نظام التعليم والتدريب المهني والتقني

 

التدريب في موقع العمل بالضفة الغربية وقطاع غزة

واقع وآفاق

 

 

 

جورج كرزم 

 

2001

 

 

شكر وتقدير 

يتقدم طاقم الخبراء في التدريب المهني بشكره وتقديره إلى كل الذين أسهموا في إنجاز هذه الدراسة من أفراد ومؤسسات، ونخص بالذكر:

  

·  مدراء التعليم والتدريب المهني والتقني في وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والعمل، الأساتذة نصر عوض، عبد الله عفانة ومحمود نجوم.

·  مسؤولي ومدراء المدارس الثانوية المهنية ومراكز التدريب المهني وكليات المجتمع والمؤسسات العاملة في مجال التدريب المهني، الأساتذة أديب سليمان، تفيدة الجرباوي، خديجة شحادة عويضات، حسن القيق، حسام قصراوي، عدنان شلالدة، درويش أبو رجب وإياد جبر.

·  المسؤولين في مواقع العمل الذين لم يبخلوا بتزويد هذه الدراسة بالمعلومات والملاحظات المتعلقة بخبرتهم في التدريب بمنشآتهم.  ونخص بالذكر السادة محمد أديب محيي الدين العسلي، نورا البصير، فرج غنايم ويوسف حاج.

·  الباحثين الميدانيين:  جيوفاني عنبر ونديم الجمل وهشام الخطيب الذين بذلوا جهدا أساسيا في العمل الميداني وجمع المعلومات.

· الأستاذ مازن الحشوة (رئيس طاقم الخبراء في التدريب المهني) الذي ساهم في وضع إطار الدراسة ومراجعة وتقييمم مسودة الدراسة وإغناء محتواها.

·   وأخيرا، الباحث جورج كرزم الذي بذل جهدا علميا مميزا وكبيرا لإخراج هذه الدراسة إلى النور.

 

 

المحتويات 

قائمة المصفوفات

قائمة الأشكال

مقدمة

 

الفصل الأول:  التدريب في مواقع العمل (التجارب العالمية) 

          دور موقع العمل

            تشجيع أصحاب العمل على الانخراط في العملية التدريبية

            دعم نفقات التدريب

            التدريب لدى أصحاب العمل في القطاع العام

            التلمذة المهنية التقليدية

            الخبرات العالمية في مجال التدريب المهني والتقني في مواقع العمل:  أوروبا الوسطى

            التجربة الألمانية

            أنظمة وفوائد التعليم المهني في النظام الثنائي

            شروط ومعايير قيام المنشآت بالتدريب المهني

            النظام الثنائي:  شراكة بين المدرسة المهنية وموقع العمل

            تحديات النظام الثنائي للتعليم المهني

            كوريا الجنوبية

            إعادة بناء نظام العرض لقوة العمل التقنية

            نظام الشراكة بين المدرسة وموقع العمل

            النتائج المتوقعة من نظام "1 + 2"

            نحو تعزيز التعاون بين المدرسة والمصنع في كوريا الجنوبية

            كندا

            التلمذة المهنية بمقاطعة Alberta الكندية

            الأردن

            آليات تحديد المتدربين وتوزيعهم على مواقع العمل ومعايير اعتماد المنشآت

            النجاحات والإشكاليات

            شركة مصفاة البترول الأردنية

            مصر

            الشركة الهندسية لنظم العوادم في مدينة 6 أكتوبر

            أوجه التشابه والاختلاف بين تجارب التدريب بمواقع العمل في الدول الخمس:  ألماني، كوريا الجنوبية، كندا، الأردن ومصر               

           

 الفصل الثاني:  التدريب في مواقع العمل (الخبرة الفلسطينية)

            تجربة المدارس الثانوية المهنية الحكومية في التدريب الميداني

            تجربة مدرسة نابلس الثانوية الصناعية (الحكومية) في التدريب بموقع العمل

            تجربة المدرسة الصناعية الثانوية (لجنة اليتيم العربي / القدس)

            مراكز التدريب المهني التابعة لوزارة العمل

            مراكز التدريب التابعة لوكالة الغوث:  مركز تدريب مهني قلنديا نموذجا

            تدريب الخريجين في مواقع العمل:  تجربة جمعية الشبان المسيحية (برنامج تحسين قدرات المجتمع)

            كليات المجتمع الحكومية:  كليات فلسطين التقنية

            الكليات التابعة لوكالة الغوث الدولية:  كلية مجتمع المرأة برام الله (الطيرة) نموذجا

            اتحاد الغرف التجارية

            نماذج من المنشآت المدربة

            أولا:  شركة كهرباء القدس

            ثانيا:  مصلحة مياه محافظة رام الله والبيرة

            مستشفى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني / البيرة

            شركة قرش للسيارات

            خلاصة واستنتاجات

 

الفصل الثالث:  نظام التدريب في مواقع العمل لطلاب نظام التعليم والتدريب المهني والتقني في الضفة الغربية وقطاع غزة

            تحليل البيئتين الداخلية والخارجية لمؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني (في مجال التدريب الميداني)

            نظام التدريب الميداني لطلاب مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني

            أولا:  مدة وتوقيت التدريب الميداني

            ثانيا:  قانون التدريب المهني                                          

            ثالثا:  العلاقة بين مؤسسة التعليم المهني والمنشآت

            رابعا:  منهاج التدريب الميداني

            خامسا:  عقد التدريب الميداني

            سادسا:  مصدر الطلب على التدريب الميداني

            سابعا:  معايير اختيار المنشآت

            ثامنا:  مسؤولية العملية التدريبية

            تاسعا:  إدارة العملية التدريبية

            عاشرا:  التخطيط للعملية التدريبية

            أحد عشر:  آليات الإشراف والرقابة والمتابعة

            اثنا عشر:  تقييم المتدرب والعملية التدريبية

            ثلاثة عشر:  التقارير الدورية

            أربعة عشر:  الامتحانات ومنح الشهادات

            خمسة عشر:  نفقات التدريب والحوافز

            ستة عشر:  التوعية والدعم والنشاط الإعلامي

            سبعة عشر:  البنية التنظيمية والإدارية

            موجز آلية تنفيذ مشروع النظام الموحد للتدريب الميداني


 

