أيار 2009 العدد  (14)

مجلة الكترونية شهرية تصدر عن مركز العمل التنموي / معا

May 2009 No (14)

 

لماذا "آفاق البيئة والتنمية" ؟

منبر البيئة والتنمية

الراصد البيئي

أريد حلا

أصدقاء البيئة

شخصية بيئية

تراثيات بيئية

اصدارات بيئية - تنموية

قراءة في كتاب

البيئة والتنمية في صور

الاتصال بنا

الصفحة الرئيسية

 

 

الجدران العنصرية...والدوافع الكولونيالية لتدمير الأنظمة البيئية الفلسطينية

جورج كرزم

خاص بآفاق البيئة والتنمية

 

لا يمكننا فهم الممارسات الكولونيالية الإسرائيلية المعادية والمدمرة للأنظمة البيئية في فلسطين، فهما شاملا وعميقا، دون فهم الخلفية الأيديولوجية – السياسية الاستعمارية الإقصائية التي تحرك المؤسسة الإسرائيلية ورموزها.  فعلى سبيل المثال، كيف يمكننا أن نفهم حقيقة أن وزارة البيئة الإسرائيلية التي يفترض بها أن تكون وزارة "إنسانية" ومحبة للحياة والطبيعة، ومنسجمة مع البيئة ومدافعة عنها ومتصدية لأي أذى يلحق بها وبمكوناتها، ومنها العنصر البشري الفلسطيني - كيف نفهم، أن من وقف ويقف على رأسها هم وزراء عنصريون ومخضرمون في عملهم بأجهزة الأمن الإسرائيلية القمعية، ومؤيدون بالمطلق لعملية قهر وإذلال وذبح الشعب الفلسطيني وطرده من وطنه، وسجن من تبقى منه وراء الجدران العازلة، ناهيك عن تأييدهم الجرائم البيئية المقترفة بحق البيئة الفلسطينية والمتمثلة بمصادرة وإغلاق وتدمير أخصب الأراضي الزراعية، ونهب الموارد الطبيعية والمائية، وتخريب وتدمير الغطاء الأخضر والتنوع البيولوجي، من خلال تأييدهم ومشاركتهم المباشرة في تثبيت الاستيطان والإغلاقات والجدران والحواجز العنصرية، والمجازر البشرية كما تجلت بأبشع صورها في قطاع غزة، وبالتالي، مشاركتهم الفعلية في عملية إذلال الإنسان الفلسطيني وتجريده من إنسانيته؟

في الحقيقة، يعد نظام المعازل الكولونيالية العنصرية الذي فرضه الاحتلال على الفلسطينيين، نسخة إسرائيلية شبه حرفية و"محسنة" لتجربة النظام الاستعماري الاستيطاني العنصري البائد في جنوب إفريقيا، ومنه الجدار العنصري الذي يذكرنا بالمعازل النازية التي حشر النازيون بداخلها اليهود أنفسهم والعديد من مواطني دول أوروبا الشرقية التي احتلها النازيون قبل عقود.  بل إن هناك تشابها كبيرا في المفاهيم والمصطلحات والدوافع الأيديولوجية – السياسية الكولونيالية العنصرية في الحالتين؛ إذ إن الأيديولوجيا الصهيونية تشترك مع أيديولوجيا النظام العنصري ("الأفريقانية") في أفكار أساسية مثل "الشعب المختار" و"أرض الميعاد".  فـ"الشعب الأبيض" في حالة جنوب إفريقيا المعروف بـِ "البوير" الذي "اختاره الله، نظرا لتفوقه العرقي والعقلي والحضاري"، ليعود إلى "الأرض الموعودة" في إفريقيا و"يحررها" من الشعوب غير البيضاء التي "لا تستحق سوى الإبادة والطرد".  أما ما تبقى من هذه الشعوب فعليه أن يتحول إلى خادم "لشعب الله المختار".  ناهيك عن المقومات العنصرية الأخرى للدولة الاستيطانية في جنوب إفريقيا، مثل ما يسمى "الرسالة الحضارية" التي كلف بها بها الرجل الأبيض، نظرا "لتفوقه العنصري والثقافي" تجاه الشعوب "المتخلفة" غير البيضاء.

