بأن تلك الممارسات العنصرية جلّية وتصب في هدف إسرائيلي أوحد، ألا وهو ترحيل الفلسطيني من القدس وإفراغ المدينة.
 |
سلوان الأمس...لوحة طبيعية آسرة وتحفة معمارية |
وادي الحلوة بعد أن نجا من دمار الماضي...يصمد تحسباً من خطر المستقبل
سلوان اليوم التي يدعي الاحتلال وجود آثار فيها للهيكل، تقع على عدة أنفاق، كما يبلغ عدد البؤر الاستيطانية فيها 55 بؤرة تشمل منازلَ وساحات وعمارات وشقق، تتركز في "وادي حلوة" أعلى سلوان لاعتقادهم بأن نشأة الدولة العبرية اليهودية- قبل ثلاثة آلاف عام -كانت هناك.
مدخل وادي الحلوة المحاذي لسور القدس الجنوبي، مهود بطريقة فجّة حيث تقع مستوطنة "عير دافيد" أو مدينة داوود السياحية والتي أقيمت عام 1995 بعد الاستيلاء على أملاك عربية ومسيحية بهدف دمج شطري المدينة الشرقية والغربية مع بعضهما البعض.
وملاصقاً لها يقع مركز معلومات وادي الحلوة الذي يمثل نقطة صمود ومحطة للمتضامين مع فلسطينيي سلوان. من هناك وفي معرض الحديث عن البيئة في سلوان، أشار كل من أصدقاء المركز، عبد الرحمن صباح ونهاد صيام إلى أن المقيم في سلوان يمكنه تمييز نفايات البؤر الاستيطانية ومخلفات البناء التي تلقى داخل أحياء سلوان، حيث توضع عادةً في المساحات الفارغة القريبة من الأحياء العربية والتي تظل فترة لحين يشتكي أهالي سلوان وتزال بتململ.
 |
سلوان وقد تحولت إلى تجمع بشري فقير ومزدحم أسوا من المخيم الفلسطيني |
من مرشد سياحي ودود إلى مستوطن شرس
من هناك تحدث أيضاً جواد صيام رجل أربعيني، أنهكه تعب الإقامة الجبرية داخل حدود مركز معلومات وادي حلوة الذي يديره لاتهامه بالتحريض ضد المستوطنين. حيث قال: "منذ طفولتي نشأت على دعوات والدي التحذيرية للسكان-كان من مخاتير البلدة- من مطامع اليهود في المنطقة، كما كان من أوائل الذين حذروا عائلة العباسي من علاقتهم مع يهودي "ديفيد بيري" يتعاملون معه بصفته مرشداً سياحياً يجلب لهم وفودا من السياح، وللأسف تحذيرات والدي كانت صحيحة، فقد كان ذلك الرجل نائباً في وحدة المستعربين وناشطاً في جمعية العاد، حيث فاجأهم بعد أربع سنوات حين طرق بيتهم يطلب منهم الرحيل، بصفته حارساً لأملاك الغائبين تاركا لهم جزءاً بسيطاً ليسكنوا فيه".
 |
سلوان وقد تحولت من رواب خضراء إلى كتل اسمنتية متراصة وبنية تحتية متهالكة |
وأكد صيام بأن تأخيراً تقنياً قد حمى منطقة وادي الحلوة من الاندثار المحتم مع عمليات إزالة حارة المغاربة- حي الشرف، إبان نكسة عام 67، مشيراً إلى أن مرور السنوات والزيادة السكانية قد عقّدت المسألة للاحتلال، فبدأوا الاتجاه لطرق أخرى مثل الاستيطان حيث شهدت بداية التسعينيات المد الاستيطاني في سلوان، حين تم الاستيلاء على منزلين قرب حائط المسجد الأقصى الجنوبي، أحدها لعائلة "قراعين" والآخر لعائلة "العباسي"، بدعوى أن المنازل أملاك غائبين وأنه تم شراءها قبل مائة عام، حيث أبرز حينها المستوطنون الأوراق الثبوتية، وحكم المحكمة المؤيد لهم.
وأشار صيام بأن حالة (اللاسلم واللاحرب) بعد أوسلو قد رسخت الاستيطان في القدس، حيث تقوم الحركات الاستيطانية مثل " العاد" وعطيريت كوهنيم وإدارة الحائط الغربي، بتمويل أعمال الحفر التي تلحقها في العادة أعمال الاستيطان، ما يشير إلى ثالوث من العمل المشترك، بين سلطة الآثار والحركات الاستيطانية وبلدية القدس. ووصف صيام سلوان بالمنطقة الساخنة لتفاعلها مع الأحداث الفلسطينية والعربية، وأشار بأنه بعد حدوث تشققات وتصدعات في المباني وانهيار في الشارع في منطقة وادي حلوة أعلى النفق عام 2008، وقرار هدم حي البستان وتهديد سكانه بالطرد، قد دق ناقوس الخطر بضرورة الصمود بشراسة لمقاومة التهويد.