قائمة المصفوفات 

رقم المصفوفة                                            العنوان                                                     

          السمات المشتركة للتدريب بمواقع العمل في ألمانيا، كوريا، كندا، الأردن ومصر                                

أوجه الاختلاف في تجارب التدريب بموقع العمل بين البلدان الخمسة السابقة

1          تحليل البيئة الداخلية لمؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني:  نقاط الضعف والقوة                       

2          تحليل البيئة الخارجية لمؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني:  التحديات والفرص

3          جوانب الضعف في تجربة التدريب الميداني بالضفة والقطاع

4           جوانب القوة في تجربة التدريب الميداني بالضفة والقطاع


 

 

قائمة الأشكال 

  رقم الشكل                                            العنوان

1                                             هيكلية إدارة النظام الموحد للتدريب في مواقع العمل                              

2                                             الهيكلية الإدارية لنظام التدريب الميداني في المؤسسات التعليمية

 

 مقدمة

 

يكمن القصور الرئيسي في نظام التعليم والتدريب المهني والتقني الفلسطيني بشكل عام، وفي تجربة التدريب الميداني بشكل خاص، في افتقار الطلاب إلى الخبرة والمعرفة العملية الكافية التي تمكنهم من الأداء المهني الناجح.  الأمر الذي يؤكد بأن قصر فترة التدريب بمواقع العمل وعدم وجود نظام فلسطيني ينظم هذا التدريب يحدان من فوائد العملية التدريبية برمتها.  وينعكس هذا الأمر في واقع عدم اقتناع العديد من أصحاب العمل (في المشاريع الصناعية والخدماتية) أو فقدان ثقتهم بمستوى التدريب في نظام التعليم والتدريب المهني والتقني.  لهذا، يعتقد بعض أصحاب العمل بأنهم مضطرون لتشغيل عمال في منشآتهم بمؤهلات مهنية أقل من المستوى المطلوب. 

 

وفي الواقع الفلسطيني بالضفة والقطاع، حيث التشوه الاقتصادي القسري (بفعل الاحتلال) ونسبة البطالة المرتفعة ومحدودية الموارد المتاحة، يفترض أن يساهم الاستثمار في التعليم والتدريب المهني والتقني في تنمية الاقتصاد الفلسطيني الكلي.  من هنا، فإن الاستثمار في تطوير نظام التعليم والتدريب المهني بشكل عام، والتدريب في مواقع العمل بشكل خاص، يفترض أن يؤدي بالنتيجة إلى إحداث زيادة كبيرة في عدد الطلاب الملتحقين بهذا النظام وفي نسبة خريجي النظام المنخرطين في سوق العمل.  خاصة وأن معظم طلاب المرحلة الثانوية في الضفة والقطاع يتوجه حاليا للفروع النظرية (الأكاديمية)، وكذلك الحال فيما يتعلق بالتعليم فوق الثانوي.  وبالمقابل، ظل التعليم والتدريب المهني والتقني متخلفا، ونسبة الطلاب الملتحقين به متدنية، ولا تتجاوز، في أحسن الحالات نسبة 4% من إجمالي طلاب المدارس الثانوية. 

 

وللمقارنة، نشير إلى أن نسبة الطلاب اليهود في التعليم الأكاديمي في "إسرائيل" تساوي تقريبا نسبة الطلاب في التعليم المهني (في أوائل التسعينيات كانت نسبة الطلاب اليهود في التعليم المهني نحو 47% من مجمل الطلاب اليهود في التعليم الثانوي، وذلك بعكس القطاع العربي في "إسرائيل"، حيث لا تزال الهيمنة المطلقة للتعليم الأكاديمي.  وفي الثمانينيات كانت الهيمنة المطلقة في جهاز التعليم اليهودي للتعليم المهني).  

وكما سنرى في الفصل الأول من هذه الدراسة، يحتل التعليم والتدريب المهني والتقني في دول أوروبا الوسطى مكانة أساسية في الأنظمة التعليمية، حيث يتجاوز، في كل الحالات، عدد الطلاب في هذا التعليم 50% من إجمالي عدد طلاب التعليم الثانوي.

 

وبالرغم من ضعف نظام التعليم والتدريب المهني والتقني الفلسطيني، فإن نسبة الذين يجدون فرص عمل بعد تخرجهم (بأشهر قليلة) من هذا النظام، عالية نسبيا (أكثر من 65%)، بينما أكثر من 70% من خريجي الجامعات يظلون عاطلين عن العمل[1].

 

ولو أخذنا بعين الاعتبار حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي، كما هو واضح منذ الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 بشكل عام، ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى المجيدة بشكل خاص، فإن التعامل المنطقي والمهني مع الواقع الفلسطيني، يتطلب بلورة نظام تعليم وتدريب يتسم بالمرونة العالية ويستطيع التعامل مع حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي وبالتالي عدم الاستقرار في سوق العمل.  وقد تم تحقيق هذا الأمر، نظريا، من خلال استراتيجية التعليم والتدريب المهني والتقني (خطة التنفيذ) التي تم إقرارها عام 1999، والتي أقرت بناء المناهج استنادا إلى أسلوب الوحدات المنهجية المتكاملة (Modules) الذي يعتمد على قدرة المتدرب على إنجاز أعمال ومهارات محددة، بغض النظر عن الفترة الزمنية التي يستغرقها التدريب.  

 

إن تأهيل العمال المهرة والفنيين والمتخصصين يشكل عاملا أساسيا في دفع العملية التنموية الإنتاجية إلى الأمام.  من هنا تأتي أهمية التعليم المهني والتقني بشكل عام، وأهمية التركيز على المهارات العملية المتجاوبة مع احتياجات السوق بشكل خاص.  وهذا يعني ضرورة إجراء تغييرات نوعية في مضمون وشكل نظام التعليم والتدريب المهني والتقني، بما في ذلك التدريب في مواقع العمل.  وفي المحصلة، لا بد من توفير الخبرات الفلسطينية والكفاءات المحلية والمؤهلين تقنيا وفنيا للمبادر المحلي الذي قد يسعى لتأسيس مشروع إنتاجي أو صناعي، وبالتالي الارتقاء بالإنتاجية وجودة الإنتاج.    