المعازل العنصرية في الضفة الغربية المحاصرة من كل الجهات بالجدران الخانقة، إلى جانب المعزل الكبير في قطاع غزة، ونظام التصاريح الاحتلالية اللازمة للتحكم في حركة الفلسطينيين من وإلى مناطق الإسرائيليين، تذكرنا بالمعازل الجنوب إفريقية التي تم حشر السود فيها، مثل "ترانسكاي"، "سيسكاي"، "بوفوتسوانا"، وحي سويتو.  فهناك أيضا، عُزِل السود داخل الجدران والأسيجة، ونُهِبَت مواردهم الطبيعية، وضُمَّت أراضيهم، وجرفت ودمرت جوانب كثيرة في أنظمتهم البيئية، وهُدِّمَت منازلهم وقيدت حركتهم، وفرض عليهم نظام التصاريح لتقييد حركتهم إلى مناطق البيض.

أبشع جريمة حرب:

في المستوى البيئي، يعد جدار العزل الكولونيالي من أبرز وأبشع جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الإنسان  والبيئة، من ناحية آثاره التخريبية على مئات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية المزروعة والخصبة التي جُرِّفَت ونُهِبَت، فضلا عن تدمير الغطاء الأخضر، واقتلاع وسرقة مئات آلاف أشجار الخروب، والزيتون، واللوزيات، والنخيل، واجتثاث النباتات البرية النادرة، وسرقة التربة السطحية الخصبة ونقلها إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وتهديد التنوع الحيوي وبعض الأنواع الحيوانية، كما في منطقة جنين والأغوار، مثل الطيور البرية، والغزلان، والقنفذ الصخري، والذئاب، والضباع، وتهديدها بالانقراض.

ويتجاوز الجدار ما يسمى الخط الأخضر إلى داخل حدود الضفة الغربية، بحيث لم يتم بناؤه على حدود عام 1967، وإنما بعمق يختلف حسب التواجد الاستيطاني، وذلك بهدف ضم أكبر عدد ممكن من المستعمرات  إلى الدولة "اليهودية".

ويعد الجدار من أفكار أساطين الحركة الصهيونية، وتحديدا حزب العمل الإسرائيلي.  وقد تبناه شارون لاحقا، بنسخة معدلة، ليصبح مشروعه الشخصي.  ومنذ أواسط السبعينيات، وضع الأخير مخططات الجدار وأطلق عليه حينها اسم "النجوم السبعة".  ويهدف الجدار، حسب الخطط الأصلية، إلى احتلال المحورين الغربي والشرقي للضفة الغربية.

وقد ضم الجدار أخصب الأراضي الزراعية في الضفة الغربية.  وبلغت مساحة الأراضي المعزولة من الجدار 733 كم2، علما بأن مساحة الضفة الغربية حسب ما يسمى الخط الأخضر 5661 كم2 . وعلى سبيل المثال، ضم الجدار أكثر من 112 كم2 من المساحة الممتدة من محافظة جنين إلى قلقيلية، وبالتحديد من قرية سالم في الشمال إلى مدينة قلقيلية في الجنوب، علما بأن طول الخط الأخضر في هذه المنطقة يشكل نحو 110كم، أما طول الجدار، في نفس المنطقة، فيتجاوز 160كم.  أما في منطقة سلفيت ورام الله، بشكل خاص، فالجدار أكثر خطرا وأكثر اتساعا، إذ يصل إلى عمق 10-23 كم، بهدف ضم أكبر عدد من المستعمرات، وبخاصة التجمع الاستيطاني "أريئيل".

 ومع أن طول "الخط الأخضر" يبلغ 312 كم، فمن المتوقع أن يصل طول الجدار حال اكتماله إلى 770 كم.

