شركات اللحوم والحليب الإسرائيلية تخفي معلومات عن كميات الأدوية والهورمونات التي تُسَمَّن بها حيواناتها
المزارع التي تزود كبرى شركات الأغذية الإسرائيلية باللحوم والألبان تحقن حيواناتها بكميات ضخمة من الهورمونات والمضادات الحيوية والزرنيخ
إسرائيل أكثر دول العالم التي تتفشى فيها أمراض الجهاز التناسلي في الأبقار

جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية
عالجنا في العدد السابع عشر من مجلة آفاق البيئة والتنمية الفيلم الوثائقي النقدي: Food Inc الذي كشف الجانب المظلم في صناعات الأغذية الكبيرة التي تحتكرها شركات ضخمة لا تتوانى عن استخدام كل الطرق المشروعة وغير المشروعة لمراكمة أكبر كم ممكن من أرباحها الضخمة وزيادة قياسية في إنتاجها. وبين الفيلم سلسلة من الممارسات المشينة التي تقترفها صناعات اللحم والحليب بحق الحيوانات؛ ومن بينها الأبقار والدجاج الذي يربى في ظروف غير صحية وبشعة.
وأمام المشاهد القاسية التي عرضها الفيلم، طرحت مؤخرا جريدة "معاريف" الإسرائيلية أسئلة وجيهة حول ما يحدث في الصناعات الغذائية الإسرائيلية. فهل تتعامل هذه الصناعات أيضا بمكونات غذائية مهندسة وراثيا، أم تستخدم أساليب غير أخلاقية وغير شرعية في عملياتها الإنتاجية؟ وما هي المراحل التي تمر بها المنتجات الغذائية المصنعة في طريقها إلى محلات السوبرماركت، وهي مغلفة بأغلفة "مشهية" ومغرية؟
ولدراسة هذه المسألة، توجهت الصحيفة إلى بعض شركات الأغذية الكبيرة والهامة في سوق منتجات اللحوم والألبان في إسرائيل، مثل "تنوفا"، "طيرة تسفي"، "هود حيفر"، "زوغلوبك"، "يوطفاتا"، "شتراوس"، "ماما عوف" و"طيرا"، وطرحت عليها الأسئلة التالية:
- ماذا تفعل شركتكم للعناية الصحية بالحيوانات؟
- ما متوسط كمية المضادات الحيوية التي يحقن بها الطير الواحد الذي تسوقه شركتكم؟
- ما هي أنواع الحقن التي تحقن بها الأبقار التي تسوق شركتكم حليبها؟
- ما هي المواد التي تحويها الحقن؟
- ما عدد ساعات ما قبل الذبح التي تجوع خلالها الدواجن التي تبيعها الشركة؟
- ما متوسط فترة الانتظار في المسلخ؟
- ما هي الخطوات المتبعة من قبلكم لمنع تسويق الطيور التي تم تغذيتها بالمواد المسرعة للنمو والتي تحوي الزرنيخ؟
- كيف يتم التعامل مع البقر المنهار؛ بسبب وزنه الفائض في الحظائر التي تشتري منها الشركة الحليب؟
والمثير أن معظم الشركات رفض الإجابة، وقال بعضها بأنه "سيأخذ الأسئلة في الاعتبار". بل إن بعضها الآخر اكتفى بالقول: "شكرا على توجهك إلينا، ونتمنى لك أسبوعا جيدا"! البعض الثالث أبدى استعدادا لتعاون معين مع القائمين على البحث.
شركة "شتراوس" ادعت بأن هناك رقابة مشددة من قبل "اتحاد مربي الأبقار في إسرائيل" ووزارة الزراعة والشركة ذاتها على الحظائر التي تزودها بالحليب، وذلك في إطار "الالتزام بمواصفات عالية لجودة الحليب، والعناية بصحة ورفاهية الحيوانات".
أما شركة "زوغلوبك" فأفادت بأنها تشتري لحم البقر والدجاج "وفقا لتعليمات وزارتي الصحة والزراعة/الخدمات البيطرية".
ومن جانبها، تملصت شركات "تنوفا"، "طيرة تسفي" و"هود حيفر" من الإجابة، وقالت بأن "الجهة المناسبة" بأن توجه إليها مثل هذه الأسئلة هي "مجلس الحليب" و"مجلس الدواجن".