 

وعلى ضؤ التوسع الحاصل في الإدارات الحكومية، فضلا عن زيادة القدرة التشغيلية للقطاع الخاص ولقطاعات الخدمات العامة والشعبية (بما في ذلك التعليم)، فيصبح من الضروري التوسع في التعليم والتدريب المهني ورفع مستواه، شكلا ومضمونا، من ناحية عدد المدارس ومراكز التدريب والكليات المهنية ونوعية المهن التكنولوجية – الصناعية وعدد التخصصات.  ومن هنا تأتي أهمية تحول التدريب في مواقع العمل إلى مكون أساسي من مكونات نظام التعليم والتدريب المهني والتقني الفلسطيني، وما يعنيه ذلك من التركيز على التعلم من التجربة أي على الجوانب التطبيقية والعملية في سوق العمل.

وفي ظل انتفاضة الأقصى المجيدة، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة، حيث ثبت بأن الاحتلال استهدف ويستهدف تدمير ما تبقى من القطاعات الفلسطينية الإنتاجية، وفي المحصلة تثبيت وتعميق إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الصهيوني وتحويله إلى سوق استهلاكية للسلع الأجنبية، وبالمقابل تصدير العمالة الفلسطينية الرخيصة إلى سوق العمل الصهيوني، وما يعنيه كل ذلك من خنق أية محاولة لتأسيس اقتصاد وطني مستقل. 

 

لهذا، إذا أردنا العمل الجدي على تنمية المقومات الاقتصادية المعتمدة على الذات والضرورية للتخلص من التبعية للاقتصاد الصهيوني، وبالتالي تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في بناء اقتصاد وطني مستقل وقادر على تشغيل قوة العمل المحلية، فلا بد من رسم وتنفيذ الخطط المتوسطة والطويلة الأجل على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وغيرها، بحيث تتواصل هذه الخطط وتضع ضمن أولوياتها إحداث التغيير الجذري والشامل في بنية الاقتصاد الفلسطيني بكافة قطاعاته.  ومن هنا تأتي أهمية إصلاح الخلل في هيكلية نظام التعليم بشكل عام، ونظام التعليم والتدريب المهني والتقني بشكل خاص، ذلك النظام الذي لابد أن يسهم، في نهاية المطاف، في بناء وتطوير القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة)، فضلا عن مشاريع الإسكان الشعبي والخدمات الاجتماعية الأساسية كالتعليم والصحة ومشاريع البنية التحتية.

 

استنادا إلى كل ما ورد، فإن النظام المقترح للتدريب في مواقع العمل، في هذه الدراسة، يأتي منسجما مع استراتيجية التعليم والتدريب المهني والتقني التي أقرت في العام 1999.  ويتجسد جوهر هذا النظام في ضرورة مشاركة أصحاب العمل والعمال مشاركة فعالة في العملية التدريبية، بما يعنيه ذلك من لعب دور في  التخطيط ورسم السياسات التدريبية وتحديد احتياجات التدريب وبلورة المناهج والإشراف وتنفيذ التدريب. 

 الإطار النظري والمنهجي للدراسة

 الإطار النظري:

يعتبر التساؤل حول حجم مشاركة كل من نظام التعليم الرسمي ومواقع العمل في تحمل مسؤولية الإعداد المهني والتقني لطلبة نظام التعليم والتدريب المهني والتقني، مسألة أساسية، وخاصة في الدول النامية.

وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد أولا من تعريف "الإعداد المهني" الذي بإمكاننا تعريفه تعريفا عاما كما يلي:

هو عبارة عن "أي نوع أو مستوى من التعليم والتدريب المتاح للفرد لإعداده لمهنة المستقبل". 

واستنادا إلى هذا التعريف بإمكاننا تصنيف التعليم العالي أيضا، وليس فقط التعليم المدرسي المهني والتقني، في إطار الإعداد المهني، باعتبار أن التعليم العالي يعنى بإعداد الاختصاصيين والتقنيين في المستويات العليا.

 

ولأهداف هذه الدراسة، سنقتصر على معالجة مسألة الإعداد المهني في نطاق النظام المؤسسي التعليمي والتدريبي المهني والتقني الرسمي في المستوى الثانوي وفوق الثانوي (كليات المجتمع وما شابه)، فضلا عن التدريب المهني والتقني شبه الرسمي في مراكز التدريب التابعة للوزارات والوكالات والجمعيات  والمراكز الخاصة والأهلية.

 

بداية، لابد من التنويه إلى الفارق الجوهري والنوعي بين هيكيلة النظام التعليمي ومأسسته وتنظيمه في الدول الغربية الصناعية المتقدمة من ناحية، وبين هذه الهيكلية في الدول النامية (دول الجنوب أو دول العالم الثالث) من ناحية أخرى.

فما يميز الدول الأوروبية الصناعية، أن التطورات الصناعية التي أعقبت الثورة الصناعية فيها، سبقت هيكلة النظام التعليمي ومأسسته.  إذ كان أصحاب العمل في المانيفاكتورة ومواقع العمل والمنشآت يتولون مهمة إعداد التلاميذ لممارسة العمل المهني في مستوياته الأساسية.  ومن هنا، فإن الإعداد المهني والتقني في مواقع العمل بالدول الصناعية المتطورة يعتبر من المسلمات، بل إنه مكون بنيوي في نظام التعليم والتدريب المهني والتقني الأوروبي.

 

وبعكس ذلك، تبلورت بنية النظام التعليمي ومأسسته، في معظم الدول النامية التي تخلفت في تطورها الصناعي، في مرحلة تاريخية سابقة لتطورها الصناعي، الأمر الذي أدى بالمؤسسة التعليمية إلى القيام بعملية الإعداد المهني، وبالتالي تفردت تلك المؤسسة في وضع النظم والمعايير الخاصة بعملية الإعداد المهني.  وفي المحصلة، شكل النظام التعليمي في الدول النامية ولا يزال يشكل، مزود القوى البشرية المدربة الأساسي لمواقع العمل والمنشآت الصناعية.        

