حولوا أرضهم من رقعة صحراوية إلى واحة خضراء
عائلة بدر ...نموذج بيئي من الطراز الأول في فلسطين

ربى عنبتاوي
خاص بآفاق البيئة والتنمية
حين اشترت عائلة بدر رقعة أرض صغيرة في بلدة ابوديس بالقدس الشرقية قبل خمس سنوات، لم تنظر إليها فقط كمساحةٍ يبنى عليها بيت العائلة ثم تحاط بالأسوار وانتهى الأمر، بل تعاملت معها كثروة معطاءة تحدد نمط حياة العائلة مستقبلاً في أمور شتى: فمن مزروعات الأرض يلبى جزءُ كبير من احتياجاتهم الغذائية، ومن انحدارها وعدم انسيابيتها، ينشأ نظام ري بالتنقيط، ومن قلة مياه البلدة يتشكل دافعٌ لتنقية المياه الرمادية لأغراض الري، وبدلاً من التخلص من مخلفات الطعام في الحاويات تخمّر في أحواض لتستخدم مواد عضوية للتربة، عدا عن قيمة النباتات للهواء والناس. إبداعات لا يفكر فيها من يبحث عن الراحة، فمملكة عائلة بدر الخضراء تستهلك الوقت والجهد لكنها تضفي المتعة التي لا يعرفها إلا المتجذر بالأرض.

صلاح وإسراء بدر، والدان لأربعة أطفال، يقيمون جميعاً في بيت أنيق، يحيط به مجموعة من النباتات والمزروعات، ويسود الجو مسحة من السكينة. من هناك، التقت مجلة آفاق البيئة والتنمية العائلة التي تحدثت بدورها عن تجربتها، حيث قال رب الأسرة صلاح:" واجهتنا صعوبات عدة في البداية كون طبيعة التربة صخرية وغير صالحة للزراعة، والأرض منحدرة جدا، ما حدا بنا إلى استشارة مهندس لمساعدتنا في تصميم البيت بما يخدم فكرة استغلال المياه الرمادية (ماء الغسالة والمجلى) لأغراض الري، وذلك عبر فصلها عن مياه الصرف الصحي وصرفها في أحواض مخصصة لتنقية المياه بوسائل بسيطة، بينما تذهب مياه المجاري إلى الحفرة الامتصاصية والتي للأسف لا تصرّف بأنابيب، نظراً لغياب إمدادات للمجاري( الأمر الذي ينطبق على 90 % من بلدات وقرى فلسطين)، حيث يتم تفريغها عبر شاحنات تعبئة تلقيها بدورها في أماكن بعيدة وتحديداً في منطقة وادي النار".

المياه لا تذهب سدىً عند عائلة بدر
وحول الطقس يضيف صلاح أن المنطقة ذات جو حار تقلّ فيها الأمطار، مقارنة مع شمال فلسطين، ما حدا بالعائلة إلى تدبر مسألة شح المياه، حيث تم بناء بركة سباحة صغيرة الحجم تملأ بالمياه كل أسبوع ليتمتع الأطفال بالماء، ثم تفرغ عبر أنابيب تنسجم مع انحدار الأرض لتوزع على المزروعات بحيث تتدفق المياه على شكل نقاط لفترات معينة تروي الأرض.
ولري الأرض أيضا، نفذت العائلة طريقة بسيطة لفصل المياه الرمادية وتنقيتها، حيث خصص صلاح -الذي درس الفيزياء والتنمية الريفية المستدامة- لهذا الغرض ثلاثة أحواض، الحوض الأول يرسب المياه الرمادية من المخلفات الصلبة، التي تنتقل إلى الحوض الثاني المحتوي على حصمة فولية لترشيح إضافي للمياه حيث تتم عملية تحليل طبيعية للمياه الرمادية بواسطة البكتيريا المتكونة، أما الحوض الثالث فهو عبارة عن خزان أخير لتجميع المياه الجاهزة للاستعمال.