وإثر ذلك، تم التوجه إلى "الجهات المناسبة"، ممثلة بمجلسي الحليب والدواجن. المجلس الأخير وجه الباحثين إلى جهات ثالثة ورابعة دون الحصول على أي رد فعل. بينما تجاوب "مجلس الحليب" وأبدى استعدادا للإجابة على جميع الأسئلة. وادعى ذات المجلس بأن "لا مجال للمقارنة بين ما يحصل في العالم وفي إسرائيل"، أي أن وضع الصناعات الإسرائيلية أفضل بكثير.
إخفاء الحقائق
خلاصة القول أن شركات الصناعات الغذائية الإسرائيلية تتهرب من الإجابة على الأسئلة البسيطة؛ فمسوقو اللحوم والحليب يخفون كميات الأدوية والهورمونات التي سمنوا بها الحيوانات قبل أن تصل إلى صحن المستهلك.
ويدعي القائمون على الحظائر التي تنتج حليب "تنوفا" بأن بقرها لا يُلَقَّم بأي من المضادات الحيوية أو الحقن، ما عدا حالات المرض التي نادرا ما تحصل، بسبب التزامهم بالطب الوقائي. وادعوا بأن لا وجود لشيء اسمه تجويع الحيوانات قبل ذبحها، أو انهيارها بسبب وزنها الزائد.
ويتساءل القائمون على البحث: ما مدى تكرار إصابة البقر بالأمراض، وبالتالي حاجتها للأدوية؟ الأوساط الداخلية لصناعة الحليب تكشف عن مشهد يختلف عن ادعاء شركة "تنوفا". فعلى سبيل المثال؛ كشفت نتائج الأبحاث التي قدمت في مؤتمر علوم الأبقار لعام 2009، عن نسب مرتفعة لأمراض الأبقار في الحظائر. وبَيَّن بحث استعرض في ذات المؤتمر بأن المعطيات التي تم جمعها خلال ثلاث سنوات (2006-2008) من سبع عشرة ألف بقرة موجودة في تسع وأربعين حظيرة منتشرة في مختلف أنحاء إسرائيل، تؤكد أن نسبة الأبقار التي تعاني من مرض التهاب الضَرْع تزداد باستمرار؛ ففي عام2008 بلغت النسبة نحو 35%. ويمكن القول بأن عدد الأبقار التي تعاني من التهاب الضرع أكبر من ذلك؛ لأن من مصلحة القائمين على الحظائر ألا يكشفوا العدد الحقيقي للأبقار "الزرقاء"، بسبب تكلفة الأدوية أولا، ولأنه يحظر تسويق حليب الأبقار أثناء علاجها.
كما كشف بحث آخر قدم في مؤتمر علوم الأبقار بأن الحلب المبالغ به يؤدي إلى تقشي أمراض الجهاز التناسلي للبقرة؛ مما يتسبب في أوجاع حادة، بل والوفاة. وتعد إسرائيل من أكثر دول العالم التي تتفشى بها مثل هذه الأمراض، علما بأن الحظائر الإسرائيلية تتميز بكثافتها الحيوانية المرتفعة. وأشار البحث إلى أن توثيق مثل هذه الأمراض الصعبة في حظائر أبقار الحليب الكبيرة في إسرائيل يتواصل منذ عام ألفين؛ وقد تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة للوحدات الزراعية المصابة.

المصالح التجارية تدوس صحة الناس
وإجمالا، الأبقار الإسرائيلية في حظائر الحليب لا ترعى في المراعي الطبيعية؛ كما يتم حلب أكثر من أحد عشر ألف كيلوغرام حليب سنويا من البقرة الواحدة. وللمقارنة، يتم حلب خمسة آلاف كيلوغرام حليب سنويا من البقرة الواحدة في نيوزلندا حيث تربية الأبقار غير كثيفة؛ وهي ترعى باستمرار في المراعي الطبيعية.
ويقول خبراء إسرائيليون في الثروة الحيوانية إن الكثير من الهورمونات تستخدم في مزارع الحيوانات الإسرائيلية، وبخاصة هورمونات الأستروجين والبروجستيرون والأُكْسيتوتسين، علما بأن الأبقار تحقن بالحقن الهورمونية بهدف زيادة احتمالات حملها. كما، وفي أشهر حملها الأخيرة، تعالج جميع الأبقار بشكل مكثف بالمضادات الحيوية. وبالرغم من عدم حلبها في فترة الحمل، إلا أن للهورمونات والمضادات الحيوية التي تحقن بها الأبقار آثار صحية وبيئية خطيرة؛ إذ أن الهورمونات تفرز مع بول الأبقار الذي قد يصل إلى المياه الجوفية، أما الاستعمال المكثف للمضادات الحيوية فيولد أنواعا بكتيرية مقاومة.
