مرض سببه إهمال البيئة وغياب الوعي
"التسمم بالرصاص" في قطاع غزة ضحاياه من الصغار والكبار
نعيم: فحص الغزيين صعب في ظل الوضع الراهن
أبو ندى: عدم الشفاء سببه بقاء التلوث... ونفتقر إلى "جهاز قياس" الرصاص في الدم
 |
أهالي غزة المحاصرون والمجوعون والمنكل بهم بالقذائف المحتوية على الرصاص والمعادن الثقيلة والعناصر المشعة |
سمر شاهين / غزة
خاص بآفاق البيئة والتنمية
يؤكد عدد من المختصين في قطاع غزة على وجود العديد من حالات التسمم بالرصاص، بسبب التعرض فترات طويلة لمصادر التلوث من تلك المادة، وخاصة من الذين يقومون باستعمالها أو تداولها، إضافة لعدم توفر جهاز لقياس الرصاص في الدم، ما يشكل عائقاً أمام اكتشاف المرض مبكرا.
وقد لفت بعض المختصين في أحاديث منفصلة لـ"آفاق للبيئة والتنمية"، أن هذا المرض ينتشر في المناطق التي تتواجد فيها ورش إعادة تصنيع البطاريات ومحطات الوقود، ويصاب بها الأطفال بالدرجة الأولى وذلك لضعف مناعتهم إضافة إلى العاملين داخل هذه الورش أو المحيطين بها.
وأشاروا إلى أن الرصاص عنصر موجود في الطبيعة ولا يزال يدخل في صناعة الكثير من المواد كالدهانات والبنزين، وبه تطلى أنابيب المياه، ويدخل في صناعة بطاريات السيارات، وصناعة الأختام، ولتعليب المواد المحفوظة كذلك. كما ويوجد في التربة أيضا، وفي غبار البيوت القديمة المطلية بأصباغٍ يدخل في صناعتها الرصاص.
ودعوا المواطنين القاطنين بجوار هذه المصانع إلى اتخاذ جملة من الإجراءات لتفادى هذا المرض الذي سببه بالدرجة الأولى تلوث البيئة بفعل هذه المصانع، وإلى الاهتمام بواقع البيئة واختيار مسكن بعيد عن هذه المصانع، والتوجه إلى الجهات المسؤولة لضبط عمل هذه المصانع وفق ضوابط بيئية تضمن من خلالها سلامة البيئة كما الإنسان، وتبني شعار النظافة والوقاية من التعرض لآثار مخلفات هذه الورش والمصانع، إضافة إلى المحافظة على نظافة الأطفال والحيلولة دون تواجدهم في الشوارع بصورة مستمرة أو العبث بمخلفات هذه المصانع أو الاقتراب منها.
 |
بعض مخلفات القذائف الإسرائيلية في غزة تحوي مخلفات الرصاص |
البداية عام 2004
مدير عام الحماية في سلطة جودة البيئة م. عوني نعيم أكد على أن التسمم بالرصاص سببه بالدرجة الأولى مصانع البطاريات وما ينتج عنها من مخلفات ضارة، إضافة إلى محطات الوقود المنتشرة خاصة وان البنزين – بحسب نعيم- يحتوي على نسب عالية من الرصاص، وخاصة البنزين المصري الذي انتشر بشكل كبير في قطاع غزة مؤخراً، وأيضا من مخلفات القذائف والصواريخ التي استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلية، في حربها الأخيرة على قطاع غزة.
وقال م. نعيم أن:" العاملين في مصانع إعادة تدوير البطاريات هم أشخاص حاملون وناقلون للتسمم والمرض، حيث أن الرصاص المتطاير من الآلات والبطاريات يتم استنشاقه عن طريق الأنف ويلتصق بملابسهم وينتشر معهم في كل مكان يذهبون إليه وهم مرتدون ثياب العمل، ويتطاير مع الهواء والغبار ليصيب كل من يقترب منهم، ويدخل عبر الجهاز التنفسي إلى جسم الإنسان ويصيب الدم .
وفي معرض رده على سؤال حول بداية اكتشاف المرض في قطاع غزة، أشار إلى أن البداية كانت من خلال إجراء بحث على أطفال تتراوح أعمارهم من 2-3 سنوات في مناطق مختلفة من قطاع غزة، حيث اكتشف أن بعضهم مصاب بالتسمم بالرصاص، وذلك في عام 2004 .