ويخترق الجدار الضفة الغربية بعمق يصل في بعض المواقع إلى 23 كم. وهو بذلك يعزل الضفة الغربية من جهاتها الشمالية والغربية والجنوبية. ويتفرع عن هذا الجدار جدار ثانوي يعزل مدنا وقرى فلسطينية مثل طولكرم وبعض قراها المجاورة.  وبالإجمال، يلتهم الجدار حوالي 733 ألف دونم، أي ما يقارب 13 % من مساحة الضفة الغربية. وعلاوة على ذلك، فإنه يحد من التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية داخل الضفة الغربية ويعيق إمكانية التخطيط التنموي الشامل فيها.

تدمير الغطاء الأخضر:

يشكل الجدار عائقاً أمام الحفاظ على الأنظمة البيئية والمعالم الطبيعية، والترابط بين المناطق المحمية. وله آثار مميتة على تنقل الحيوانات البرية، نتيجة لتجزئة الأنظمة البيئية بين الأرض المحتلة عام 1948 والضفة الغربية من جهة، وغياب التواصل بين الممرات البيئية الطبيعية من جهة أخرى. ويتسبب هذا الجدار وما يسميه الاحتلال بمنطقة العزل “الأمنية” الشرقية، بتدهور الغطاء النباتي في الضفة الغربية نتيجة عزل نحو 41 كم2 من الغابات الطبيعية المزروعة - أي ما يقارب 51 % من المساحة الكلية للغابات - عن البيئة المجاورة، ناهيك عن عزل أكثر من 40 منطقة محمية يَُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها أو إدارتها.

وتشكل الأراضي الزراعية المهددة ما يقارب 28% من مساحة الأراضي الزراعية الكلية في الضفة الغربية.

ويعزل الجدار الكثير من آبار المياه والينابيع الفلسطينية، مما يحول دون استخدامها من قبل الفلسطينيين، أو على الأقل يفرض قيوداً صارمة على استخدامها.

وطبقا لإحصائيات وزارة الزراعة الفلسطينية، اجتثت سلطات الاحتلال الإسرائيلية نحو مليوني شجرة من الأراضي الفلسطينية، منذ بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى أوائل عام 2004؛ وذلك لغرض إقامة الطرق الإسرائيلية والقواعد العسكرية والمستعمرات، ولبناء الجدار العنصري.  وقد تمت النسبة الكبرى (67.8 %) من عملية اقتلاع الأشجار بعد عام 2000.

وكانت محافظة رام الله الأكثر تعرضا لهذه الجريمة الإسرائيلية، منذ بداية الاحتلال عام 1967 حتى عام 1993، حيث بلغت نسبة عدد الأشجار التي تم اقتلاعها 35 % من مجموع الأشجار التي تم اقتلاعها في الضفة الغربية. ولكن، في الفترة ما بين عامي 1994 و1999، ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 62.5% نتيجة للنشاطات الاستيطانية الإسرائيلية الحثيثة.  كما تعرضت محافظة الخليل خلال الفترة ذاتها(1994–1999) لحملة واسعة من اقتلاع الأشجار، وذلك بسبب بناء وتوسيع المستعمرات الإسرائيلية وإنشاء الطرق الالتفافية الإسرائيلية.  أما في محافظات الضفة الغربية الشمالية، فقد تم اقتلاع معظم الأشجار بعد عام 2000.

وقد تم قطع ونهب مئات آلاف أشجار الزيتون والعنب واللوزيات والخوخ والبرتقال والتين والموز والخروب والنخيل، مما عمق بقوة عملية تدمير القطاع الزراعي الفلسطيني، تلك العملية الجارية على قدم وساق.  كما دمر الجدار مواقع أثرية وتاريخية كثيرة في القرى المحيطة بالقدس الشرقية، وجنين ونابلس وقلقيلية وغيرها، علما بأن العديد من هذه المواقع ضمت إلى إسرائيل.

إذن، بناء الجدار العنصري وشق الطرق الالتفافية وتوسيع المستعمرات هي السبب الرئيس وراء ارتفاع نسبة اقتلاع الأشجار في الضفة الغربية؛  لذا، فقد كان لممارسات الاحتلال تأثير مدمر على الزراعة وعلى المناطق الخضراء المهمة عمرانيا للبيئة الحضرية في جميع المحافظات الفلسطينية في الضفة الغربية.