الجدير بالذكر، أن تقرير "مراقب الدولة" في إسرائيل والذي صدر عام 2009، كشف بأن المصالح التجارية تدوس مصالح صحة الجمهور؛ وذلك على سبيل المثال، من خلال تسمين الدواجن بالزرنيخ وبالمضادات الحيوية، بما يتناقض وموقف وزارة الصحة الإسرائيلية.
أسباب وجيهة لمقاطعة المنتجات الغذائية الإسرائيلية
من الواضح أن ما ورد، يؤكد على بعد إضافي لمسألة مقاطعة المنتجات الصهيونية بعامة، والغذائية بخاصة، ألا وهو البعد المتصل بالجانب الصحي. فإذا كانت الصناعات الغذائية الإسرائيلية، وطمعا بمراكمة أكبر قدر من الأرباح، لا تتوانى عن إطعام الإسرائيليين أنفسهم الألبان واللحوم المشبعة بالمواد السامة والممرضة والمحظورة، فما بالك بنوعية منتجاتها المسوقة في السوق الفلسطيني؟!
وهنا لا بد من قول كلمة حق فيما يتصل بالمنتجات الغذائية الفلسطينية، وهي أن معظم الأغذية الفاسدة التي اكتشفت في السنوات الأخيرة في السوق الفلسطيني، عبارة عن أغذية إسرائيلية وأجنبية أخرى وليست منتجات فلسطينية.
إن وقف استيراد أو تدفق السلع الغذائية الصهيونية والأجنبية الأخرى إلى السوق الفلسطيني والتي تسببت وتتسبب في ضرب الإنتاج الغذائي والزراعي المحلي وكساده، يشكل مطلبا اقتصاديا ووطنيا ملحا ويساهم جديا في تعزيز الاقتصاد المحلي المقاوم وتثبيت الارتباط بالأرض والإنطلاق لزراعة المزيد من الأراضي.
لهذا، وبدلا من دعم اقتصاد الاحتلال، يجب العمل على إضعافه، من خلال عدم شرائنا بضائعه وتشجيع اقتصادنا الفلسطيني وحمايته بواسطة شرائنا للبضائع الفلسطينية والعربية، خاصة وأن لكل البضائع الصهيونية الأساسية (الغذائية وغير الغذائية) يوجد مقابلها بضائع فلسطينية أو عربية بديلة. كما أن الكثير من الأشياء التي نشتريها من المحلات التجارية هي بضائع إسرائيلية غير ضرورية لحياتنا اليومية (السكاكر، شوكولاته، مسليات وألعاب وغيرها) ولهذا علينا أن نتوقف عن شراءها.
إذن، عدم شراءنا بضائع الاحتلال، وشراءنا بضائع فلسطينية وعربية، معناه تقوية صمودنا بشكل عام وصمودنا الإقتصادي بشكل خاص، وذلك لأننا نعمل على حماية اقتصادنا وإنتاجنا المحليين اللذين يواجهان حرب تدمير منظمة، علما بأن جزءا هاما من السلع التي نستهلكها (وغالبيتها مستوردة من إسرائيل والخارج) لا يشكل "احتياجات" أساسية وحيوية، وبالتالي يمكننا الاستغناء عنه، مقللين بذلك من تسريب الفائض المالي المتراكم للخارج وبالتالي إعادة استثمار هذا الفائض داخليا، استثمارا منتجا ومستداما.
ومما لاشك فيه، أن وقف استيراد أو تدفق السلع الغذائية الصهيونية والأجنبية الأخرى إلى السوق الفلسطيني والتي تسببت وتتسبب في ضرب الإنتاج الغذائي والزراعي المحلي وكساده، يشكل مطلبا اقتصاديا ووطنيا ملحا ويساهم جديا في تعزيز الاقتصاد المحلي المقاوم، وتثبيت الارتباط بالأرض والانطلاق لزراعة المزيد من الأراضي. |