November 2010 No (30)
مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا
تشرين ثاني 2010 العدد (30)
 
خلال ندوة ميدانية في خزاعة جنوب القطاع
الزراعة في غزة.. خطر يداهم حياة الناس بفعل الكيماويات
مزارعون: المؤسسات الحكومية والأهلية مطالبة بإنجاح الزراعة العضوية
"معاً" أول من ادخل الزراعة العضوية قبل 14 عاما والنجاح كان عنوانها
حشرة "توتا أبسولوتا"...تقضى على حلم الزراعة العضوية

سمر شاهين وماجدة البلبيسي / غزة
خاص بآفاق البيئة والتنمية

طالب مزارعو منطقة خزاعة جنوب قطاع غزة وزارة الزراعة والمؤسسات الأهلية العاملة في هذا القطاع، بتوفير الدعم اللازم لإنجاح تجربة الزراعة العضوية وتعميمها، كما نادوا بوضع خطة وإستراتيجية لهذه الزراعة، وإنشاء مراكز أبحاث وتهجين البذور، ومساعدتهم على التخلص من الكيماويات التي توفرها لهم الوزارة، بالرغم من خطورتها.
وأكدوا خلال ندوة ميدانية نظمت لمجلة آفاق البيئة والتنمية- بعنوان "آفاق الزراعة العضوية في غزة والمشاكل التي تواجه المزارعين" على أنهم تعرضوا إلى أضرار كبيرة جراء الاجتياح الإسرائيلي وتجريف أراضيهم بين الفينة والأخرى، والعوامل الطبيعية المتمثلة بارتفاع درجة الحرارة، ووجود الآفات والديدان التي أتلفت منتجاتهم لاسيما حشرة "توتا ابسولوتا" التي جلبت من باطن الأرض، في إشارة إلى الأنفاق المنتشرة على الحدود المصرية الفلسطينية، وندرة المياه الصالحة للزراعة، عدا عن المعيقات الأخرى المتمثلة بضعف ومحدودية إمكاناتهم المادية الناجمة عن الحصار وارتفاع الأسعار، والتي تحول دون توجههم بشكل رئيس لهذا النوع من الزراعة العضوية التي تحتاج إلى دعم على المستويين الرسمي وغير الرسمي، لاسيما وان الزراعة لها دورة واحدة في التربة.

 

أين وزارة الزراعة؟
وحمل المزارعون وزارة الزراعة مسؤولية تدهور أحوالهم وتردي أوضاعهم، نتيجة عدم الاستجابة لطلبات معظم المزارعين، المتعلقة بتوفير المتابعة لهم والإشراف على إنتاجهم، وتوفير الدعم الفني لهم ومعاونتهم في مكافحة جملة الآفات التي باتت تشكل ظاهرة، من شأنها أن تقضى على المزروعات وتهلكها.
واجمعوا على أنهم في خطر، وكذلك المواطنون، وأنهم باتوا ضحية للكيماويات المسرطنة المنتشرة عبر الخضروات والمزروعات التي يتناولوها بصورة يومية، دون إدراك ووعي بمدى خطورتها لاسيما في ظل غياب البديل.
وتوجهوا إلى المؤسسات الخاصة بتقديم الدعم اللازم لهم من شبكات ري، حمامات بلاستيكية، وسائل الحماية من المبيدات أثناء الرش مثل الزي والكمامات والقفازات، ومحاولة تمديد خطوط ناقلة للآبار .
كما طالبوا المؤسسات المعنية بهذا الشأن بتنظيم دورات توعية وتثقيف بالزراعة العضوية، ورفدهم بعمال من خلال برامج فرص العمل المؤقتة.
وأكد المزارعون بأنهم على استعداد تام لاستقطاع وتقديم جزءٍ من أراضيهم للمؤسسات، لتقوم بزراعتها زراعة عضوية كاملة، بهدف تشجيع هذا النوع من الزراعة الآمنة، في ظل زيادة نسبة الإصابة بالسرطانات الناجمة عن الاستخدام المفرط للأدوية والمبيدات الكيماوية، وذلك بهدف القضاء على العديد من الآفات التي تهدد الكثير من الخضروات الأساسية، خاصة حشرة "توتا أبسولوتا" التي وصلت القطاع من أمريكا اللاتينية منذ فترة مسببةً خسائرَ كبيرة بإنتاج المزارعين .