كما سيكون لاقتلاع هذا العدد الضخم من الأشجار أثر مدمر أيضا على مناخ الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ويتجسد هذا الأثر في تعطيل عمل الأشجار والنباتات المتمثل في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون،  فضلا  عن أن الأشجار التي تمتص الكربون، عندما تتعرض للاجتثاث فإنها قد تطلق ثانية الكربون إلى الجو، دفعة واحدة أو على مراحل.

تهديد الحياة البرية:

يهدد الجدار العنصري التنوع الحيوي والحياة البرية في فلسطين، بسبب تدميره للأنظمة البيئية الفلسطينية وإعاقة الحركة الطبيعية للحيوانات البرية، مما يعوق حصولها على الغذاء ويعيق عملية التكاثر؛ وبالتالي يهددها بالانقراض.

ونتيجةً لهذا الجدار، أصبحت حركة الحيوانات الأرضية مقيدة وفي بعض الحالات مستحيلة.  لذا،  ليس غريبا أن تشاهد، حاليا، الضباع والثعالب والحيوانات البرية المختلفة في داخل المناطق السكنية؛ وذلك لأن الجدار قطع خطوط حركتها الداخلية.  ولو أخذنا بالاعتبار أن هذه الحيوانات البرية لا تحظى بأية حماية، بل كثيرا ما تلاحق وتقتل، فإن أعدادا كبيرة منها ستتناقص، بسبب فقدان أماكن عيشها، وسوف تتغير مناطق توزيعها، وسوف يتعرض القليل المتبقي منها لخطر الانقراض.  ومع تناقص بعض الأنواع الحيوانية، وانقراض بعضها الآخر، سيتأثر التوازن البيئي أيضا، وستتناقص أو تنقرض بعض الأنواع النباتية، وسيزداد عدد الحشرات والأعشاب الضارة، فضلا عن إمكانية حدوث  تغيرات جينية، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على طبيعة وبنية الأراضي والتربة الزراعية، وبالتالي طبيعة المناخ السائد في محيط الجدار العنصري.  

أهم أهداف الجدار:  نهب المياه

يدعي الاحتلال الإسرائيلي بأنه لا توجد أحواض مائية يمكن أن "يمنحها" للفلسطينيين.  إلا أنه من الملاحظ أن العديد من الآبار الزراعية قد أغلقت بسبب الجدار، كما حدث، على سبيل المثال، في قلقيلية وطولكرم، فضلا عن آبار أخرى لا يستطيع أصحابها الوصول إليها.

 والمسألة الجوهرية هنا، هي أن عملية النهب الإسرائيلي للمياه الجوفية في الضفة الغربية تتم من خلال ضخ نحو 55 مليون متر مكعب مياه سنويا، من الآبار المنتشرة في أنحاء مختلفة من الضفة، والتي يصل عددها إلى نحو 42 بئراً.  ويشكل هذا الضخ عملية النهب الصغرى.  أما عملية النهب الكبرى فتتم من خلال شبكة طويلة من الآبار حفرت خصيصا على امتداد الحوض الغربي الذي يعد أغنى الأحواض المائية الفلسطينية، ويمتد على طول حدود الضفة الغربية، ويزيد عددها على 500 بئر.  وتمتد ابتداء من منطقة سالم في جنين شمالا، وحتى جنوب قلقيلية.  وتعد هذه الآبار جزءا مما يسمى بالنظام القطري الإسرائيلي الذي يصل مختلف الخطوط المائية بعضها ببعض.  وقد تحدد مسار الجدار على طول هذا الحوض والآبار التي تمتص مياهه، تحديدا.  كما يتم نهب المياه من جبال الضفة الغربية وربطها بنفس الخطوط.  وتضخ مياه طبرية أيضا على هذه الخطوط الرئيسية.  يضاف إلى ذلك،  نهب الإسرائيليين للمياه من آبار مرج ابن عامر في الشمال، حيث يسيطرون سيطرة تامة على ذلك الحوض المائي. 