ولفت أن البحث بين أن الأطفال المصابين تصاحبهم جملة من الأعراض المختلفة التي تؤكد إصابتهم بالتسمم بالرصاص، كما أكد البحث على أن الإصابات في الكبار تتركز بين أناس لهم علاقة بورش تصنيع البطاريات أو محطات الوقود.
 |
مخلفات الرصاص وبعض المعادن الثقيلة في أسلحة الفتك الإسرائيلية بأهالي غزة |
عام 2010 مرحلة البحث عن الأسباب والعلاج
وأشار م. نعيم انه في العام 2009 قرر الباحث أن يواصل بحثه بهدف التعرف على الدرجة التي وصلت إليها الإصابة بهذا المرض، حيث عمل على تقديم بحثه لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة لتنتبه الوزارة العام 2010 إلى هذا المرض وتبدأ مرحلة البحث عن الأسباب والعلاج.
وقال م. نعيم:" أن نتائج البحث أدت إلى تشكيل لجنة من وزارة الصحة وسلطة جودة البيئة ووزارة الاقتصاد، تتمثل مهمتها في البحث عن البؤر التي قد تكون نسب الإصابة بتسمم الرصاص فيها عالية، والتي غالباً ما تكون سببها وجود ورش إعادة تصنيع البطاريات أو محطات الوقود ".
وشدد م. نعيم في سياق حديثه لـ"آفاق البيئة والتنمية" على ان مرض التسمم بالرصاص ليس ظاهرة في قطاع غزة، ولكنه يتواجد بكثرة في الأماكن التي تكثر فيها معامل ومصانع إنتاج البطاريات، داعيا إلى البدء الفوري بأعداد الدراسات العلمية للوصول إلى نتائج محكمة بهدف مواجهة ذلك المرض قبل ان يزداد.
وكشف م. نعيم النقاب على أنه قد تمت معالجة العشرات من المرضى الذين وفر البحث السابق بياناتهم، وتم شفاءهم. لافتا إلى أن إجراء الفحص لكافة سكان القطاع والبالغ تعداده مليون و800 ألف مواطن أمر صعب، في ظل الوضع الراهن الذي يعيشه القطاع، بسبب الحصار وانخفاض المعدات الطبية.
وقال: " نعمل على متابعة كافة المناطق الموبوءة، حيث تعمل السلطة على تنظيم زيارتين لهذه المناطق لافتا انه في حال إثبات أن هناك ورشة أو مصنع يسبب تلوث الرصاص الذي يؤدي للتسمم، فان سلطة البيئة دورها رقابي إشرافي، ومهامها وضع التقارير التي تثبت أن هذا المكان يسبب التلوث، فيتم تبليغ الجهات المختصة بالتراخيص لإزالة هذه الورش .
وتؤكد دراسات علمية أن التسمم بالرصاص بات أكثر ندرةً من قبل إلا أنه ما زال موجوداً ويعاني منه الكبار والصغار، والخطورة فيه تكمن في قدرة الرصاص على التراكم في النسيج العصبي وخاصة لدى للأطفال، ما يجعله أشد خطرا عليهم، فهو إن لم يكن قاتلا، إلا أنه يسبب لديهم البلادة وسوء الأداء الدراسي.
ويمتاز هذا المرض بجملة من الأعراض المرتبطة بالجهاز العصبي منها بطؤ في الإدراك، ألم وخدر في الأطراف، صداع، أرق، تغير في المزاج، الإحساس بطعم معدن في الفم، فقدان الشهية، وفي الحالات الشديدة قد يصل الأمر إلى تشنجات عصبية وغيبوبة، إضافة إلى أعراض مرتبطة بالجهاز الهضمي مثل الغثيان، التقيؤ، آلام في البطن، وأحيانا يظهر طيف أزرق حول اللثة وأعراض أخرى – بحسب مختصين – وهي الأنيميا، وانخفاض في كمية السائل المنوي لدى الرجال، ومشاكل في الكلية.
منطقة النفق الأكثر خطورة
ونظرا لأهمية الموضوع وخطورته سيما وأن القطاع تنتشر فيه محطات البنزين وورش البطاريات وسط المنازل لغياب المناطق الصناعية، نتيجة للظروف التي يعيشها القطاع منذ عشرات السنين، فقد عملت وزارة الصحة على تكليف رئيس قسم أعصاب الأطفال بمستشفى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي التخصصي د. محمد أبو ندى بمتابعة الملف.
وأكد د. أبو ندى في سياق حديثه ما جاء على لسان م. نعيم من أن الإصابة بالتسمم بالرصاص في قطاع غزة يأتي في الغالب من ورش إعادة تصنيع البطاريات، وقال:" أكثر المناطق التي تثير القلق هي منطقة النفق التي تصل بين بركة الشيخ رضوان في النصر وحي الدرج والتفاح، حيث يكثر تواجد ورش إعادة تصنيع البطاريات في تلك المنطقة.