قدس متخمة بالحفريات والأنفاق
وللإحاطة الأوسع بخطر الاستيطان والتهويد في القدس، أشار المؤرخ الفلسطيني نظمي الجعبة، في ورقة القدس بين الاستيطان والحفريات التي نوقشت في (مؤتمر القدس تاريخ المستقبل)، ونشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية عام 2009، إلى تنفيذ مجموعة من الحفريات التي تهدد المعالم المشهدية في البلدة القديمة وهي: حفريات تلة المغاربة، حفريات ساحة البراق، حفريات النفق الغربي، حفريات كنيس اوهيل يتسحاق القريب من المسجد الأقصى، حفريات بيت هتسلام ( بيت شارون) في المنطقة الشمالية من طريق الواد، حفريات برج اللقلق. أما الحفريات خارج الأسوار في الحوض المقدس فذكر حفرية موقف سيارات غفعاتي مقابل السور الجنوبي للقدس، حفريات ارض صيام في وادي حلوة، حفريات عين سلوان، حفريات تلة الضهور( مدينة داوود)، كما تقوم إسرائيل بحفر أنفاق يتم العمل فيها قيد الكتمان، كالنفق الغربي على امتداد الحائط الغربي للحرم الشريف، نفق عين سلوان، نفق وادي الحلوة الرابط بين سلوان والبلدة القديمة.
ويضيف د. الجعبة أن استخدام الحفريات الأثرية ذريعة للتدخل والسيطرة، فبعد الآثار يأتي الاستيطان، المكثف في كل من رأس العامود، سلوان، وادي حلوة، الشيخ جراح وطبعا البلدة القديمة، بالتزامن مع عمليات طرد للفلسطينيين من سلوان وحي البستان والشيخ جراح، وهدمٍ للمنازل في المناطق المستهدفة استيطانياً.
 |
عين سلوان |
صيام: "ماذا ستنفعني البيئة الخضراء إن كان الاحتلال سيستغلها لمصادرة الأرض؟؟"
وعودة لجواد صيام حول الوضع البيئي والاجتماعي في سلوان، فذكر بأنها تعاني من كثافة سكانية عالية، فقر عالٍ، إهمال من بلدية القدس حيث تبلغ نسبة الخدمات المقدمة لها 2% بينما يتم تخصيص 30% من ميزانية (55 ألف فلسطيني) لنظافة قرية داوود، ورفاهية 300 مستوطن، مشيراً إلى أن النفايات تنظف يومياً في المستوطنات، بينما تبقى وتتراكم في الحاويات وبين البيوت الفلسطينية لمدة تزيد عن أربعة أيام.
وعن سلوان المعروفة تاريخياً بأنها أرض خضراء خصبة، أنتهج أهلها الزراعة منذ آلاف السنين، تساءل صيام في معرض الحديث عن البيئة: " ماذا ستصنع لي البيئة إن كان الحقل الجميل حول بيتي سيصادر بحجة أنه غير مستغل أو أرض خضراء، ففي حالتنا "البيت القبيح" سيحمي الأرض ويحافظ على وجودنا في المنطقة التي يريدها الاحتلال فارغة من سكانها بشكل أو بآخر... هذه النظرة أدت إلى التوسع بشكل عشوائي".
 |
وادي حلوة |
وضع بيئي منهار ومحبط
ويذكر صيام قصة أيام تيدي كوليك، -أحد رؤساء بلدية القدس السابقين- حيث كان الأخير إبان ما قبل الانتخابات البلدية يهدي حاويات جديدة وضخمة لاستخدامات الأهالي وبعد أن يفوز بالانتخابات يزيل تلك الحاويات، كما أنه صرح في إحدى المرات حين أتهم بالتحيز لصالح العرب بعد أن انشأ شبكة مجارٍ في سلوان، حيث قال بأنه فعل ذلك حتى لا ينتشر وباء الكوليرا ويؤذي الشعب اليهودي.
وأكد صيام بأن الوضع البيئي منهار ومحبط، وأشار إلى أنه شاهد بأم عينيه المستوطنين يلقون بالفئران المصطادة في فخاخهم بالقرب من البيوت العربية، كما يمكن مشاهدة مخلفات الحفريات الملقاة على مقربة بيت قراعين ( تعذر تصوير المكان) وعادة هذه المخلفات توضع في مكبات خصوصية إلا في دولة الاحتلال المكبات مجانية على أراضي الفلسطينية.
سلوان ما هي إلا نموذج حي للأساليب الممنهجة التي اتبعت في تهويد القدس كمصادرة الأراضي، قوانين التنظيم والبناء، قانون الغائبين، الأسرلة ومصادرة الهويات. وتعد البؤر الاستيطانية فيها، غيض من فيض 14 مستوطنة داخل حدود "بلدية القدس" . وفي ظل تلك الوقائع القاتمة، يكون الضحية الإنسان والبيئة.
|