ولا تسمح إسرائيل للفلسطينيين بحفر أي بئر في الحوض الغربي.  بل تسمح بالحفر فقط في الحوض الشرقي الذي يمتد من المناطق الجبلية وصولا إلى أريحا، ويحتاج حفر البئر في هذا الحوض إلى 600 – 700 متر، مما يعني تكلفة ضخمة، ناهيك أن جودة المياه في الحوض الشرقي متدنية، بالمقارنة مع تلك التي في الحوض الغربي.  

ومع إقامة الجدار، ضمت إسرائيل المستوطنات الواقعة فوق المناطق الغنية بالمياه إلى غرب الجدار.  وحيث إن هذه المناطق تحديدا تحوي أضخم احتياطي من المياه يمكن أن تعتمد عليه أي "دولة فلسطينية مستقبلية"، فإن سلخ هذه المناطق لصالح إسرائيل، يعني منع الفلسطينيين من تطوير مصادرهم المائية في الحوض الغربي، وبالتالي فإن مثل هذه الدولة ستكون دون مخزون استراتيجي من المياه. 

وهذا يؤكد ما قاله، في حينه، شمعون بيرس:  "إن إسرائيل لن تسمح للفلسطينيين بالحصول على أية قطرة ماء إضافية من المصادر المائية التي تسيطر عليها إسرائيل حاليا". 

إذن، يرتكز الجدار بالأساس إلى ضم أراض واقعة في الحوض الغربي، مما يعني سيطرة الاحتلال سيطرة مطلقة على مصادر المياه في هذا الحوض، ومنع أي تأثير فلسطيني عليه.  لذا، فقد شلت أية عملية تطوير للقطاع الزراعي، وارتفعت كثيرا تكلفة ضخ المياه المستخدمة في الزراعة، وتعمقت تبعية الفلسطينيين المائية للإسرائيليين، ولم تزدد أو تتطور مساحة الأراضي المروية، علما بأنها لم تتجاوز 5% من مجمل الأراضي الصالحة للزراعة.  وهذا ما تسبب في هبوط عدد العائلات العاملة في الزراعة وتحولها إلى قوة عمل رخيصة في سوق العمل الإسرائيلية أو الفلسطينية، فارتفعت نسبة الأراضي البور.

ومن اللافت للنظر، أن إسرائيل لا تمتلك كميات كبيرة من الموارد المائية في نطاق حدود الأرض المحتلة عام 1948، وإنما تعتمد على مصادر مائية خارج هذه الحدود، وتحديدا في الضفة الغربية وحوض نهر الأردن ولبنان وسوريا.  ويقدر حجم المياه المنهوبة إسرائيليا من مصادر تقع خارج نطاق الأرض المحتلة عام 1948 بنحو 1103 مليون متر مكعب سنويا، منها حوالي 453 مليون متر مكعب من أحواض الضفة الغربية، والباقي، أي نحو 650 مليون متر مكعب، من حوض نهر الأردن.  وتعادل هذه الكميات ما يقارب 57% من مجمل الاستهلاك الإسرائيلي.

وحاليا تنهب إسرائيل نحو 80% (453 مليون متر مكعب سنويا) من المياه الجوفية في الضفة الغربية، لتغطية نحو 25% من استعمالات المياه في إسرائيل، تاركة 20% فقط (118 مليون متر مكعب سنويا) لتلبية جميع الاحتياجات المائية الفلسطينية.  وبالطبع، يحرم الفلسطينيون من حقهم في استخدام ثروتهم المائية المتمثلة في نهر الأردن والتي كانوا يستخدمونها جزئيا قبل حزيران عام 1967.

وحسب مصادر هيئة المياه الإسرائيلية لعام 2006، فإن 4 ملايين فلسطيني في الضفة وقطاع غزة يستخدمون نحو 323 مليون متر مكعب سنويا من مصادرهم المائية، وذلك لتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية. وفي المقابل، يستخدم نحو 6 ملايين إسرائيلي حوالي 2009 مليون متر مكعب من المياه سنويا.