وطالب المزارعون وسائل الإعلام المختلفة بتسليط الضوء على مشكلاتهم وأوضاعهم، خاصة وأنهم في دائرة الاستهداف، سيما وأن مناطقهم حدودية، ولفتوا إلى أن هذه الندوة هي الأولى التي تعقد في منطقتهم، وأن مجلة آفاق البيئة والتنمية، هي أول وسيلة إعلامية تصل إليهم وفق تأكيداتهم.
واعتبروا أن الانقسام السياسي والتشرذم الداخلي فاقم من معاناتهم، وجعل خبرتهم تقف عند حد معين، لعدم تمكنهم من الإطلاع على خبرات الجزء الآخر من الوطن، وانعدام المشاركة في المؤتمرات الخارجية، عدا عن توقف استقدام الخبراء في هذا المجال لتبادل الخبرات والجديد في مجال الزراعة العضوية، وسبل مكافحة الآفات التي تهدد مستقبل الزراعة في قطاع غزة في حال استمرار  وجودها .
 وشارك في الندوة -التي عقدت في احد الحقول الزراعية بمنطقة خزاعة جنوب القطاع، على الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام "48"- عشرات المزارعين الذين استفاضوا في الشرح عن معاناتهم التي لا تتوقف، معربين عن خشيتهم من مجيء يوم لا تعرف فيه المناطق الشرقية اللون الأخضر، جراء الآفات والاختلال الكبير في التوازن البيئي، وقد أدار الندوة الإعلامية سمر شاهين.

التجربة الأولى!!
تحدث المهندس يوسف قديح ممثلاً عن مركز معا حول تجربة الزراعة العضوية التي نفذت في العام 1997 ولاقت نجاحا كبيرا، حيث طُبقت في منطقتين: محافظة رفح وخزاعة. وكانت خاصة بمحصول البندورة فقط باعتباره غير حساس، وقد نجحت التجربة على حد قول قديح، وتم الحصول على إنتاج خال تماما من الكيماويات.
وتابع المهندس قديح : "جرى توزيع الإنتاج على المشافي والمؤسسات والأفراد في المنطقة، لترويج هذا المنتج العضوي وتشجيع زراعته، واستهلاكه من قبل المواطنين، موضحاً بأنه تم استخدام السماد العضوي، وجرى التعقيم الحراري للتربة والتي كانت بمساحة دونم، واستمرت عمليات التعقيم لمدة شهر كامل وجرى تجهيز الأرض بحرثها بواسطة الحيوانات، وقد تم خلط الكومبست مع السماد البقري في التربة، وجرى حرثه وتقليبه مرة أخرى".
وتابع المهندس قديح أنه تم اختيار التوقيت المناسب للزراعة خشية الحر والأمراض، وجرى استخدام منقوع الثوم والبصل وغيرها من المواد الطبيعية لمكافحة الديدان، موضحا أنه جرى إمداد المزارعين بكتب لجميع  التعليمات والإرشادات بدءاً من بداية المشروع وحتى نهايته، وقد شاركت النساء والأبناء في هذا المشروع حيث كان مركز معا أول المبادرين لفكرة الزراعة العضوية.
وحول تعميم التجربة لدى المزارعين، أعتبر المهندس قديح أن هذه التجربة تحتاج إلى دعم حكومي ومؤسساتي، خاصة في ظل انتشار الأمراض السرطانية المرتبطة باستخدام المبيدات الحشرية، والعمل على تنظيف التربة التي باتت ملوثة، بفعل استخدام الكيماويات بصورة كبيرة تفوق كل التوقعات.

 