 

المسألة المتفق عليها، أن المدارس الثانوية الأكاديمية تعتبر مواقع لإعداد الطلاب للتعليم العالي.  إلا أن الهدف النهائي (عمليا) من التعليم الأكاديمي أو المهني/ التقني، هو، باعتقادنا، إعداد العمالة بتخصصاتها ومستوياتها العلمية والمهنية المختلفة لسوق العمل، وبالتالي من المنطقي جدا أن تعمل (المدارس) جنبا إلى جنب مع المنشآت والمصانع ومواقع العمل إجمالا، على إعداد الناشئة للأعمال التي يتوقع أن تمارسها مستفبلا.  إذ أن المدارس، غالبا ما تنسى، بأن الخطوة التالية بالنسبة لمعظم الطلاب في المرحلة الأخيرة للدراسة، تتمثل في البحث عن عمل وليس مزيدا من التعليم المدرسي.

 

وهنا تأتي أهمية تحديد أدوار كل من المدرسة وموقع العمل في نظام التعليم والتدريب المهني والتقني، آخذين بعين الاعتبار المعايير الأساسية التي تحدد إطار هذه الأدوار وأبعادها.  ناهيك عن تحديد الشروط اللازمة لتقييم مدى انتماء نظام التعليم والتدريب المهني والتقني للمدرسة أو لموقع العمل.  وبإمكاننا إيجاز أهم النقاط التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار بما يلي:

أ‌)  الجهة المسؤولة عن التخطيط ورسم السياسات في نظام التعليم والتدريب المهني والتقني، بالتالي مدى تأثر النظام التعليمي والتدريبي بالأهداف التربوية وبالمعايير الاقتصادية واحتياجات السوق والقوى البشرية.

ب‌)  مكان تنفيذ الجانب التطبيقي في برامج الإعداد المهني، في موقع العمل ومن خلال التدرب في البيئة الحقيقية للعمل، أم بين جدران المدرسة بعيدا عن موقع العمل.    

ت‌)   محتوى التعليم المهني ونسب وطبيعة كل من المكونات المهنية أو التقنية المتخصصة والمكونات الثقافية العامة.

ث‌)   مكانة الدارس أو المتدرب من حيث اعتباره طالبا في المرحلة المدرسية المتخصصة، أم مستخدما بأجر تحت التدريب.

ج‌)   مصادر تمويل عميلة الإعداد المهني والتقني:  الموازنة الحكومية أم أصحاب العمل والمنشآت أم كلاهما.

 

استنادا إلى المعايير السابقة، فقد يكون التعليم المهني مهمة مدرسية (تربوية)، بما في ذلك تحديد المحتوى العام والأهداف والمستويات والمعايير والتحكم بها.  لكن، فيما يتعلق بالمهارات العملية، فلا بد أن يطبق، وإلى حد كبير، في موقع العمل. 

والافتراض بأن الإعداد المهني (المهاراتي العملي) هو أساسا من مسؤوليات المنشآت ومواقع العمل، يعني بأن على مواقع العمل تحمل المسؤولية الأساسية في تحديد أهداف الإعداد المهني العملي ومضمونه ومعاييره ومستوياته، حتى وإن لم ينفذ، أحيانا، في مواقع العمل نفسها، بل في مدارس منفصلة أو ملحقة بمواقع العمل.  بمعنى أن المعيار الأساسي، في هذا السياق، هو مدى انسجام عملية الإعداد المهني والتقني مع الأهداف والاعتبارات التربوية من ناحية، أو مع متطلبات وواقع وحقائق مواقع العمل ومعاييرها من ناحية أخرى.

وبشكل عام، فإن طلاب الدول النامية الذين يتخرجون من نظام التعليم المهني والتقني، يتلقون تعليما بطبيعة ومحتوى ونهج ذات جذور في النظام التعليمي وبالتالي يشكل امتدادا لنشاط المدرسة وغير منبثق من هيكل العمل المهني ولا جذور له في مواقع العمل الصناعية والزراعية والتجارية.

 

وباختصار، فإن المدرسة التي تدافع عن الإعداد المهني باعتباره مهمة مدرسية أساسا، تؤكد ضمنا بأن هذا الإعداد يشكل جزءا أساسيا من البنية التعليمية (وغالبا الجزء الأكثر هشاشة) ويتطلب مستوى تعليمي معين كشرط مسبق ويرتبط (ارتباطا ضعيفا عل الأغلب) بالمستويات التعليمية الأعلى وبالتالي فهو لا يشكل مكونا من مكونات بنية نظام تعليمي مهني مبني على موقع العمل.  وبخلاف ذلك، فإن المدرسة التي تدافع عن الإعداد المهني باعتباره جزء من مهام موقع العمل أساسا، تعتبر ضمنا، بأن هذا الإعداد موجه بشكل رئيسي نحو متطلبات المهنة وبالتالي فإن الخلفية التعليمية المعينة لابد أن تكون من متطلبات مواقع العمل أو من متطلبات التعليم الإلزامي وليست بالضرورة متطلبا مسبقا، علما بأن الإعداد المهني المنبثق من مواقع العمل يكون متخصصا ومحدودا ويحتل فيه عنصر التعليم العام مكانة هامشية.

 أهداف الدراسة:

·  الهدف الرئيسي: بلورة نظام (مقترح) للتدريب في مواقع العمل لطلاب نظام التعليم والتدريب المهني والتقني في الضفة الغربية وقطاع غزة.  ويشمل النظام (المقترح) المدارس الثانوية المهنية وكليات المجتمع ومراكز التدريب المهني.

· الأهداف الفرعية:

1)  استعراض ونقاش مكثفين لبعض التجارب والخبرات العربية والعالمية في مجال التدريب بمواقع العمل.

2)      توثيق وتحليل الخبرة الفلسطينية في مجال التدريب بمواقع العمل.