بيت لحم:  نموذج صارخ لسحق الأنظمة البيئية والحياة البرية

تسبب الجدار في خسائر فادحة للقطاع الزراعي، إذ جراء عملية العزل منع المزارعون الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم الزراعية الواقعة ضمن منطقة العزل الشرقية التي تفوق مساحتها 300 كيلومتر مربع، وضمن منطقة العزل الغربية التي تزيد مساحتها عن 170 كيلومترا مربعا، علما بأن الأراضي الزراعية المهددة تشكل ما يقارب 28% من مساحة الأراضي الزراعية الكلية في الضفة الغربية.  يُضاف إلى ذلك، جدار عزل في مدينة رفح يمتد بموازاة الحدود المصرية بطول نحو9 كيلومترات.

وتشكل مدينة بيت لحم حالة نموذجية مأساوية لما سببه جدار العزل العنصري من تدمير رهيب للأنظمة البيئية المتمثلة بالأرض والمياه والإنسان والحيوان.  وتشير الأرقام الإسرائيلية إلى أنّ الجدار يمتد في محافظة بيت لحم بطول يزيد عن 50 كم، بدْءاً من شمال شرق المحافظة في مدينة بيت ساحور وباتجاه الغرب عند المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم، وحتى الجهة الغربية والشمالية الغربية لمدينة بيت جالا.

لقد فصل الجدار أراضي محافظة بيت لحم الزراعية عن المناطق السكنية فيها. إذ فصل ما يقارب 12% من مساحة المحافظة، أي أكثر من 600 كم2، وهي تشكل نحو  70 ألف دونم تقع خلف امتداد الجدار.  ولا يستطيع أصحاب هذه الأراضي الوصول إليها إلا من خلال تصاريح خاصة تصدر عن الإدارة المدنية الإسرائيلية بعد إثبات ملكيتهم لتلك الأراضي.

ويشكل الجدار  حاجزاً أمام حركة السلع الغذائية من المناطق الريفية في المحافظة  باتجاه المدن الرئيسية، مما أدى إلى هبوط كبير في الوفرة الغذائية، وبالتالي ارتفاع كبير في أسعار تلك السلع.

وقد التهم الجدار أكثر من سبعة آلاف دونم من أراضي بيت لحم وحدها.  وتقع هذه الأراضي على الحدود الفاصلة بين بيت لحم والقدس، وبالتالي مُنع المواطنون من التواصل والتنقل، فضلا عن القضاء على أي مجال للتوسع السكاني والعمراني في تلك المنطقة.

وبالإضافة لما عانته بيت لحم من نهب وتآكل كبيرين لأراضيها الطبيعية، عبر عقود طويلة من الاحتلال، بما لا يتناسب مع الزيادة السكانية المتواصلة والتوسع العمراني في المحافظة، فقد ثبَّت الجدار وفاقم عملية نهب المياه الجوفية في المنطقة، فضلا عن عزل مساحات شاسعة من الأراضي الطبيعية.

كما يهدد الجدار تهديدا كبيرا الحياة البرية في منطقة بيت لحم، لأنه يشكل حاجزا غير طبيعي يمنع استمرار الحياة البرية الطبيعية بين الريف الشرقي والريف الغربي للمحافظة.  وبالفعل، أخذت أعداد متزايدة من الحيوانات البرية تنفق في أثناء محاولتها الانتقال ما بين المناطق الريفية في منطقة الفصل، وهي المنطقة التي يسميها البعض "منطقة الموت".

خلاصة واستنتاجات:

يعد الجدار العنصري عاملا مدمرا للأنظمة البيئية وللمعالم الطبيعية وللترابط بين المناطق المحمية وللقطاع الزراعي، وأداة لعزل عدد كبير من آبار المياه والينابيع الفلسطينية.  وليس الادعاء الإسرائيلي الأمني لإنشاء الجدار سوى ستار مضلل لإخفاء حقيقة الأهداف الجيوسياسية - الاستراتيجية الحقيقية المتمثلة أساسا في تخليد السيطرة على الموارد الطبيعية والمائية ونهبها.