شكرا لـ"معاً"..ولكن!!
بدوره تحدث المزارع الخمسيني أحمد قديح عن الزراعة العضوية وواقع المزارعين في منطقة خزاعة قائلا:" بداية، لقد تمكنت من مشاهدة تجربة الزراعة العضوية في المنطقة والتي نفذها مركز معاً على مساحة دونمين، ولكن هذه التجربة رغم النجاح المتميز والكبير الذي لاقته، والناتج الوفير من المحصول، إلا أنها لم تتطور أو تنقل إلى كافة المزارعين، بل ترك كل مزارع ليخوض التجربة وحده.
ونوه قديح إلى أن المركز عمل على توفير جملة البدائل التي استخدمها بدلا من المواد الكيماوية، وحاول تطبيق ذلك،  حسب مدى المعرفة التي اكتسبها من عملية المشاهدة والمعرفة المتراكمة لديه، ولكن لم تكن النتيجة مماثلة، الأمر الذي يتطلب وجود مهندسين زارعيين لعملية المتابعة والإرشاد، سيما وأنها كانت التجربة الأولى.
ولفت إلى أن مركز معا هو أول من ادخل الزراعة العضوية إلى المنطقة وسعى جاهدا إلى تزويد المزارعين ببعض المعلومات والتقنيات التي من شأنها، أن تأسس لبنية تحتية لإقامة الزراعة العضوية في المنطقة، ضمن جملة المشاريع التي ينفذها المركز في المنطقة حتى اللحظة.
و يتابع قديح حديثه قائلا:" تطورت الأمور سلباً، حيث بدأت الآفات تزداد، وتلوثت التربة، بسبب مخلفات الاحتلال الحربية، واستخدام المبيدات الكيماوية، فقد أصبح المزارع الفلسطيني يرش زرعه مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع الواحد رغم ان فترة الأمان هي 21 يوماً، وذلك في ظل غياب الرقابة من قبل جهات الاختصاص.
وأشار إلى انه يصعب عليه أن يمارس اليوم الزراعة العضوية، وذلك لكثرة الأمراض الناجمة عن التغييرات البيئية وغياب التوعية والإرشاد من قبل المؤسسات التي تعنى بالمزارعين وواقعهم والمشاكل التي يواجهونها، لاسيما أن الاعتماد على الزراعة العضوية يعني فقط دورة زراعية واحدة في التربة.
ولفت إلى أنه يعتمد على الزراعة العضوية داخل منزله، وذلك لتحقيق الأمان لأفراد أسرته في ظل الاستخدام المستفحل للكيماويات، لافتا إلى انه في مرات عديدة عمل على تسويق الفائض من الإنتاج، كما انه يعمل على تزويد عدد من الجيران من هذه الخضراوات.
 ولفت إلى أن غياب جهة تعمل على تسويق الإنتاج العضوي، يعد مشكلة كبيرة تواجههم حيث أن السعر يكون ذا قيمة مرتفعة عن سعر الزراعة المفتوحة، والتي تنتج أكثر من دورة زراعية. مشيرا إلى أن غياب توعية جماهيرية للمواطنين حول أهمية الزراعة العضوية، يجعلها في مرتبة متدنية من اهتمامات المزارعين كما المواطنين.
وقال أحمد قديح:" نعترف بأن تكلفة الزراعة العضوية منخفضة جدا إذا ما قورنت مع الزراعة التي تعتمد على الكيماويات، لكن غياب الإرشاد والتواصل مع المهندسين الزارعيين وعدم إيجاد لجنة لدعم المزارعين يحول دون نجاح الزراعة العضوية، إضافة إلى غياب الأشتال الطبيعية العضوية، القادرة على مواجهة جملة هذه الآفات والأمراض التي تصيب المزروعات ولا يعرف لها نهاية".
بدوره قال المزارع بلال عيد "28" عاما، أن طفرة كبيرة في استخدام المبيدات الزراعية باتت تطفو على السطح بدون وعى وإدراك بخطورتها، وأشار إلى انه يحاول أن تكون زراعته شبه عضوية، من خلال استخدام الري بالمياه العذبة من ناحية، والتقليل من استخدام الكيماويات قدر المستطاع، لافتا إلى أن التسويق مشكلة كبرى تواجههم، الأمر الذي يتطلب جهة رسمية لأن تقوم بتلك المهمة التي تعد ذات أهمية كبرى للمزارعين، لاسيما وان المحصول يكون ذا قيمة أكثر من المزروعات الأخرى.

 

مساعدة أم انتكاسة!!
وتحدث احد المزارعين عن تجربته مع إحدى المؤسسات التي ألزمته برفع البلاستيك الخاص ببيته الزراعي، لتزوده ببلاستيك جديد وفق المشروع الذي تعمل على تنفيذه، لافتا إلى انه لم يمضِ أسبوع واحد إلا وقد تفشت حشرة توتا ابسولوتا في أرضه جراء استخدامه لذلك البلاستيك، لافتا إلى انه خسر البيت والمحصول بسبب عدم توخي العناية الكافية من قبل تلك المؤسسة.

وتغيب فترة الأمان
بدوره تحدث المزارع الستيني سامر النجار عن تجربته في الزراعة العضوية قائلا:" اعتمدت منذ أن عايشت تجربة مركز معا قبل نحو 14 عاماً على الزراعة العضوية إلى حد ما في ارضي، وذلك خوفا على حياة أسرتي وكذلك المواطنين، فكنت لا أرشها إلا للضرورة القصوى، وقد تمر فترة زمنية بدون رش، ولكن في الفترة الأخيرة أصبحت أرش ثلاث مرات في الأسبوع الواحد، جراء تفشي الأمراض في التربة الناجمة عن الحشرات الوافدة إلينا من الخارج.
وقال: " في الحقيقة لا يوجد التزام في فترة الأمان الحقيقية، لأن الحشرات تأبى أن تهلك كما هو المعتاد،...، أنا مع الزراعة العضوية وعلى أتم الاستعداد لتطبيقها والأخذ بها، ولكن أؤكد أن مصيرها الفشل في الفترة الراهنة لعدة أسباب أهمها: كثرة الآفات، الاستخدام المفرط للكيماويات التي تترسب في قاع التربة، وعدم وجود أشتال في طبيعتها عضوية".
وأكد على عدم وجود زراعة عضوية في المرحلة الحالية، لاسيما تجاه محصول البندورة وقال: "لا يوجد، أؤكد انه لا يوجد ".