 

المنهجية ووسائل البحث:

أولا:  المنهجية

نظرا لشح المعلومات المتعلقة بحجم وعدد مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني الفلسطينية التي تطبق (ولو بمستوى متواضع) التدريب بمواقع العمل، ونظرا للنقص الواضح في الأدبيات المتعلقة بهذا المجال، وغياب الدراسات الهادفة إلى توثيق ومعالجة التدريب الميداني في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن عملية جمع المعلومات في هذه الدراسة ارتكزت، بشكل أساسي، على مقابلات مع بعض المسؤولين في مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني بالضفة والقطاع، فضلا عن مقابلات مع بعض أصحاب العمل الذين ساهموا في تدريب الطلاب بمنشآتهم، وأخيرا مقابلات مع بعض الطلاب المتدربين (أثناء إعداد الدراسة) أو الخريجين الذين تدربوا سابقا في مواقع العمل.

وقد تم اختيار المؤسسات التعليمية لتغطي كافة المستويات التعليمية المهنية (المدارس الثانوية، مراكز التدريب المهني وكليات المجتمع الحكومية وغير الحكومية).

 

وقبل البدء في عملية جمع المعلومات من المؤسسات التعليمية والمنشآت المبحوثة، تم تنفيذ ما يلي:

1)    مراجعة الأدبيات الفلسطينية والعربية والأجنبية المتعلقة بالتدريب في مواقع العمل.

2)    مراجعة النشرات والتقارير الصادرة عن بعض مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني، والمرتبطة بالتدريب في مواقع العمل.

 

ثانيا:  وسيلة البحث

بهدف جمع المعلومات الوصفية ذات الصلة بخبرات المؤسسات التعليمية والمنشآت في مجال التدريب الميداني، فقد تم اتباع وسيلة الأسئلة غير الموجهة، وذلك من خلال مقابلة المسؤولين في المؤسسات والمنشآت المبحوثة للحصول منهم على المعلومات.  وقد تمت المقابلات التي نفذتها مجموعة من الباحثين الميدانيين، بشكل فردي وجماعي، بحيث تم تسجيل محتوياتها (في مسجل صوت) ومن ثم أعيد تفريغها بعد المقابلات.

وقد تضمنت المقابلات مع المبحوثين أسئلة عامة حول مسألة التدريب الميداني (تعريف، أهداف، مواقف ورؤى عامة) وأسئلة خاصة تتعلق بمجالات التدريب الميداني، مصدر الطلب عليه، معايير اختيار المنشآت، محتوى وطبيعة التدريب في مواقع العمل، آليات المتابعة والإشراف والرقابة والتقييم، نظرة صاحب العمل للمتدرب، جدوى التدريب الميداني، التكاليف وغير ذلك من المسائل ذات الصلة.

 

واستنادا إلى تجارب بعض الدول في التدريب الميداني والمعلومات التي تم جمعها من بعض الجهات الفلسطينية المعنية (حول تجربة التدريب الميداني الفلسطيني في المدارس الثانوية المهنية ومراكز التدريب المهني وكليات المجتمع) فقد تم اشتقاق مجموعة من المصفوفات التي توضح جوانب الضعف والقوة في تجربة التدريب الميداني بالضفة والقطاع.  ومن ثم، استنادا إلى هذه المصفوفات، تم اشتقاق مصفوفات إضافية تتعلق بتحليل (SWOT) للبيئتين الداخلية والخارجية (المرتبطتين بالتدريب الميداني) لمؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني، وتلخص هذه المصفوفات نقاط الضعف في البيئتين الداخلية والخارجية وكيفية التعامل معها بهدف تجاوزها، فضلا عن تركيز أهم نقاط القوة وكيفية تعزيزها والبناء عليها.

واستنادا إلى المصفوفات المذكورة، تم اشتقاق النظام المقترح للتدريب الميداني الهادف إلى رفع مستوى الإعداد المهني لطلاب نظام التعليم والتدريب المهني والتقني في الضفة والقطاع.

 

مبنى (هيكلية) الدراسة:

قسمت الدراسة إلى ثلاثة فصول كما يلي:

الفصل الأول:  مراجعة تحليلية للأدبيات العربية والأجنبية المتوفرة حول موضوع التدريب بمواقع العمل، على المستويين العربي والعالمي.

الفصل الثاني:  عرض ونقاش وتحليل المعطيات والمعلومات التي تم جمعها من المؤسسات التعليمية والمنشآت الاقتصادية الفلسطينية المبحوثة.

الفصل الثالث:  بلورة التصور المقترح لنظام التدريب في مواقع العمل لطلاب نظام التعليم والتدريب المهني والتقني في الضفة والقطاع.

 

الفصل الأول

التدريب في مواقع العمل:  التجارب العالمية

دور موقع العمل

 تميزت بعض فروع الصناعة الأوروبية، تقليديا، بانخراطها القوي في نظام التعليم المهني والتقني، بحيث شكلت التلمذة المهنية العمود الفقري في العلاقة بين النظام التعليمي (والتدريبي) وأصحاب العمل.  وقد سعت العديد من الدول إلى توسيع أنظمة التلمذة المهنية إلى مجالات صناعية جديدة، مع الحرص على جعل هذه الأنظمة قادرة على تطوير مهارات وكفاءات مهنية وتقنية عملية.  إلا أن عملية التوسع في مجالات التلمذة المهنية اتسمت بالبطء ولم تأخذ بعين الاعتبار مرحلة التطور التي وصلتها العديد من الصناعات والمنشآت الاقتصادية.

لكن، الأهم من ذلك، أن دعم عملية التلمذة المهنية أو التدريب مكلف بالنسبة إلى المنشآت وخاصة الصغيرة منها والتي تكون مواردها الاحتياطية، بالعادة، قليلة.  وبما أن هناك احتمال قائم بأن لا يعمل المتدرب، في نهاية فترة التلمذة المهنية، في نفس المنشأة التي دربته، فيوجد، إذن، مبرر قوي لتوفير بعض الحوافز للمنشأة.      

إن حقيقة كون 80% من قوة العمل، في العديد من الدول، يعمل في منشآت يبلغ عدد المستخدمين فيها عشرين أو أقل[2]، تبرز مسألة حاسمة تتمثل في ضرورة ولوج المنشآت الصغيرة إلى ميدان التدريب، الأمر لذي سيؤثر بشكل كبير على جودة التدريب. 

