مبادرات بيئية
الفيزيائي عاشق أزهار فلسطين
زياد عزت: عدسة خضراء وأرض مُلونة
 |
التنوع النباتي- تصوير زياد عزت |
عبد الباسط خلف:
يجلس زياد عزت في مكتبه بكلية العلوم في جامعة بيرزيت، ولا تُتيح له نوافذ مكتبه الرحيل بعينيه ومواصلة "فتنته" بالأرض ومساحاتها الخضراء وأزهارها الأخاذة.
يروي بملامحه الهادئة وشعره الأبيض: "أبحث دائمًا عن السعادة لغيري ولي، واكتشفت في وقت مبكر أن بلادنا جميلة، فيما لا ترى عيوننا هذا السحر وتُنقص من قيمته."
يُشبه عزت الطبيعة الخلابة التي بدأ بالتقاط عشرات الصور لها منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي، بـ"المًحرك والدافع الحقيقي لأبناء شعبنا بالاستمرار والصمود على أرضهم."
يفيد: "أطلقت عدة معارض في مركز خليل السكاكيني لنباتات فلسطين وأزهارها، فنقلت أزهار جبالنا ووديانها، ووضعتها على الجدران لمن لا يُشاهدها وغفل عن جمالها".
 |
الغطاء الأخضر في فلسطين - تصوير زياد عزت |
مُفارقة
لا زالت تعليقات الزائرين لمعارض زياد حاضرة في ذهن "الفوتوغرافي الأخضر"، فهو لا ينسى اندهاشهم وتفاعلاتهم واستغرابهم من أن هذه اللوحات الأنيقة فلسطينية وطبيعية، وموجودة على مقربة منا، وعند حواف شوارعنا، فيرد عليهم: هي بيننا، لكن عيوننا لا تلتقطها.
يقول:"تحفل الذاكرة الفلسطينية بالمعاناة والاحتلال، وأُريد للفلسطيني أن يبقى أسيراً للموت على طريقة جلاده."
أصدر عزت قبل ثلاثة أشهر كتاب "عطر الحياة"، ووجه فيه عبر غلافه المزدان بزهرة فلسطينية صوّرها بعدسته، دعوة للحياة، وتكريسها، دون نسيان الاحتلال والظلم.
خرج عزت إلى الحياة في شتاء العام 1950، ببلدة عنبتا المجاورة لطولكرم، وأبعدته انشغالات الحياة ليقيم في رام الله، لكنه حافظ على تقليد أسبوعي دوري، حيث يزور بلدته ليرى والده، ويعيد استرداد ذكريات طفولته.
شريط ذكريات
يروي بحنين إلى الماضي: "أفتش عن بقايا الحواكير، وحواف الشوارع، وأحن إلى صوت الشنار(الحجل) الذي يتهدده الانقراض، وأبحث عن أشجار المشمش والبرقوق واللوز، وأراقب الشروق في الجبال، وأسير بين أشجار الزيتون قبل الشمس، واستعيد محطات لعبة "الغُماية" مع أصدقاء الطفولة، وأضحك".
رافق عزت باحثًا أمريكياً زار فلسطين لإكمال دراسة الدكتوراة، وجال معه ثلاثة أيام، لكن اندهاش"عاشق الأزهار" جاء من أن الأمريكي الباحث يفتش عن توظيف الفلسطيني لصور الطبيعة في تراثه، في وقت ننسى نحن طبيعتنا وأرضنا وجمالها، ويسطو المحتل على تراثنا ووردنا وأطباقنا الشعبية.
يقول: "الفلاح الفلسطيني القريب من الأرض، والساكن بين الأزهار، والمراقب لصوت الشنار، يندفع بعفوية لمقاومة المحتل، فنراه رغم تقدمه في السن، يُضحي ويحتج ويقاوم من يسرق أرضه، لأنه يمتلك السر، ويتمسك بما يمنحه الحياة والأمل".