أعراض حادة
وزاد د. أبو ندى أعراضاً إضافية عن التي أشار إليها الأخصائيون وهي أعراض حادة وأعراض مزمنة، لافتا إلى أن الأعراض المزمنة تتمثل بقصر القامة، الإصابة بأوجاع في المفاصل أو فقر الدم، تلون في الأسنان، ازرقاق اللثة ما يؤثر على وظائف القلب والكلى.
أما الأعراض الحادة فتتمثل في تشنجات عصبية أو غياب الوعي والمغص الشديد المتكرر، وقال أن تشخيص المرض يتم من خلال فحص كمية الرصاص في الدم أو إجراء صور الأشعة للركب والمفاصل لمعرفة الإصابة بالرصاص أم لا.
وبين خلال لقاء فني عقد في سلطة جودة البيئة حول "الوقاية من التعرض للتلوث بالرصاص"، ونظمته اللجنة الوطنية لمكافحة التسمم بالرصاص مؤخرا، أن اللجنة تعمل على تثقيف الأهالي والابتعاد قدر الإمكان عن أماكن البطاريات خاصة الأطفال والأمهات الحوامل، لافتا إلى عدم شفاء المرضى بسبب عدم زوال مصدر التلوث، وعدم توفر جهاز لقياس الرصاص في الدم مشدداً على انه يشكل عائقاً أمام معرفة الأفراد المصابين لاكتشاف المرض مبكرا .
 |
وقود المركبات من أهم مصادر التلوث بالرصاص |
الأطفال أكثر عرضة
وعن الأكثر عرضة للإصابة بالتسمم بالرصاص قال د. أبو ندى: "إن الإصابة بمرض التسمم بالرصاص تكون في الكبار والصغار على حد سواء، إلا أن الأطفال أكثر تأثرا لعدم اكتمال نمو العظام والدم والدماغ بشكل كامل، سيما وأنهم في مرحلة النمو"..
ودعا د. أبو الندى إلى عدم إعادة تصنيع بطاريات السيارات بشكل فردي وبطريقة خاطئة، كونها المسبب الرئيس للمرض، كما انه لم يستبعد أن تكون الحرب الأخيرة على غزة من مسبباته، مبينا أن الكم الكبير من القذائف التي استخدمت خلال الحرب لم تخل من الرصاص، إلا أن غياب الدراسات تحول دون التأكد من ذلك الأمر الذي يتطلب إعداد جملة من الدراسات العلمية.
الوقاية علاج...
وحرصا من "آفاق للبيئة والتنمية" على سلامة القراء، ننصح بجملة من الإرشادات للوقاية من التسمم بالرصاص:
-
اختيار النوعية الآمنة من المواسير عند إنشاء شبكات المياه
-
العمل على تهوية البيت تهوية صحيحة بفتح الشبابيك لتهويته من فترة وأخرى.
-
عدم استعمال الكحل للأطفال خاصة حديثي الولادة.
-
المحافظة على نظافة الجسم وضرورة غسل اليدين قبل تناول الطعام وبعد اللعب، حيث أن التسمم يمكن أن يحدث عن طريق الأكل، أو من ملامسة الأسطح والجدران المدهونة بدهانات تحتوي على الرصاص.
-
غسل الخضار والفواكه لأن أملاح الرصاص يمكن ان تلتصق بها من التربة.
-
تناول ثلاث وجبات يوميا حيث أن المعدة تمتص الرصاص بشكل أكبر عندما تكون خاوية، كما أن أكل الخضار والأغذية التي تحتوي على الحديد والكالسيوم يحمي من التسمم بالرصاص.
- خلع الأحذية قبل الدخول للمنزل، للحماية من وجود رصاص ملتصق بها.
ما هي مخلفات القذائف والمتفجرات الإسرائيلية في غزة التي تحتوي على الرصاص؟
كميل نعمات
لماذا لم تتحرك سلطة رام الله حتى الآن لتقديم ملف الجرائم الإسرائيلية
ضدالبيئة الفلسطينية إلى محكمة الجنايات الدولية؟
صائب البغدادي
هنيئا لك يا أخت سمر على هذا التقرير المميز الذي يعلق الجرس ويدعو إلى
التحرك السريع لإيجاد الحلول الجذرية لظاهرة التسمم بالرصاص وسائر المعادن
الثقيلة .
نبال الديراوي
|