ولموازاة تركيزها على التطوير الصناعي، تشجع دول عديدة القطاع الخاص على المساهمة في عملية التدريب المهني والتقني، الأمر الذي يرفع من فعالية العملية التدريبية، بالمقارنة مع التدريب الحكومي، والأهم من ذلك يقدم فرصا حقيقية للطالب المتدرب ولصاحب العمل في آن معا، علما بأن هذا التوجه يخلق سوقا للتدريب يتضمن تعليما وتدريبا يهدفان إلى تطوير نوعية وجودة الصناعة الوطنية.

وعندما يبدأ السوق في لعب دور أساسي في العملية التدريبية، فقد تبرز بعض التخوفات المشروعة حول إمكانية أن يصاب التعليم والتدريب المهني والتقني بالوهن، مما يستوجب ضمان ما يلي[3]:

1)    جودة وفعالية التدريب المقدم

2)    توفير خيارات حقيقية للمستهدفين

3)   استمرار توفير الإعداد المهني والتقني في الحالات التي يبدو أنه غير مجد اقتصاديا، كما في حالات التدريب في البلدات أو المدن الصغيرة والمناطق النائية.                                 

وبإمكاننا إيجاز المبادىء العامة التي تحكم العلاقات بين نظام التعليم والتدريب المهني / التقني وبين مواقع العمل، والتي (أي المبادىء) تنطبق عموما على مختلف الدول، بما يلي[4]:

·   التقاسم العادل لتكاليف التدريب بين الأفراد وأصحاب العمل والحكومة.

·   زيادة حصة مواقع العمل في ملكيتها لنظام التدريب، وتعزيز مشاركة كل المعنيين في القرارات الأساسية المتعلقة بهذا النظام.

·   توسيع فرص التدريب بحيث تشمل كل قوى العمل وتلبي احتياجات كل المنشآت بأعلى قدر ممكن من المساواة.

·   ضمان تطبيق اعتبارات المساواة  والتدريب للجميع.

·  توفير إطار وطني يعمل من خلاله نظام التدريب.                                                                                          

واستنادا إلى ما ورد، بإمكاننا القول إن موقع العمل يعتبر المنظم الرئيسي لعملية الإعداد المهني الذي يصبح بالتالي جزءا لا يتجزأ من نشاطات المنشأة ومسؤوليات صاحب العمل، والتي (أي المسؤوليات) تشمل رسم السياسات وتحديد المعايير والمضمون والمستويات.

أما برنامج التدريب المهني والتقني فقد ينفذ بشكل كامل في موقع العمل، أو في المنشأة وخارجها ضمن نظام مشترك.   ويفترض، من الناحية العملية، الحصول على كل أو معظم المهارات العملية في موقع العمل الذي لا بد أن يتحمل التكلفة المباشرة وغير المباشرة.  كما يتم التعامل مع المتدرب باعتباره "مستخدما تحت التدريب".

وبشكل عام، تتميز أنظمة الإعداد المهني القائمة على موقع العمل، بأنها مجدية اقتصاديا أكثر من تلك المبنية على النظام المدرسي، نظرا لقيام المتدرب بأعمال إنتاجية، من ناحية، والاستفادة من التسهيلات المتوفرة في موقع العمل بدل شراء وتأسيس أخرى جديدة، من ناحية أخرى.

وتكمن الفلسفة الأساسية وراء التدريب في مواقع العمل في أن التدريب مرتبط أساسا ببنية وتنظيم القطاعات الاقتصادية من صناعة وزراعة وتجارة وإدارة وغيرها، حيث في هذه القطاعات بالذات سيمارس المتدرب، في نهاية تأهيله المهني، عمله الحقيقي.  وبالتالي لا جدوى ولا مكان يذكران من التدريب في المدرسة العامة أو الكلية أو الجامعة.  ومن ناحية مهاراتية عملية، فإن موقع أو دور المدرسة، غالبا ما يكون هشا، عندما تبرز متطلبات أو حاجات تدريبية جديدة، خاصة وأن تسهيلات التدريب المدرسية (الأبنية، والمعدات والأجهزة والمعلمين)، بعد مرور فترة على تأسيسها، يصعب الاستفادة الفعالة منها (بدون خسارة جدية) لبرامج مهنية وتقنية جديدة ومختلفة عن سابقاتها.

علاوة عن ذلك، وبعكس التدريب في المنشآت، فإن برامج التدريب المدرسية، كثيرا ما تخرج متدربين في مهنة معينة، يبحثون عن عمل ويجدونه في مهنة أخرى.  وذلك لأن الإعداد المهني / التقني في النظام المدرسي لا ينسجم مع أهداف ومتطلبات البيئة الحقيقية للعمل في المنشآت.  بينما نجد الإعداد المهني في المنشأة أكثر مرونة ويسهل عملية الانتقال من المدرسة إلى موقع العمل، ويتميز بسرعة التجاوب مع المتطلبات التدريبية المستجدة.  وفي هذه الحالة، لا بد أن تقتصر مهمة النظام التعليمي على تعليم ما لا يمكن تعلمه في موقع العمل، أي تعليم الثقافة العامة والجوانب ذات العلاقة بالمواطنة.

ومن المفيد الإشارة إلى أن العديد من الدول الصناعية كألمانيا والنمسا وسويسرا وبريطانيا وغيرها تتبنى نظام الإعداد المهني والتقني المبني على موقع العمل، وإن بدرجات متفاوتة من البنية النظامية.  وفي مثل هذا النظام، غالبا ما يختار أصحاب العمل المتدربين الذين أنهوا تعليمهم الإلزامي في السن المنصوص عليه في تشريعات التعليم والعمل.  كما يتميز النظام الذي يعرف أيضا بنظام التلمذة المهنية، ببنية نظامية متقدمة، تتضمن معايير ومستويات وأنظمة محددة لتقييم الأداء ومهارات عملية ومعارف نظرية مكملة للتدريب وبمحتوى محكم التصميم، فضلا عن بعض التعليم العام.