طريق الموت هو أبسولوتا
وأسهب في الحديث عن تجربته مع حشرة توتا ابسولوتا التي أصبحت طريق الموت للمزروعات الورقية والبندورة – بحسب المزارع النجار- ويقول:" لقد تم تزويد المزارعين بمصائد من قبل منظمة الفاو، وهى عبارة عن دائرة بلاستيكية تصدر صوتاً يشبه صوت أنثى ابسولوتا،  فيقترب منها الذكور وتصاب بالتخدير وتسقط في المياه التي توضع في حوض البلاستيك، ولكن مازلنا نعانى منها الأمرين، فالمحصول هلك ولم يتبق أمامنا من طريق إلا سلكناه، ولم نترك دواءً إلا وجلبناه، والمطلوب حملة تتكاثف فيها الجهود للقضاء على هذا الخطر الداهم".
وقد جلب خلال الندوة الجهاز الذي تم توزيعه من قبل الفاو، أضاف النجار، حيث تم عرضه أمامهم وكان مليئاً بأعداد من نفس الحشرة الشبيهة للفراشة، لافتا إلى أنه في حال لم تكافح بطريقة عملية وجادة، فستبدأ قريبا في إتلافها للباذنجان والفلفل وغيرها من الخضراوات.

كلمة شكر بحق مركز معاً
وعن دور وزارة الزراعة في مساعدة المزارعين، اجمع المشاركون على تقصيرها بصورة كبيرة، موضحين أنهم إذا ما احتاجوا إلى مرشد زراعي، فيتطلب الأمر إرسال سيارة خاصة لجلبه إلى أرضهم، ومن ثم إعادته من حيث أتى، مؤكدين أن ما يقدمه هو وصفة من الكيماويات ليس إلا.
وفي الختام قدموا جزيل شكرهم لمركز معاً الذي عمل ويعمل معهم على مدار الساعة، ضمن جملة من المشاريع المختلفة التي تساهم في تعويضهم ولو بجزء يسير من خسائرهم المتراكمة.
ودعوا القائمين على مركز معاً إلى تبنى مجموعة من المزارعين والبدء الفعلي معهم في ممارسة الزراعة العضوية من أجل التأسيس لبنية قوية قادرة على تنفيذ هذه الزراعة، لافتين إلى أن جملة من المزروعات يمكنها ان تكون طبيعية، منها الليف، الباذنجان الفلفل، السلق، السبانخ، الملوخية، القرع، الذرة والشمام حيث ان بذورها طبيعية. كما اشتكى المزارعون من النقص الحاد في المياه والتي تعد أيضا مشكلة تواجههم في عملهم، وقالوا ان خسارة الدونم الواحد باتت تفوق الـ "12" ألف شيقل، جراء دودة الأنفاق، ولا حل يلوح في الأفق.

 

التعليقات
الأسم
البريد الألكتروني
التعليق
 
مجلة افاق البيئة و التنمية
دعوة للمساهمة في مجلة آفاق البيئة والتنمية

يتوجه مركز العمل التنموي / معاً إلى جميع المهتمين بقضايا البيئة والتنمية، أفرادا ومؤسسات، أطفالا وأندية بيئية، للمساهمة في الكتابة لهذه المجلة، حول ملف العدد القادم (العولمة...التدهور البيئي...والتغير المناخي.) أو في الزوايا الثابتة (منبر البيئة والتنمية، أخبار البيئة والتنمية، أريد حلا، الراصد البيئي، أصدقاء البيئة، إصدارات بيئية – تنموية، قراءة في كتاب، مبادرات بيئية، تراثيات بيئية، سp,ياحة بيئية وأثرية، البيئة والتنمية في صور، ورسائل القراء).  ترسل المواد إلى العنوان المذكور أسفل هذه الصفحة.  الحد الزمني الأقصى لإرسال المادة 22 نيسان 2010..
 

  نلفت انتباه قرائنا الأعزاء إلى أنه بإمكان أي كان إعادة نشر أي نص ورد في هذه المجلة، أو الاستشهاد بأي جزء من المجلة أو نسخه أو إرساله لآخرين، شريطة الالتزام بذكر المصدر .

 

توصيــة
هذا الموقع صديق للبيئة ويشجع تقليص إنتاج النفايات، لذا يرجى التفكير قبل طباعة أي من مواد هذه المجلة
 
 

 

 
 
الصفحة الرئيسية | ارشيف المجلة | افاق البيئة والتنمية