وحتى للنفايات فائدة
وحول تخمير المواد العضوية أضاف صلاح أنها عملية طويلة، تتطلب في البداية جهد ربة العائلة إسراء التي تقوم بدورها بفصل بقايا الطعام القابلة للتحلل، ثم وضعها في حوض وحين يمتلئ يطمر بالتراب ويترك ليتحلل مدة 6 شهور، مشيراً انه يرفض استعمال المبيدات الكيماوية للنباتات، والتي اضطر لاستعمالها مرة واحدة منذ خمس سنوات، حين دب وباء على الشجر أصاب المنطقة برمتها.
وتضيف إسراء بأن مشكلة تصريف النفايات قد حُلّ منها جزءٌ كبير عبر التخمير من جهة، وتنقية مياه المجاري عبر نظام التنقية من جهة ثانية، ومع أن العائلة فكرت في توليد الكهرباء عبر بناء طاحونة هواء إلا أنها صرفت النظر لغياب التيارات الهوائية في المنطقة، كما أنها ما زالت تعاني من مسألة التربة التي تم جلب الكثير منها للمكان ومزج الأصناف المختلفة ببعض، لكن ما زال شعورٌ بأن التربة الحالية ليست أفضل ما يلائم ارض المنطقة".
"حتى بقايا النباتات والأعشاب وأوراق الشجر لا تهمل، حيث تجمع في موقد قاعدته داخل الأرض، لتكون وقوداً لأعمال الطهو" قالت إسراء.
لكل ثمرة حكاية
و تستعرض إسراء ما تحويه أرضهم الطيبة، حيث تتألف من أشجار مثمرة كاللوزيات والتفاح والأجاص والحمضيات، إضافة إلى المزروعات الموسمية من خضروات وفاكهة، عدا عن الأعشاب الطبية ونباتات الزينة، وتضيف إسراء بأنها عادةً ما تستيقظ صباحاً وتتجول في البستان فتلتقط بعضاً من الخضراوات استعداداً لطهوها للغداء، الأمر الذي يشاركها فيه أطفالها الأربعة .
تستطرد إسراء: " لنجلس سويةً على المائدة، ونغمس الزيت بالزعتر، علّي أن أقضي وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى تلك اللحظة فأبدأ من التقاط عروق الزعتر من الأرض وتباعاً فصل الأوراق عن السيقان، ومن ثم تجفيفها تحت الشمس فطحنها وخلطها بالسمسم وأخيراً تناولها على قطعة خبز مغمسة بالزيت تفوح منها رائحة الأرض المعطاءة، الأمر الذي ينطبق على كثير من الخضراوات الورقية التي أفضل تجفيفها بدلاً عن تجميدها في المبرد".
هذا الوعي بالبيئة يؤكد صلاح بأنه لم يأت صدفة كونه من عائلة ريفية لطالما اهتمت بالنباتات، وبالنتيجة يرث الأبناء حب الأرض، فيصبح لديهم الدافع والانتماء لكل شجرة ونبتة. وكم يشعر بالسعادة حين يرى أطفاله يقطفون الثمرة ثم يغسلونها ويتناولوها بمتعة تضاهي السكاكر الاستهلاكية المنتشرة في السوق. عدا عن أسئلتهم واستفساراتهم حول النباتات ما يثري معرفتهم بالطبيعة من حولهم.

للنبتة روح ومشاعر
ويحزن صلاح حين يفاجأ بشجرة مكسورة بفعل زوبعة شتوية، ولا ينسى شجرة المشمش في الأرض، التي كسرت قبل أربع سنوات وكم تأثر لموتها، مؤكداً أن النباتات بالنسبة له كائنات لها روح تتألم وتفرح وتستأنس بالناس ان اهتموا بها.
ويحلم صلاح بتعميم تجربته على الناس، وزيادة الوعي لديهم بأهمية العناية بالشجر، مشيراً إلى مساهماته في زرع شتلات في مداخل البلدة، لكنها لم تعمر طويلاً حيث تم خلعها وكسرها .
"حين اشترينا رقعة الأرض، شعرنا بضرورة تغيير واقعها وبث الحياة فيها، وبجهد وإصرار كبيرين، أعطتنا الخضرة والثمر، ما أضاف إلينا معنىً جديداً للحياة" ختمت إسراء.
هذه حقا مدرسة تنموية نموذجية يجدر بالعاملين في المجالات التنموية والزراعية
والبيئية أن يتعلموا منها ويعمموها في كل منزل وحي وزقاق ...
قاسم الجبيلي
كم من حدائق منزلية تعرفت عليها في فلسطين لكني لم أعرف مثل هذا النموذج
البيئي الرائع والمتكامل من ناحية تنوع الإنتاج الغذائي والتدوير والمنهج
التربوي الصديق للبيئة والأرض الذي يمارسه الوالدان الأصيلان مع
أبنائهم...فطوبى لكم لأنكم ملح الأرض ...
جبران نصراوي
|