ويعتمد مدى نجاح نظام التلمذة المهنية على توفر حد أدنى من القطاعات الإنتاجية المتطورة، مع ما يعنيه ذلك من بنية تحتية اقتصادية واجتماعية جيدة.      

والسؤال الهام الذي لا بد من الإجابة عليه لاحقا في سياق هذه الدراسة، هو:  كيف يمكننا التأكد من أن صاحب العمل سيوفر للمتدرب في موقع العمل ما هو مفيد وفي مصلحة الأخير أساسا، وليس ما هو في مصلحة المنشأة بالدرجة الأولى؟ 

بشكل عام، فإن الكثير من المنشآت الصغيرة لا تستطيع تخصيص عدد الساعات المطلوبة للتدريب الصرف، ويتم التعامل مع التلميذ المهني باعتباره مستخدما وليس متدربا.  بمعنى أن صاحب العمل، في هذه الحالة، يقوم بربط الإنتاجية باحتياجاته، وبالتالي فإن مدى ونوعية التدريب المقدم يكونان، غالبا، أقل بكثير من المطلوب حسب برامج التدريب.

وحيث أن مصلحة صاحب العمل المتمثلة في ضمان تكلفة عمل منخفضة، لا تتوافق دائما مع توفير فرص تدريب مناسبة في موقع العمل، فلا بد أن تكون برامج التدريب في مواقع العمل تحت إشراف ورقابة جهة واحدة تمثل كل الأطراف المعنية.  وتبدأ مسؤولية هذه الجهة منذ اللحظة التي يتحول فيها المتدرب إلى تلميذ مهني في المنشأة وحتى تخرج التلميذ من برنامج التدريب.  ومن الضروري وجود شكل ما من المحاسبة، لما فيه منفعة المتدرب.  لهذا، يحبذ منح الجهة المشرفة على التلمذة المهنية في مواقع العمل مسؤولية الرقابة الفعلية على برامج التدريب وعلى تثبيت المتدربين في المنشآت المختلفة.  وإذا ما تم التعامل مع نشاط المتدرب في موقع العمل باعتباره تدريبا، فلا بد لنفس الجهة المشرفة والمراقبة أن تتابع بشكل منظم ومتواصل عملية التلمذة المهنية، لضمان اكتساب التلميذ كامل الخبرات والمهارات العملية المخطط لها.  وباختصار، فإن متطلبات العمل الخاصة بصاحب العمل لا بد أن تكون ثانوية أمام متطلبات التدريب الخاصة بالتلميذ المهني.       

وفي كل الأحوال، يحتاج التأثير على منهاج الدراسة والتدريب في موقع العمل إلى البحث والنقاش المكثفين مع كل الأطراف ذوي العلاقة.  والمسألة الأساسية هي تحديد الأمور التي يتعلمها المتدرب بشكل أفضل في موقع العمل، وتلك التي يفضل تدريسها في إطار تعليمي رسمي مع الأستاذ ومجموعة من الطلاب ذوي خلفيات وخبرات عملية متنوعة، علما بأن صاحب العمل لا يرغب، في العادة، بدعم برنامج تعليمي عام في تطبيقاته، أو يؤدي إلى أن يجد المتدرب عملا أفضل لدى صاحب عمل آخر.

 

تشجيع أصحاب العمل على الانخراط في العملية التدريبية

تتفق الدول الصناعية على ضرورة إشراك القطاع الخاص في عملية التعليم والتدريب المهني والتقني، سواء بتوفير التدريب أم بتمويله.  وإجمالا، لا تحدد تلك الدول مضامين ومستويات التعليم والتدريب تحديدا قاطعا، وإنما يترك هامشا للتعديلات ولإدخال متطلبات جديدة تنسجم مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية المتواصلة.  وبالإضافة لقضاء الطالب بضعة أيام أسبوعيا في المدرسة المهنية يتعلم ويتدرب فيها على معدات وأجهزة ربما تكون قديمة أو لا تتناسب مع التكنولوجيا الحديثة والمتطورة باستمرار، يتدرب باقي أيام الأسبوع في مواقع العمل بالمؤسسات الإنتاجية، على أحدث الأجهزة والآلات وبالتالي يكتسب الخبرات والمهارات العملية التي تؤهله في المستقبل لممارسة مهنته في البيئة الحقيقية للعمل، فضلا عن إمكانية عمله، بعد انتهاء فترة التدريب، في نفس المنشأة التي تدرب فيها.     

أما المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تنقصها الإمكانيات لتقديم كامل التدريب المطلوب، فتستفيد من البرامج التدريبية التي تقدمها منشآت أخرى، وبالتالي إكمال النقص التدريبي.

وفي أغلب الأحيان، يقدم أصحاب العمل في الدول الصناعية التدريب المهني والتقني بشكل طوعي وعلى نفقتهم الخاصة، لأنهم على قناعة بأنهم عندما ينشؤون قوى عاملة مدربة في شركاتهم، إنما يعملون على رفع مستوى إنتاجية المنشأة وطاقتها على المنافسة.  إذ أن تدريب التلميذ المهني في موقع العمل يتيح له المجال للتدرب على السمات التخصصية والفنية للمنشأة، فضلا عن تعرف القائمين على الشركة على إنجازات المتدرب المهنية وطريقة عمله وشخصيته، الأمر الذي يعتبر أساسيا في قرار الشركة بتوظيفه لديها بعد انتهاء فترة التدريب.

وبالرغم من أن التدريب في المنشأة قد يكون مكلفا لصاحب العمل، إلا أن الأخير يستفيد أيضا باعتبار أن المتدرب ينجز أعمالا وينتج، بالإضافة إلى تعلمه.  وتكمن مجازفة صاحب العمل في أن المتدرب الذي تم تدريبه في منشأته قد يتركها بعد انتهاء فترة التدريب، إلا أن الأخيرة تستطيع تشغيل عمال تدربوا في منشآت أخرى (فائض متدربين).  بمعنى أن التعليم والتدريب المهني والتقني يعتبران مسألة اقتصادية ومهنية وطنية عامة، تهم كافة فروع الاقتصاد.  وتتشارك كافة الأطراف المعنية في التعليم والتدريب المهني والتقني، وهي الحكومة وأصحاب العمل والعمال، في عمليات التخطيط والتنفيذ والتطوير، انطلاقا من وضع المصالح العامة للبلد فوق المصالح الشخصية.