باحث "أخضر"
طوّر عزت حبه وشغفه، وصار يدون بجوار الصور التي يلتقطها، خلال جولاته المتلاحقة، تاريخها، واسمها، وأماكن تواجدها، وحتى أساطيرها كزهرة شقائق النعمان، التي تحتفل سنوياً بإعادة توزيع دم أدونيس الكنعاني على مساحاتها.
يفيد: "بالرغم من ضيق بلادنا الجغرافي، إلا أنها تتفوق على المملكة المتحدة الشاسعة بما فيها من أزهار، فلدينا أكثر من 2500 زهرة، وفي بريطانيا 1800. إذ تحتفل هضابنا وجبالنا وغورنا وودياننا وسواحلنا بأنواع مذهلة من الأزهار الطبيعية".
يجول زياد الذي يحمل الماجيستير في الفيزياء، ودرجة مماثلة في فلسفة اللاعنف، في وديان فلسطين وجبالها، ومعه"سلاحه" وعدسته الإلكترونية، فيفرح بالنرجس، ويغني لعصا الراعي، ويحس بجمال الميرمية وأزهارها، ويفتش عن شقائق النعمان، وغيرها.
يستذكر: "في مناسبتين، أستغرب جنود الاحتلال أنني ألتقط صوراً لأزهارنا، فذات مرة لحقوا بي، وطلبوا هويتي الشخصية، وسألوني عن سبب تجولي في حقل قريب من دير شرف، فقلت لهم: أنني أصور نبته الترمس البري. وقرب بيرزيت، كرر الجنود الشيء نفسه حينما شاهدوني أصور الغروب".
يتابع: "في المرتين، سألني جنود الاحتلال عن جنسيتي، وهل أحمل جواز سفر أجنبي، وقلت لهم أنني إنسان يفتش عن جمال بلاده، ولم يستوعبوا ما أقوم به".
يروي: "كنت برفقة زملاء أزور عين كارم بالقدس المحتلة، وشاهدت تلاميذ مدارس برفقة أساتذة يشرحون لهم عن النباتات الطبيعية، ويدخلون كل نبتة في تراثهم اليهودي، وقد راقبت الأطفال وحرصهم العناية بالنباتات البرية، بعد توجيهات مرشديهم".
طّور عزت مهنيته في التصوير، والتحق بدورات مختصة، ووزعت بعضت لوحاته الطبيعية لمؤسسات ومراكز مختلفة برام الله، وصار في أرشيفه أكثر من 500 صورة مطبوعة، ومئات الصور المُحوسبة، ونشر في كل نسخة من معرضه الشخصي نحو 50 لوحة.
يوالي: "دمرّ الاحتلال طبيعتنا وأرضنا وأزهارنا، فشق الطرق الالتفافية، وأقام المستعمرات، ونصب الجدران، واقتلع الأشجار".
يحلم عزت، الذي عمل في مناسبات عديدة عميدًا لشؤون الطلبة بالجامعة، بإطلاق موقع إلكتروني لصور فلسطين لينقل للفلسطيني في الوطن والشتات أرضهم، وليعرّفهم بتراثهم.
 |
زياد عزت في مكتبه |
غًرام
يصف "النرجس" بأعز الأزهار على قلبه، ويشبه العثور على كل زهرة منها كعثوره على مائة دولار، فيما يعشق الترمس البري بجنون، ويهوى الزنبق البري، وأوقعته أزهار اللوز في غرام من نوع خاص.
نقل عزت حب الأزهار وتصويرها لإبن خاله عمر، الشاب المقيم في الولايات المتحدة، ولابنته ياسمين التي بدأت تصور وتكتب الشعر عن الأرض وأزهارها، ولم ينجح في المهمة مع نجله عزت وصغيرته ريم، ويحلم بأن تلتفت وزارة التربية والتعليم لجمال أرضنا، فتنظم رحلات استكشافية لتلاميذنا، ليتذوقوا جمالها ويتمسكوا بها. ينهي: "ليتنا نتذوق هذا الجمال الطبيعي، ونحافظ عليه من التدمير والعبث".
aabdkh@yahoo.com
|