وقد رُسِم مسار الجدار على مساحات شاسعة من الأراضي التي صودرت والتي تحوي، تحديدا، أكبر عدد من آبار المياه الجوفية وأفضلها جودة.  وذلك يعني مواصلة إسرائيل لعملية نهب كميات ضخمة من المياه الجوفية، في الوقت الذي لا يحصل فيه الفلسطينيون إلا على كمية قليلة من المياه ذات الجودة المتدنية.  كما ضم الجدار مساحات كبيرة من أخصب الأراضي الزراعية والغابات، ودمر بالتالي الطاقة الإنتاجية الكامنة للقطاع الزراعي الفلسطيني لصالح الإسرائيليين.

خلاصة القول، الجدار العنصري بما سببه من تجزئة أراضي الضفة الغربية إلى معازل منفصلة، وتكريسه نهب الموارد الطبيعية والمائية، يجعل من الحديث عن "تنمية اقتصادية وإنتاجية مستدامة" مجرد أوهام لا علاقة مادية لها بالواقع الكولونيالي الحقيقي.

 إن "استدامة" هذا الواقع الاستعماري البشع، تؤكد زيف شعاري "دولة فلسطينية مستقلة" و"دولتان لشعبين"، ليس فقط لأن هذين الشعارين، يعدان، تاريخيا، اختراعا صهيونيا، وهما شعاران وهميان غير قابلين للتطبيق، في ظل غياب كامل لمقومات "الدولة" وللسيادة السياسية والجغرافية والبيئية على الأرض والموارد المائية والحدود غير المرسومة أصلا، والتحكم الإسرائيلي المطلق في حركة قوة العمل والسلع والصادرات والواردات ورأس المال، بل لأنهما يهدفان، كولونياليا، إلى تثبيت وتكريس الوجود الاستعماري الاستيطاني الاقتلاعي في فلسطين.  لذا، فإن مواصلة الادعاء بالعمل على تحقيق هذين الشعارين، تعد، فعليا، تواطؤا لترسيخ المحمية الإسرائيلية (أي الضفة وغزة) التي يعمل الاحتلال بشكل منظم ومنهجي على تأصيلها وتخليدها، لتتحول إلى وجود بشري وبيئي مفتت وعدمي، لا يملك سوى الأراضي الجافة وغير الخصبة والمتصحرة، والمياه الشحيحة والملوثة أيضا من مياه  مجاري المستعمرات.

للأعلىé

 
     

 

التعليقات

 
 

الموضوع: رئيسي 1العدد14

التعليق

الايميل:zahlawiashraf@yahoo.com

 المسألة الجوهرية المثيرة في هذه المقالة هي الكشف عن أن أهم دوافع إنشاء

 الجدار العنصري تكمن في ضمان استمرار نهب المياه الفلسطينية.

 أ. زحلاوي


الموضوع: رئيسي 1العدد14

التعليق

الايميل: samerdir@yahoo.com

 الجانب القوى في هذه الدراسة هو عمق التخليل الشمولي والجدلي الذي يربط بين

 الكولونيالية بأبشع تجلياتها وتدمير الأنظمة البيئية الفلسطينية...إنها مدرسة

 تحليلية رائدة ومبتكرة..

 سامر الديراوي


لموضوع: رئيسي 1العدد14

التعليق

الايميل: imadsaken@gmail.com

 مجلة البيئة والتنمية الفلسطينية هي الوحيدة عربيا وفلسطينيا التي تربط بقوة

 ووضوح بين التدمير الإسرائيلي للبيئة والبعد الكولونيالي والأيديولوجي...

 إني أتفق مع هذا التوجه التحليلي تماما...

 عماد  الساكن


 

لموضوع: رئيسي 1 العدد14

التعليق

الايميل: samehbaw@hotmail.com

 الأستاذ جورج،

 كل الاحترام على منهجيتك ومثابرتك في التحليل العلمي الموضوعي الرصين

 والمؤثر..

 سامح بواردي


 

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟

 

 

الاسم:
بريدك الالكتروني:
:
التعليق:

 

 
     
 

 الآراء الواردة في مجلة "آفاق البيئة والتنمية" تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز معا أو المؤسسة الداعمة.