لقد بينت التجربة أنه كلما كانت مساهمة مواقع العمل في التعليم والتدريب أكبر، كلما كان تأمين المهارات العملية اللازمة للاقتصاد أكبر.  وبما أن "اقتصاد السوق" هو السائد في الدول الغربية ومعظم الدول النامية، فهذا يعني أن بنية هذا الاقتصاد مرتبطة بالمنافسة (بما في ذلك الاقتصاد التصديري المرتبط بالمنافسة العالمية)، وبالتالي لا بد لنظام التعليم والتدريب المهني والتقني أن يكون مجديا اقتصاديا وغير مكلف ومرن، ليتمكن من التجاوب مع متطلبات واحتياجات السوق من تخصصات مهارات الموارد البشرية.

وبعكس العديد من الدول الصناعية وحتى الآسيوية التي تعتمد فيها أنظمة التعليم والتدريب على التجاوب مع حاجات السوق وبالتالي خلق الحوافز لمشاركة المنشآت الإنتاجية في تلك الأنظمة، لم تعتمد أنظمة التعليم والتدريب السائدة في غالبية الدول العربية على هدف التجاوب مع احتياجات السوق.  ففي تونس على سبيل المثال، وبالرغم من احتواء نظام التعليم المهني والتقني على تدريب في مواقع العمل في المنشآت العامة والخاصة (حصة القطاع العام أكبر)، إلا أن هدف التجاوب مع احتياجات السوق لم يكن ضمن أولويات النظام التونسي[5].  كما أن الوضع المصري يشابه التونسي.  حيث أن التدريب الذي يقدمه القطاع العام في مصر لا علاقة له باحتياجات السوق، بل تركز هدفه أساسا على تقليل الطلب على التعليم العالي[6].

وبخلاف ذلك، نجد أن نظام التعليم والتدريب المهني والتقني في كوريا الجنوبية متنوع، من حيث تركيزه على توفير المهارات العملية الضرورية للسوق ومشاركة القطاعين العام والخاص في تقديم التدريب في مراكز التدريب المهني والكليات الخاصة بتدريب الفنيين والعمال المهرة، فضلا عن المساهمة الكبيرة للمنشآت الصناعية في العملية التدريبية[7].  وهناك عملية تطوير وتحديث متواصلة للبرامج التدريبية الكورية لتستبدل البرامج القديمة التي لا تتجاوب مع احتياجات السوق. 

ولدى مقارنتنا لمعدلات العائد الاجتماعي (المكونة من معايير الفاعلية الداخلية والخارجية بالمقارنة مع كلفة المنافع) الناتجة عن التدريب المهني والتقني الكوري في كل من معاهد التدريب المهني العامة والمعاهد التقنية العليا والمدارس الثانوية المهنية والتدريب في المنشآت والمصانع الخاصة، نجدها 17%، 11%، 14% و28% على التوالي[8].

ومن هذه الناحية، يتشابه الوضع الكوري مع دول آسيوية أخرى مثل ماليزيا وتايلند اللتين يشارك فيهما القطاع الخاص بشكل فعال في توفير التدريب، في إطار نظام التعليم المهني والتقني الموجه نحو تلبية احتياجات السوق[9].  خاصة وأن المنافسة في السوق تتطلب تعليما وتدريبا مهنيا وتقنيا ينتج مهارات بشرية تستخدمها منشآت صناعية تنافس في السوق.

إذن، هناك علاقة بين أداء نظام التعليم المهني والتقني وبين المنافسة في السوق والتي (أي المنافسة) تؤثر على فعالية الموارد البشرية، الأمر الذي يؤكد ضرورة مشاركة القطاعين العام والخاص في تقديم التدريب، علما بأن للقطاع الأخير قدرة وفعالية أكبر على توفير المهارات التدريبية المرتبطة بالبيئة الاقتصادية الحقيقية.             

وبشكل عام، فإن المنافسة في السوق تشكل حافزا للقطاع العام ليتماشى مع القطاع الخاص في تجاوبه مع احتياجات السوق.  وحيثما لا يوجد تنافس أو حتى تكامل بين القطاع العام والقطاع الخاص في التعليم والتدريب المهني والتقني، نجد أن التدريب غير متجاوب مع احتياجات السوق، كما في مصر مثلا، حيث تقدم مدارس وزارة التربية التعليم المهني والتقني لنحو 52% من الطلاب، بالإضافة لما تقدمه وزارات أخرى كوزارتي الصناعة والإسكان ومؤسسات عامة أخرى مثل هيئة قناة السويس، إلا أن هذا التدريب لم يتأثر بمتطلبات ومؤشرات السوق، بل هدف أساسا إلى التحكم بأعداد الطلاب في التعليم العام والعالي، الأمر الذي أحدث اختلالات وتشوهات في جودة ونوعية التدريب بكافة مستوياته[10].

كما أن برامج التدريب في تونس لم تتجاوب مع احتياجات السوق، بل هدفت أساسا إلى حل مشكلة البطالة (بسبب فائض قوى العمل)  وليس الإعداد المهني لقوى عاملة ماهرة ومطلوبة في السوق.  لهذا نجد أن القوى العاملة التي خرجها القطاع العام الذي تولى مهمة التدريب، لم تكن ماهرة وكفؤة ولا تلبي احتياجات السوق[11]. 

وتتسم عملية التدريب في مواقع العمل، لدى أصحاب العمل، بميزات اقتصادية ومؤسساتية.  فأصحاب العمل، المتدربين والجهاز التعليمي المهني والتقني (الرسمي وشبه الرسمي)  يتشاركون في التكاليف والمنافع.  وهنا لا تبرز مشكلة جانبي العرض والطلب على التدريب، لأن المنشآت تدرب أساسا على مهارات يحتاجها الاقتصاد المحلي.   وحيث أن غالبية المنجزات التكنو